الرئيسية / رأي / ثورة شعبية وموضوع الطائفية!

ثورة شعبية وموضوع الطائفية!

عمار الأحمد

انطلقت الثورة، وانتشرت
تباعاً في المدن السورية كافة ، وهي تريد الحريات وإنهاء الفساد، وتدرجت في
ثوريتها من تشكيل الوفود ومواجهة رئيس النظام إلى حمل السلاح. لم تظهر الطائفية
حينها، فلا قالت الثورة إنها ثورة طائفة ما، ولا قالت أنها ضد طائفة بعينها. وربما
غالت لتتجنب تكرار مأساة الثمانينيات، مقصية بذلك الإخوان وتوظيف النظام للطائفية
ضد الثورة. بعكس ذلك النظام قال: إنها ثورة طائفية وكذلك الإخوان.

ألاعيب الإخوان بدأت
بعد وقت قصير من تلك الانطلاقة، حيث عقدوا المؤتمرات، وشكّلوا لاحقاً المجلس
الوطني، ودخلوا ضمن الائتلاف الوطني، وقد لعب إعلان دمشق أسوأ الأدوار بذلك حيث
دافع عن الإخوان ومنذ إطلاق بيانه عام 2006، وبقي أميناً لفكرته تلك. رغم أن
الإخوان أداروا للإعلان ظهرهم حينما تحالفوا مع
عبد الحليم خدام عام 2009 وأوقفوا معركتهم ضد النظام عام 2008 بحجة وقوفه
مع غزة، وفعلوا ذلك بانتهازية سياسية فجة، حيث كانوا دائماً يبحثون عن طريقة
للوصول إلى السلطة، مرة عبر خدام والأمريكان ومرة عبر غزة وتركيا. قبل عدة أسابيع
فهم سمير نشار الإخوان أخيراً وقال: لقد ضحكوا علينا؟! نعيماً!

مشروع الإخوان لا
يتوطد دون توطيد الطائفية، وبذلك بدؤوا تأييدهم للثورة باعتبارها ثورة السنّة.
وأكمل ذلك كثير من المثقفين قائلين أن السنة تعرضوا لمظلومية كبيرة، ومن حقهم
الحكم، وهناك من قال إن سوريا تعاني انقساماً أفقياً، فالأقليات وقفوا مع النظام
ضد السنة، وهكذا تشكل مناخ سياسي وثقافي لتعميم الطائفية. الشعب الذي ثار لم يكن
الأمر بباله، بل كان رافضاً للتطييف؛ النظام لم يتوان لحظة عن قتل وسجن وتهجير
الثوار الأوائل، وأفسح المجال واسعاً عبر الفيس لكل نشاط فيسبوكي تطييفي، ودخل
الطائفيون من كل حدب وصوب وبدؤوا حفلة التطييف؛ موظفو النظام في صفحات الفيس
والموالين وكثير من الطائفيين أيضاً دخلوا الحفلة. وبذلك بدأت تتكرس ميول طائفية
متصاعدة.

كان أثر كل ذلك
التعميم التدريجي للنزوع الأصولي والطائفي، وأدخل لاحق الدعم المالي والاغاثي
والسلاح باسم الطائفية، وصنعت الطائفية صناعة خالصة، وشاركت بذلك دول إقليمية
كالسعودية وقطر وتركيا، وضخ النظام برجالاته الأمنيين ضمن صفوف الثورة وبهدف وحيد
تعميم الطائفية كذلك، ودفع الثورة نحو العسكرة الفوضوية مترابطة بالطائفية. وهذا
سبب عزوف كثير من فئات الشعب عن الثورة بما فيها حلب ودمشق والسويداء، وطبعاً طرطوس
واللاذقية، ليتشكل واقع كارثي، وكان الهدف محاصرة الثورة نهائياً والقضاء عليها،
وتكريس الطائفية والقتل والذبح باسم الدين.

انتصر قسم من العلويين
والمسيحيين والدروز والإسماعيليين للثورة، وطوردوا من بيئاتهم المحلية، وكانت أشد
الفئات رفضاً هي البيئات العلوية، ولكن لماذا؟

السبب أن النظام عمل
من اللحظة الأولى للثورة على تشكيل لجان للأحياء وعلى تخويفهم تخويفاً مطلقاً من
الثورة، وكذلك فعلت قيادة المعارضة بإدخال الإخوان، وتفردت قنوات تلفزيون لبث
الطائفية، وتصاعدت لعبة نشر اليوتوبات الطائفية والإجرام الطائفي. وبذلك تكرس فهم
طائفي لدى الثوار يقول كل علوي شبيح والنظام علوي، والثورة ثورة سنية! وبمقابل ذلك
تكرس أن النظام يدافع عن الأقليات وتحديداً العلوية وكل علوي بالتحديد خائن إن لم
يوال النظام. إذاً لم يعد للعلوي أي خيار آخر إلا النظام! ومن يخرج عنه لا يجد أي مكان
يلتجئ إليه، بل وهو عنصر مشكك فيه دائماً؛ هذه تجربة من انخرط في المجلس الوطني أو
الائتلاف، ومن يعمل ضمنهما أدخل جنتهما من بوابة الطائفة!

لم يتوقف شباب قلائل
عن المحاولة لرفض تطييف الثورة في جانبي الصراع، ولكن صوتهم كان بلا صدى بل بلا
صوت حتى! آخر المحاولات الحملة الجديدة والتي تؤكد أن العلويين للموت وعائلة الأسد
باقية في الحكم! ولكن الإجرام تصاعد والثورة طالت. ومنذ أن رفض المجلس الوطني
اعتبار النصرة حركة إرهابية، واعتبروا كل من يصوب على النظام ينتمي للثورة تطيفت
الثورة أكثر فأكثر، وراحت الجماعات الجهادية تفرض سلطتها على المناطق المحررة
وتقتل من لا يواليها، بدءاً بالنصرة ولاحقاً أحرار الشام وأخيراً بالتنظيم الهمجي
داعش. ليتبين لنا أن السماح بالقوى السياسية الطائفية ضمن الثورة أوصلها إلى
الجهادية والتي التهمت تقريباً العمل العسكري والآن داعش تتوسع تباعاً.

مع الهمجية المطلقة
هذه، ومع زيادة الحصار للفصائل الوطنية، ومع إدخال النظام لحزب الله والمليشيات
الطائفية كمدافعة عنه، ارتفعت حدّة الطائفية، ومع استمرار المعارضة بموال
الطائفية، يتكرس وعي طائفي، وأصبحت الثورة وكأنها ثورة طائفية والنظام وكأنه نظام
طائفي. الإعلام أكثر من يثبت هذا النمط من التفكير.

في الواقع كما هو، قتل
النظام عبر زجّهم بالحرب ضد الشعب أغلب العناصر الموثوقة بالنسبة إليه، وهذا راكم
تذمُّراً واسعاً لدى الطائفة العلوية وسواها، ولكن ذلك التذمر كان يقابل برفض من مؤيدي
الثورة ومن قادتها، وبدلاً من طرح رؤية وسياسات ثابتة لجهة اعتبار النظام لمصلحة فئات
بعينها، وليس لمصلحة طائفة معنية، فإن مثقفين كباراً عرفوا شكل النظام بأنه
“العلوية السياسية” أي هو نظام علوي، وانتهى الأمر.

هذا التذمُّر لم يقابل
بسياسات وطنية من المعارضة؛ فتذمر الناس. النظام ترك أولادهم لدى الفصائل، وتذمروا
لأن الحرب لا تنتهي وتذمروا خوفاً من قتل بقية أولادهم وتذمروا لأن الوضع
الاقتصادي لأغلبية المواطنين، وتذمروا لأن زعماء الشبيحة اغتنوا وصارت لديهم فلل وأموال،
ويمارسون أفعالاً يرفضها كل المجتمع، ومنذ أكثر من ستة أشهر هناك شبه مقاطعة
لإرسال أولادهم إلى الجيش والأمن، وتذمروا لأن الكثير من الحماصنة والحلبية
والحموية نزحوا نحو طرطوس واللاذقية وسواها.

كان يمكن للمعارضة أن
تكون أشد ذكاء وأن تطرح سياسات واضحة أن النظام شمولي وناهب، وأن ترفض أي تطييف
تماماً وأن تعتبره خدمة خالصة للنظام. لو فعلت ذلك ربما لانتصرت الثورة الآن.
وربما لحوصرت الطائفية بدلاً من المساهمة في تعميمها وتكريسها.

الآن أصحبنا مع ثورة
منحسرة، وطائفية همجية ممثلة بداعش، ونظام مسنود بقوات حزب الله وإيران بالتحديد،
ولكن كذلك مع تذمر واسع من “الأقليات” من سياسات النظام، وتذمر واسع في
جمهور الثورة من تلك الطائفية الهمجية، وبالتالي هناك معطيات جديدة تقول برفض
المعارضة ورفض النظام معاً، وهذا ما يفترض بالثوار الشغل عليه.

إذاً: الثوار أمام
خيارات حادة إما البقاء خاضعين لما عممته المعارضة، واستفاد منه النظام، وأنقذ
نفسه من السقوط، وإما تبني رؤية جديدة، أسها رفض كل أصولية وطائفية وجهادية، وطرح
مشكلات الناس في المناطق الثائرة و”الموالية” والتخلص من سياسات النظام
التي تبنتها المعارضة، أي الطائفية وفوضى السلاح وفوضى المال السياسي وفوضى التدخل
الخارجي. فهل هذا ممكن؟! نترك الإجابة
للقارئ ليناقش هذه الأفكار.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *