الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / في السؤال عن الثورة ومواجهة “داعش”

في السؤال عن الثورة ومواجهة “داعش”

عمّار الأحمد

بات هذا السؤال يقلق الثوار وحاضنتهم الشعبية وكلّ
السوريين: هل ما يزال في سوريا ثورة، أم أصبحت حرباً؛ طرفاها يوظفان الطائفية لحشد
المقاتلين، ويجري كل ذلك بتبعية لأطراف إقليمية ودولية؟

هذا السؤال لم يعد مُجدياً تجاهله. لم يعد مجدياً
الصمت إزاء كل هذه المشكلات التي تغوص فيها سوريا. لا شك أن الثورة تغيرت طبيعتُها،
وما بقي من طبيعتها الأولى، الشهداء والمعتقلون واللاجئون، وعشرات الفصائل ذات
الرؤية الوطنية، ومجموعات وأفراد كثرٌ يقدّمون الغالي والنفيس لاستمراريتها، وكذلك
المناطق المحررة، ولو حكمتها “داعش” وزهران علوش و”النصرة”
وسواهم؛ أي أن من طرد النظام، وبدأ بتشكيل حياته بعيداً عنه هو الشعب المنتفض؛
وأغلبيته من الفقراء، وليست الكتائب الجهادية أو الساعية نحو “دولة إسلامية
رشيدة”. ونضيف: بما أن النظام لم يستطع استعادة المدن والبلدات فهذا يعني أن
الثورة مستمرة.

واجهت الثورة مشكلات معقّدة، أهمها: فوضى المال
السياسي وفوضى التسليح و”تدمير” الجيش الحر وفوضى الرؤية السياسية،
وكذلك طغيان “داعش” كقوى عدمية
إرهابية، وكذلك تمدد حركة النصرة، والجبهة الإسلامية، عدا عن تبعية المعارضة
لمصالح الدول الخارجية المتنافسة في السيطرة على سوريا.

نقول بعد كل
أشكال الفشل هذه واستبعاد الشعب بسبب طغيان العسكرة والأسلمة والتبعية، إن عودة
الشعب للثورة أصبحت أكثر من ضرورة. هنا يقف أمامنا سؤال: ولكن كيف سيتحقق ذلك؟!

تحقُّقُ ذلك يبدأ في مناطق الثورة كافة، ولا سيما في
المناطق التي لا سيطرة للتنظيمات الجهادية عليها، كأن يبدأ من درعا أو إدلب أو بعض
بلدات حلب أو غوطة دمشق، وسواها، وكذلك في كافة مخيمات اللجوء والعالم. الاستمرار
بتهميش الشعب جريمة كاملة، والسكوت على ممارسات كل الفصائل المقاتلة جريمة كذلك،
إذاً لا خيار بالنسبة للشعب إلا العودة للتظاهر والاحتجاج والتعبير عن مشكلاته
ومطالبه وأهدافه. طبعاً الشعب لا يعرف الكذب، وبالتالي سيواجه، لا محالة، عدوين له؛
همجية النظام وهمجية القوى الجهادية والعسكرية، عدا عن رفضه لكل تنظيم أو تيار
سياسي أو مجلس لم يوفر حاجات الناس.

بتمدد “داعش” إلى دير الزور، واحتلالها
للفرقة 17 في الرقة، واتجاهها نحو حمص، تتوضح ضرورة تلك المواجهة ضدها. منذ بعض
الوقت، حوصر “داعش” في غوطة دمشق وفي جنوب دمشق، ويجب إنهاء وجودها من
كل محيط دمشق ومن سوريا كلها، وتم إجلاؤها من إدلب من قبل.

“داعش الآن ستدخل بمواجهة مباشرة مع النظام،
فقد قضت على فصائل الجيش الحر في الرقة ودير الزور، وكانت تعِدُّ لذلك في الغوطة
وفشلت، وبالتالي أصبح العدوّان متواجهين في أرض المعركة، ومن هنا بدأت معارك “داعش”
تزداد ضد النظام في دير الزور وفي الفرقة المذكورة وسواها، ولكن هل هذا يعطيها أي
بعد ثوري؟ قطعاً لا؛ فداعش هي داعش، ولن يتوانى عن قتل كل معارض وكل الشعب، إن
أبدى أي رفض لسلطته. إذاً تنظيم داعش هو ليست من الثورة أبداً، وسيقاتل الآن
النظام، ويجب تركه في هذه المعركة وحيداً، ولا جدوى من الركون إلى فتاوى الخوف من
الفتنة بين المسلمين وسواها، فبعد كل ممارسات “داعش” أصبح الالتفات
لهكذا فتاوى غباءً مطلقاً. هذه معركة اختلاف المصالح، وربما تباعد المصالح بينهما
لا يغير من عداوتهما المشتركة للشعب وللثورة.

تزايد المشكلات جاء من غياب الرؤية السياسية
المطابقة للثورة، فماذا تريد الثورة؟

هذا السؤال، بعد مرور ثلاثة أعوام على الثورة، وبعد
وصول الأسئلة للتشكيك في استمراريتها، صار لا بد من الإجابة عنه بعمق، فالثورة لها
أهداف رئيسية:

إنهاء كل السياسات الاقتصادية التي أفقرت الشعب،
ودمرت الزراعة ورفعت أعداد العاطلين عن العمل بتدميرها الصناعة بعد الانفتاح على
تركيا سواها. وها هو النظام يرفع أسعار الكهرباء والماء والخبز والسكر والأرز
ومشتقات النفط الضرورية للزراعة والصناعة.

يقع على الثورة القول إنها ستوقف هذه السياسات،
وستعتمد على تنمية الزراعة والصناعة وإنهاء حالة الفقر الذي تعدّى الخمسين في المئة
من السكان، وستكون التنمية في مختلف مدن سوريا، بما فيه البلدات والمدن التي لا
تثور، ووقفت مع النظام كذلك.

إنهاء كلّ ميل أصولي في الثورة، ورفع شعار “دولة
لكل السوريين مهما كانت دياناتهم وطوائفهم”، ورفض كل ميل لتجاهل بناء دولة
حديثة، وأن يكون دستورُها وضعيّاً، وليس فيه أي تمييز بين الأديان والطوائف، ورفض
أية أحزاب دينية، واعتبار الدين مسألة محيّدة عن الدولة، وبالتالي لا يمكن للسياسة
أن تستقي مرجعيتها من الدين، فالدين شأنٌ ثقافيٌ عامٌ، ومسألة خاصة بالأفراد
والجماعات، ولكن بعيداً عن السياسة والتعليم العام والقانون.

تحديد شكل النظام القادم بأن يكونَ نظاماً ديمقراطياً
يستند إلى المواطنة، ولن يكون له أي ملمح طائفي، وهذا بعكس ما تُدفع إليه سوريا
الآن.

إنهاء حالة الفوضى العارمة، وتشكيل لجان قانونية
للمتابعة من الداخل، تكون مهمتها متابعة كل ما يجري على الأرض تماماً، ورفع تقارير
مستمرة لجهات قضائية نزيهة.

هذه المسائل ستكون بداية جديدة لممارسات ثورية،
تساهم في استعادة الثورة لذاتها، فالشعب الذي استُبعِد لا بد أن ينظم نفسه في
جمعيات واتحادات وأحزاب وسواها، بمختلف فئاته، ويكون له الحق المطلق بمختلف أشكال
التظاهر والاعتراض، وكل تحجيم باسم الثورة أو الدين أو الحرب أو همجية النظام عن التظاهر
يعتبر محاولة جديدة لإقصائه عن الثورة.

الثورة في أسوأ حالاتها الآن كما حلّلنا، ولكن
النظام ضعيف للغاية، فقد صُفيت معظم قياداته العسكرية، واستعان ولا يزال بكادر
بشري من العراق، وقد تم إعادتهم لمساعدة المالكي وعدم الإطاحة به، وبكادر من حزب
الله وسواه. هناك أزمات متعددة الأشكال، ومنها الاحتجاج المجتمعي الصامت من
الموالين على كثرة شهدائهم وهناك ارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة العملة، وهناك
التحكم الفوضوي للشبيحة “الجيش الوطني” بالناس، وبالتالي فليس النظام
قوياً. قوّته في ضعف المعارضة وعدم تنظيم الشعب لذاته، ومن تسلط “داعش”
والنصرة والجبهة الإسلامية وتقديم نفسها وكأنّها الثورة، وبتحقق الفكرة الأخيرة
والتركيز على ما طرحناه أعلاه، سنكون أمام شكل جديد للثورة. الشعب الآن محبط من “الائتلاف
الوطني”، ومن الجماعات الجهادية والعدمية، ومن النظام بعد خطاب قسم الأسد الذي
لم يتضمن أي جديد بخصوص الحرب ومآسيها.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *