ثائر الزعزوع
على الرغم من أن اسمه يحيل بالضرورة إلى أنه نجل الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، الذي حكم سوريا لمدة ثلاثين عاماً، وتدرج قبل ذلك في مناصب عسكرية أنهاها بانقلاب على رفاقه أوصله إلى سدة الرئاسة، وعمه هو الجنرال رفعت الأسد، نائب والده، المتهم الرئيسي في مجزرة تدمر المروعة في ثمانينات القرن الماضي، وعمه الآخر هو جميل الذي تعاون مع إيران لنشر التشيع الصفوي في سوريا على مدى عشرات السنوات، ومع أن أخواله هم من عائلة مخلوف التي انتشرت فضائح بعض أفرادها المقربين منه مؤخراً في غمرة ما بات يعرف بأوراق بنما، ومع أن شهادة ميلاده وسيرته الذاتية تؤكد أنه ولد وعاش في سوريا معظم سنوات حياته، إلا أن رأس النظام السوري الذي ورث الحكم عن أبيه عام 2000 لا يظهر عليه لحظة واحدة بأنه يعرف أي شيء عن سوريا، بل إنه يظل مصراً على أنه مجرد سائح وأن وجوده في هذا العالم العربي استثنائي بالضرورة لأنه لا يشبه أياً من أبناء هذه المنطقة سواءً أكانوا حكاماً أم محكومين. وكأنه صدق بينه وبين نفسه، الحكاية الخرافية التي تتحدث عن حياته في أوروبا، مع أنه يعلم أن فترة السنتين التي أمضاها في المملكة المتحدة لم تكن كافية حتى لتعلمه اللغة الإنكليزية بشكل لائق، وقد احتاج لاحقاً وبعد توليه الحكم، لدروس مكثفة حتى يستطيع الإجابة على أسئلة الصحفيين باللغة الإنكليزية، إذ أن المذكور يصر في كل ظهور إعلامي له على اعتبار نفسه شخصية خاصة، وكأنه وكما يقول المثل السوري “خلقه الله وكسر القالب”؛ يوجه حديثه بتعالٍ واضح، فهو يلقي محاضرات مطولة في الديمقراطية والوطنية والتصدي للإرهاب، ولا ينفك يتحدث عن الدستور واحترام القانون وكأنهما ركيزتان أساسيتان من ركائز حكمه، وهو يعلم قبل الآخرين أن أي مفردة يقولها إنما هي حبر على ورق ولم تصبح حقيقة في يوم من الأيام، في دولة تعتبر واحدة من أسوأ الدول في مجال الحريات الصحفية والسياسية، لا خلال سنوات الثورة فقط، ولكن منذ أن صعد حزب البعث على ظهر مركبها، وزاد الطين بلة حين أوصل الانقلاب العسكري والده “المقبور” إلى رأس سلطتها.
وإذا كان “السيد الرئيس”، كما يحلو لمؤيديه أن يطلقوا عليه، لا يكاد يفوت فرصة دون أن يتحدث عن فلسطين، وعن أحلامه القومية باستعادتها وتحريرها، فإنه كذلك لا يكف عن تذكيرنا بأنه يقود جبهة صلبة في مواجهة الإرهاب والتصدي للمشاريع الاستعمارية في المنطقة، ولذلك فإنه لم يمانع في تصوير الاحتلال العسكري الروسي لبلاده على أنه تنسيق مشترك، وجزء لا يتجزأ من المعركة ضد الإرهاب، إلا أنه في الوقت نفسه لا يجد ضيراً من لعن الآخرين بسبب قواعد عسكرية أجنبية في بلادهم. وقد أدهش العالم كله في آخر ظهور تلفزيوني له برفقة زوجته إنكليزية المولد، ذات الأصول الحمصية نسبة إلى مدينة حمص التي حولتها قواته إلى أثر بعد عين، فقد تحدث بإسهاب كعادته عن الديمقراطية بوصفها عرساً، وعن “سوريا” التي استعادت عافيتها وانتصرت، دون أن يقول ولو ذراً للرماد في العيون عن أي سوريا كان يتحدث تحديداً!! وهل أن ثلثي البلاد الخارجة عن سيطرته هي سوريا أم شيء آخر؟
والمذكور هو الشخص نفسه الذي وصفته كبرى وسائل الإعلام العالمية بأنه منفصل عن الواقع، وسحبت معظم دول العالم شرعيته، وسفراءها من مدينة دمشق التي توصف من قبل السوريين الثائرين على نظامه بالمدينة المحتلة، هو نفسه الرجل الذي ما زال قادراً على إصدار أوامره بقصف المدن بالبراميل المتفجرة إن لم تمتثل لإرادته، وهو نفسه الرجل الذي قام بتأجير سوريا “شقة مفروشة” للمشروع الإيراني الطائفي في المنطقة، وهو يُخضع لا مستقبل البلاد ولكن ماضيها وحاضرها لهذا المشروع، وهو الذي يتحالف مع عصابات إرهابية عابرة للحدود بدءاً من ميلشيا حزب الله وصولاً إلى “الفاطميين” و”الزينبين”، ويتحدث في آخر المطاف عن أسطورة يسميها استقلالية القرار السوري والسيادة الوطنية!!
المذكور ما زال حتى يومنا هذا رئيساً لما تبقى من سوريا، وهو ينظر إلى مفاوضات السلام التي تهدف إلى إيقاف نزيف الدم السوري بوصفها جزءاً من المؤامرة الكونية ضد نظامه القومي الممانع الصامد، بينما يستمر السوريون في الموت اليومي، وفي الفرار اليومي حتى ضاقت بهم الأرض. لكن لعله سمع من خلال نافذة قصره الجمهوري في حي المهاجرين الدمشقي، على الأقل يوم الجمعة الماضي، أصوات من تبقى من السوريين، وهم كثر، وهي تهتف دون توقف “الشعب يريد إسقاط النظام”، لأنها ثورة وليست شيئاً آخر، وهذا ما كان عليك أن تدركه منذ البداية يا سيادة “المذكور”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث