الرئيسية / رأي / البيئة الحاضنة الشَّرْعة الدولية للإبادة الجماعية

البيئة الحاضنة الشَّرْعة الدولية للإبادة الجماعية

خضر الآغا

 

نتذكر كلمة رئيس النظام السوري التي اعترف فيها بفشله في تربية السوريين تربية تجعلهم وديعيين وصالحين لاستخدامهم عبيداً في مزرعته هو وأقربائه وأركان عصابته، واعترف فيها أن هذا “الفشل الأخلاقي” جعل من ملايين السوريين إرهابيين باعتبارهم آووا ورحبوا واحتضنوا معارضيه ومقاتليه الذين يسمهم بالإرهابيين، وهذا الخطاب هو الذي برر لجيشه وشبيحته، وأمرهم بارتكاب كافة أنواع الجرائم بحق هؤلاء الملايين من السوريين بوصفهم “بيئة حاضنة للإرهاب”.

عندما تم ابتكار هذا المصطلح في العالم كان يقصد فيه البيئة المنتجة للإرهاب والتطرف، وقد تم تحديد عدة عوامل منتجة، منها الفقر والجهل والاستبداد وعدم توزيع الثورة توزيعاً عادلاً وسواها… وبصرف النظر عن صواب هذا التحليل أو عدم صوابه، فإنه لم يكن يقصد فيه الناس الذين “يسكتون عن / ويحمون الإرهابيين ويحتضنونهم” لما في هذه الفكرة من فاشية، ولما تتضمنه من غطاء شرعي قانوني وأخلاقي للقضاء على هؤلاء الناس! إلا أنه، ومع بلوغ مستوى القتل الذي يمارسه النظام السوري بحق شعبه، بوصف هذا الشعب “بيئة حاضنة للإرهاب”، حداً غير مسبوق في العصر الحديث، ومع بلوغ الموافقة الدولية على هذه المجازر حداً لم يعد بالإمكان معه تبرير هذا القتل وهذه الموافقة، كان أن حرّف النظام الدولي المعنى المقصود بتعبير “البيئة الحاضنة” ليشمل الناس الذين يأوون ويرحبون ويحتضنون (الإرهابيين)… حتى انتشر هذا التعبير وعم وساد في الأوساط السياسية والثقافية والفكرية، واعتبر، لأول مرة في تاريخ الفكر الإنساني، أن الناس يمكن أن يكونوا بيئة حاضنة للإرهاب وأنهم يمكن / بل يجب أن يقتلوا ليبقى الإرهاب وحيداً وعارياً، وبالتالي يمكن القضاء عليه أو احتواؤه… هذا نوع جديد من الفاشية، العالمية هذه المرة.

انطلاقاً من هذه المقولة التي تحولت إلى شعار للقتل، تقتل الأنظمة شعوبها. رئيس النظام المصري، عبد الفتاح السيسي، دمر جزءاً من سيناء، وقتل الكثير من أهلها ودمر بيوتهم تحت هذا الشعار ذاته، فسيناء وأهلها، أيضاً، بيئة حاضنة للإرهاب… والأمثلة أكثر من أن تحصى عربياً ودولياً.

في المجزرة السورية، يرتكب، ليس النظام فحسب، بل أدواته ومعلموه، مجازر متنقلة ومتواصلة بحق السوريين بوصفهم هذا. حزب الله لم يزل يحاصر مضايا ويفتك بأهلها لأنهم يحتضنون الإرهاب، وكذلك تفعل الميليشيات القادمة من العراق، والحرس الثوري الإيراني… وليس بطبيعة الحال غريباً ولا مفاجئاً، أن روسيا -عضو الأمم المتحدة، وعضو مجلس الأمن الدائم، والموكل دولياً بـ (حل القضية السورية) – تحدثت عن البيئة الحاضنة للإرهاب، وهي تقود العملية الأممية لمكافحة هذه البيئة. عادة تجري جرائم الدول الكبرى تحت يافطات إنسانية مثلاً، أو أخلاقية، أو سياسية من نوع ما… أما أن تجري تحت يافطات فاشية وتدعو للإبادة الجماعية على هذا النحو الصريح والواضح، فهذه لا تحدث إلا على غفلة من التاريخ، أما في سوريا فتحدث فيما عينا التاريخ مفتوحتان على اتساعهما.

على هذا يمكن، أيضاً، اعتبار المناطق الخاضعة لسيطرة النظام وشبيحته، أو القوى الموالية الأخرى، بيئة حاضنة، طالما أنهم يعتبرون أن المناطق الخاضعة لسيطرة داعش أو النصرة… أو الجيش الحر وفصائل المعارضة… أيضاً بيئة حاضنة، وبالتالي يمكن / ويجب إبادتهم.

يكشف انتشار هذا التعبير في الأوساط السياسية العالمية المتحكّمة، وفي بعض الأوساط الفكرية والثقافية عن مقدار الانحدار الأخلاقي، بل السقوط، الذي يعم العالم المتحضر، ويلقي بظلال كالحة على شرعة حقوق الإنسان.

تعبير “البيئة الحاضنة للإرهاب” هو الشَّرْعة الدولية للإبادة الجماعية.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *