موقع المدن /
“تاريخ الكذب”(*) للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا (1930 – 2004) كتاب لا يُنصَح به لمن يبتغي معرفة ماهية الكذب أو الإطلاع على تاريخه. هذا العمل الذي تُرجم مؤخراً إلى العربية، عبارة عن محاضرة ألقاها الفيلسوف الفرنسي العام 1997، طرح خلالها مجموعة من التساؤلات التمهيدية حول إمكانية تشكيل تاريخ خاص بالكذب: تساؤلات مفتوحة، مُتشعبة، مُحيّرة، لا إجابات لها، تترك القارئ جاهلاً بمسألة الكذب أكثر مما كان عليه بدايةً، وقتما فتح الكتاب لأول مرّة.
ينطلق دريدا مما يسميه التعريف “الكلاسيكي” أو التقليدي للكذب، مستنداً في ذلك إلى أعمالِ عدةٍ من الفلاسفة كالقدّيس أغسطين وروسو وخصوصاً كانط. بحسب هذا التعريف، الكذب هو فعل مقصود يقوم على مخاطبة الآخرين لإسماعهم أقوالاً يَعرِف الكاذب، وفق وعي بيّن، أنها أقوال خاطئة، لكنه يدّعي أنها صحيحة. يتضمن الكذب إذن نية خداع الآخرين: هو نوع من الحنث، إخلال بالوعد الضمني بقول الحقيقة، وهو يسعى بالتالي إلى توجيه سلوك الآخرين.
إن العلاقة بين الكذب من جهة، والقصديّة والوعي، من قبل الكاذب، للفعل الذي يُقدم عليه من جهة ثانية، هي علاقة جوهرية. فبالنسبة إلى دريدا وتحديده الكلاسيكي، الكذب، يختلف تماماً عن الخطأ، كما أن نقيضه ليس الحقيقة، بل الصدق. إذ بوسع المرء أن يَنطُق بكلام خاطئ دون أن يكذب، وهو حال من لا يرمي إلى خداع الآخرين ويعتقد أن أقواله الخاطئة هي صحيحة. والعكس جائز حدوثه أيضاً: فإن نَطقنا بأقوال صحيحة، نعتقد أنها خاطئة ونهدف منها إلى التأثير على سلوك الآخرين، نكون آنذاك كاذبين.
يعتبر دريدا أن مفهوم الكذب الكلاسيكي خامّ وفظّ، جامد وصلب، وليس بمقدوره استيعاب ظواهر تقترب من الكذب أو حتى يُشار إليها عادةً على أنها نوع من أنواع الكذب. هذه هي حالة الأفعال التي تتسم بالصمت ولا تقع ضمن نطاق الأقوال التصريحية (أو الكلام). فهل يجب اعتبار بعض السلوكيات الاجتماعية غير الكلامية، كـ”الإبتسامات المتكلّفة من باب حُسن اللياقة أو النظرات وحركات اليد التي تبقى مضمرة، على أنها مجرد أكاذيب؟” (ص30). وهل هزّة الجُماع المُفتعلة هي كذب أيضاً؟ يسأل دريدا. بالنسبة له، ليس بوسع التعريف الكلاسيكي أن يعطِينا إجابة واضحة عن ذلك (بالرغم من أن كانط، يَفتَرِض دريدا، كان سيُدين هزّة الجُماع المُفتعلة باعتبارها فعلاً كذباً).
وفقاً لهذا التعريف التقليدي، يتابع دريدا، الكذب على الذات (أو الإيحاء الذاتي) أمر مستحيل: فأن يقول المرء لذاته وعن قصد، بهدف تضليلها أو خداعها أو إلحاق الأذى بها، شيئاً يعي تماماً أنه مخالف للحقيقة ولما يُفكر فيه، هي عملية تبدو عبثية وغير ممكنة. وغاية دريداً من هذا التحليل ليست بتاتاً إنكار وجود الظواهر التي يُطلق عليها عادة تسمية الكذب على الذات، بل تبيان عدم قدرة المفهوم الكلاسيكي للكذب، المرتبط جوهرياً بمفهوميّ القصدية والوعي، إستيعاب هذه الظواهر المتعلقة بمنطق اللاوعي.
إلى جانب هذا الارتباط بالقصديّة والوعي، التحديد الكلاسيكي للكذب على علاقة وثيقة أيضاً بقداسة الحقيقة التي لا يمكن بدونها إدانته أو حتى تعريفه: “من المستحيل أن يكون للكذب معنى، ولا يمكن تشخيص النواهي التي تؤسس مفهومه، خارج أفق القداسة، وبدون الرجوع إلى “الاسم المقدّس للحقيقة” على حدّ تعبير روسو (…)” (ص35). فمفهوم الكذب، بصلابته وجموده وصلته بقداسة الحقيقة، ضروري لإستمرارية الأخلاق والقانون والسياسة. ما يُحول كتابة تاريخ خاص بهذا المفهوم أمراً عسيراً، إذ إن التأريخ له سيضفي طابع النسبية على سلطته وقيمته.
من غير الواضح إذا كان دريدا يدافع، عبر هذه الطروحات، عن المفهوم الكلاسيكي للكذب وعن ضرورة الإبقاء عليه كما هو، أم على العكس من ذلك، يُشَرِّح هذا المفهوم تحضيراً لنقده أو تفكيكه ثم كتابة تاريخه، وهو أمرٌ لا يُقْدِم عليه في هذا الكتاب الذي، بحسب عنوانه الفرعي، ليس سوى “مقدمة”. إلا أنه يُشير في النصف الثاني من هذا العمل، وبشكل عابر، إلى بعض من التحولات التي طرأت على ممارسات الكذب في الحقل السياسي خلال القرن العشرين، مستنداً في ذلك إلى مقالتين لحنة أرندت، ومكرراً، للمرة الألف، أن مفهوم الكذب التقليدي لا يَصلح لوصف أفعال تشبه الكذب، لكنها ليست كذباً بالمعنى الضيّق للكلمة.
أبرز هذه التحولات الحديثة تكمن في الإنتقال من الكذب السياسي كإخفاء لحقيقة أو حقائق معينة (كتمان سرّ مثلاً)، إلى نوع من الكذب الشمولي، تُمارسه الأنظمة الشمولية كما الديمقراطيات الرأسمالية. هذا الصنف الجديد لا ينطوي على حجب الحقيقة، بل على تدميرها واستبدالها بحقيقة أخرى، وهو ما تقوم به الأنظمة الشمولية عندما تُعيد كتابة التاريخ، والأنظمة الديمقراطية لدى صناعتها للرأي العام وتلاعبها به. وفي هذه الأنظمة الأخيرة، تلعب وسائل الإعلام، خاصة المرئية منها، دوراً أساسياً في عملية الكذب الشمولي، عبر السلطة الشبه مُطلقة التي تَمنحها للصورة. فوفقاً لدريدا، لم تعد الصورة في عصرنا “مجرد مظهر خدّاع للشيء، بل أصبحت الشيء نفسه، أي أنها لم تعد تكتفي بتمثيله، بل تحلّ محله وذلك بنقضه. وهكذا تصبح في الآن ذاته، الأرشيف الوحيد الذي يحفظ الحدث والحدث المحفوظ نفسه” (ص102 ). مثال على ذلك البثّ التلفزيوني الحيّ، الذي لا ينوب عن الحدث فحسب، بل يتحوّل إلى الحدث بحد ذاته والأرشيف الوحيد لهذا الحدث.
لكن، بما أن هذا الكذب الشمولي ليس على ارتباط ضروري أو جوهري بالقصديّة وبالوعي البيّن أن ما يُنطق به هو كلام خاطئ، فبالتالي هو ليس كذباً بحسب المفهوم الكلاسيكي. فما هو هذا الشيء الذي يشبه الكذب لكنه ليس كذباً؟ وما هو الكذب على الذات؟ وهزّة الجُماع المُفتعَلة؟ هي أسئلة، من بين أخرى عديدة، يتنصّل دريدا، ببراعة مذهلة، من الإجابة عنها. –
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث