غالية شاهين
جميعنا، نحن السوريين، نغرق في اليوم ألف مرة. جميعنا، في كل مكان من هذا العالم الذي لم يعد يتسع لصراخنا، تعبنا من الاستنجاد بخفر السواحل كي ينتشلونا، تعبنا من عد أطواق النجاة التي لم تصلنا، تعبنا من حياكة سترات نجاتنا الهشة بأيدينا، تعبنا من توثيق أسماء من غرقوا منا بكل بحار الأرض ويابستها. والأصعب حتى الآن، أننا تعبنا من ملاحقة سراب سترات نجاة يلوّح لنا بها العالم من بعيد..ولا يرميها.
ربما ارتبط مصطلح “سترات النجاة” مؤخرا، بالنازحين السوريين الذين ارتدوها ليعبروا مياه بحار حقيقية في رحلاتهم الموجعة باتجاه بر أمان نشدوه في أوروبا. وارتبط خصيصا بصورة من غرق منهم دون أن تنقذه سترة النجاة البرتقالية، المغشوشة في كثير من الأحيان. لكننا إن دققنا النظر أكثر في وجوه السوريين الموشكة على الغرقاليوم في كل مكان، نكتشف ببساطة قاتلة كرصاصة، أننا جميعا، حتى على بر كل البلدان التي نتشرد فيها، مازلنا بحاجة لنوع ما من “سترات النجاة”.
فالسوريون المسجونون في المناطق المحاصرة داخل البلاد، معلقون بأمل وصول أطواق نجاة من نوع آخر تنقذهم من الموت جوعا. لكن الكثيرين منهن غرقوافي قبورهم قبل أي يروها.
السوريون المعتقلون في أقبية مظلمة يختلف اسمها وملامح السجان فيها، ما زالوا يرسمون على الجدران شموسا ونوافذ، علّ أحدا ممن يدّعون الدفاع عن “حقوق الإنسان” في العالم، يرمي لهم سترة نجاة تحميهم من الموت منسيين.
الرجال السوريون الصامدون في مدنهم، يحصون عدد من تبقى من أفراد عائلاتهم، بعد أن تعبوا من إحصاء شهدائهم، ولا يملّون من إعادة بناء جدران بيوتهم المهدمة عشرات المرات، هم بحاجة أيضا إلى أطواق نجاة تساعدهم على عبور هذا الزمن الأسود الممتد، علّهم يصلون يوما ضفة دون موت.
الشباب السوريون الصامدون أيضا في مدن لم يزل يحكمها شبح الطاغية، يحاصرهم الصمت وخذلان الصوت، يقتاتون قهرهم، ويشربون الذل مجبرين صباح مساء، مقيدين ومكسوري الجناح، يناشدون الله أن يخلّصهم من قضبان هذا السجن الكبير، ويناشدون العالم سرا أن يرمي بأطواق النجاة لتلك المدن، كيلا تموت اختناقا بصوتها المكتوم.
السوريات المختطفات في لبنان كنّ أيضا بحاجة إلى طوق نجاة ينقذهن من الموت ذلاً، بعد أن قادهن طوق نجاة مغشوش إلى ما هنّ فيه. والسوريات المشردات في شوارع بيروت ومخيماتها البائسة ما زلن ينتظرن أطواق نجاة يحلمن بأن يرميها لهن العالم الأعمى.
الأطفال السوريون الذين يغوصون في وحل المخيمات؛ وحل هذا العالم الوسخ، يضحكون للكاميرات التي تصوّر موتهم اليومي في هذا القاع، وينامون على أمل بسترة نجاة تعيدهم يوما إلى باحات بيوتهم النظيفة؛ بيوتهم التي لم تعد موجودة إلا في أحلامهم.
الرجال السوريون الأشداء الذين يفترشون أرصفة المدن الغريبة بانتظار فرصة عمل شريف، قد تكون سترة نجاة تنقذهم وعائلاتهم من الغرق بأمواج فقر وعوز تتقاذفهم دون شواطئ.
السوريون العالقون على الحدود، يكومون خيباتهم على شكل مخدات يلقون برؤوسهم في الليل عليها، يتوسدون الأمل المحكومين به، وينتظرون أن يأتي الصباح بأطواق نجاة تحملهم إلى الضفة الأخرى من العالم، بعد أن انهارت جميع جسور العودة خلفهم.
السوريون المنفيون في قصور وهمية تسمى دول اللجوء، يأكلون جيدا، يسخرون من الحياة بإسرافهم في الاحتفاء بتحقيق أحلامهم الصغيرة، وينعمون بالدفء في بيوت لا تحمل ملامحهم، ومدن لا تعرفهم ولا يعرفونها، لكن ليلهم يزداد ثقلا يوما بعد يوم، يتخففون منه بالأغنيات. يدخلون عوالمهم الافتراضية باحثين عن طوق نجاة يتعلقون به لكيلا يموتوا حنينا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث