وائل عبد الحميد
لم تكن بحاجة إلا لعود ثقاب لإشعال الجمر الراقد بين
جنباتها. فعلى مدار عقودٍ طويلة تحت شمس النظام الحارقة عاشت حمص ضامةً بين
جنباتها مزيجاً سكانياً فريداً في سوريا، شارك في إيجاده كلٌّ من النظام وأهل حمص،
النظام في محاولته تغيير ديمغرافيا المنطقة، وأهل حمص بتقبلهم للآخر وتعاملهم معه
كأنه منهم.
إلا أن عود الثقاب الذي أشعله أطفال درعا كان حارقاً بما
يكفي ليكشف ما حاول الجميع إخفاءه، إمّا تماشياً مع مصلحته كما فعل النظام أو
بطيبةٍ مفرطة هي من طبيعة السوريين.
فك ارتباط
أبرز ما قام به النظام السوري هو تقسيمه أحياء حمص حسب
لونها الطائفي، أحياء للسنة وأخرى للعلويين، في تباين واضح بين القسمين المختلفين
إلا في كونهما يقعان في مدينة واحدة.
هذا التباين ازداد وضوحاً مع بداية الثورة، وما إقدام
شبيحة النظام الذين استقدمهم من قرية مجاورة لحمص على حرق محالٍ تجارية أصحابها من
“السنة” في حيي عكرمة والزهراء الموالين في منتصف عام 2011 سوى توكيدٍ
من النظام على قدرته على زيادة رقعة التباين، وخلق شرخ كبير لن يمحّي في القريب
العاجل.
وهذا الفعل المشين، اعتبر إشارة علنية لبداية الفصل
النهائي بين الأحياء الثائرة والأحياء الموالية، فأسواق الطرف الأول أغلقت بوجه
الطرف الثاني والعكس صحيح، إضافة إلى هجرة سكانية بين المنطقتين “الشرقية
والغربية” فأصبح تواجد السني في الحي العلوي أو العلوي في الحي السني خطراً
يهدد حياته.
جدران للفصل العنصري
ازداد التقسيم تقسيماً بعد سيطرة النظام على حي بابا
عمرو الثاني بداية آذار 2012 التقسيم هذه المرة كان مبتكراً، فالفصل بالجدران
الاسمنتية كان فعالاً في حرب النظام ضد الثورة، حيث فصل بابا عمرو بالكامل عن بقية
أحياء حمص، والدخول والخروج إليه أصبح ضرباً من الماضي ما لم يكن مقروناً بموافقة
النظام. ولفعالية هذا الأمر أنشأ النظام جدراناً “برلينية” أخرى حول حيّ
الإنشاءات مما أخرجه مع سكانه خارج نطاق العمل الثوري حيث أمسى الدخول والخروج من
الحي وإليه حتى مشياً على الأقدام مستحيلاً لإغلاق جميع المنافذ الفرعية بالجدران
الاسمنتية التي يصل ارتفاعها إلى ثلاثة أمتار، وطريق التواصل الوحيد مع الأحياء
الأخرى يكون عبر منفذ واحد تركه النظام تحت حماية شبيحته وأجهزته الأمنية.
الحصار الأبرز .. وحصارات أخرى
تفنّن النظام بأشكال الفصل والحصار التي اتبعها في حمص،
وأهمها ما قام به مع أحياء حمص القديمة التي حاصرها لما يزيد عن السنة ونصف السنة،
فحاصرها بمن فيها من آلاف المدنيين وعشرات الثوار المسلحين، فمنع عنهم كل أنواع
الطعام ومستلزمات الحياة الآدمية حتى فُرضت هدنة بين الطرفين انسحب على إثرها
المدنيون إلى حيٍّ محاصر آخر، هو الوعر، ومن ثم انسحب الثوار إلى مدن وقرى الريف
الشمالي.
أما حي الوعر فإنه يعاني من حصار مماثل من حيث الشكل مع
فارق أساسي بأنه حيٌّ يغص بالسكان، ومنهم عدد كبير من المسلحين والمطلوبين
المدنيين للأفرع الأمنية أو للخدمة العسكرية، إضافة إلى كونه آخر معاقل الثورة في
مدينة حمص.
أما الأحياء التي خمدت فيها الثورة قسراً فإنها هي
الأخرى تعاني حصاراً من نوع آخر؛ حصار يتمثل بأنها واقعة تحت احتلال أجهزة النظام
الأمنية وشبيحته, والتنقل من حي لآخر يبدو مهمة شاقة لمن يريد ذلك، أما التنقل
منها أي الأحياء المحتلة إلى الأحياء المحاصرة حالياً والمتمثلة بالوعر حالياً
والأحياء القديمة سابقاً، فهو المستحيل بعينه.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث