الرئيسية / Uncategorized / الحكمة الكواكبية.. في تشخيص التجربة الانتخابية

الحكمة الكواكبية.. في تشخيص التجربة الانتخابية

أحمد العربي

لا يخطر ببالك وأنت تراقب
تصر
ُّفات الناس خلال العرس الديمقراطي “الذي أقيم في سوريا إلا كتاب
طبائع الاستبداد والكواكبي، فتستعين به لتفهم دوافعهم وسلوكهم علّك تجد جواباً
لسؤال لابد أن يراودك وهو: لماذا يسمح مستبد ببيع مثل هذا الكتاب؟.

المستبد سمح بهذا الكتاب تكبُّراً وكأنه يقول:
أنا مستبد فأروني ما أنتم فاعلون، وهذا لمن عارضه، أما لمن والاه فهو إذلال لهم كي
يعرفوا مدى وضاعتهم خصوصاً أن الكواكبي وصفهم وصفاً دقيقا لدرجة أنه اعتذر نفسه
للقارئ من فجاجة الوصف عل القارئ من أعوان السلطان أو من نسلهم.

فسّر الكواكبي سلوك الناس
ودوافعهم من خلال علاقتهم بالسلطان بكلمتين فقط هما المجد والتمجد. المجد هو الذي
تتوق إليه النفوس الكبيرة، وتحنُّ إليه أعناق النبلاء، وكم له من عشاق تلذ لهم في
حبه المصاعب والمخاطر ولا سبيل إليه إلا بعظيم الهمة والإقدام والثبات، تلك الخصال
الثلاث التي تقدر بها قيم الرجال.

وينال المجد بالتضحية في
سبيل الجماعة إما بالمال فيسمى مجد الكرم أو بالعلم النافع للجماعة فيسمى مجد
الفضيلة أو بالنفس بالتعرض للمشاق والأخطار في سبيل نصرة الحق ويسمى مجد النبالة، والنبلاء
اليوم متمثلون بمن يحمل السلاح بوجه المستبد، أو من اختار الحرية مع شظف العيش في
المناطق المحررة، أو من بقي في مناطق النظام لغاية تخدم الثورة ولينغص عيش المستبد،
ويرهق أجهزة أمنه المسعورة ووهم كثر من السهل جداً أن تميزهم خلال العرس الانتخابي،
فتجدهم عابسي الوجوه ينظرون بازدراء إلى الصور والشعارات التي تملأ الشوارع وتمجد
المستبد وباحتقار إلى قطعان المؤيدين التي تجوب الشوارع وفي يوم الإنتخاب هم
الوحيدون في الشارع الذين لم تتلطخ أيديهم بالدم الأزرق فهم امتنعوا عن المشاركة
بتلك المهزلة متحدّين التهديدات بالفصل من العمل أو الملاحقة الأمنية، فالمجد يسهل
في زمن العدل ولكنه صعب في زمن الإستبداد، وينحصر بمقاومة الظلم على حسب الإمكان لذا
تجد النوع الآخر من الناس وهم المتمجدون الذين ينشدون المجد السهل فيقعون في
التمجد وهم غالباً ما يكونون من الأراذل والأسافل فقط ممن يحرص المستبدون على
استخدام أمثالهم حتى تصبح دولة الاستبداد دولة بله.

المتمجّدون أعداء للعدل أنصار للجور لادين ولا
شرف ولاوجدان ولارحمة تدفعهم وضاعتهم بين الناس إلى الإستقواء بالمستبد فيسعون إلى
نيل جذوة من جهنم كبرياء المستبد ليحرق بها شرف المساواة في الإنسانية أو أن يتقلد
سيفاً من قبل الجبار يبرهن به على أنه جلاد في دولة الإستبداد، وهؤلاء يشكلون
غالبية في المناطق التي يسيطر عليها النظام لدرجة أنهم باتوا تلوثا بصرياً مثيراً
للاشمئزاز فمنهم من يرتدي الزي العسكري، وينتسب لما يسمى باللجان الشعبية، ومنهم
من يقدّم صوراً للمستبد على سبيل الدعاية الانتخابية كاتباً عليها عبارات تمجد
المستبد وتثبت انبطاح مقدمها تحت نعله، وآخرون يقيمون الحفلات بخيام للتأييد يجتمع
فيها أمثاله ليقدموا فروض العبودية والطاعة للمستبد، وفي تلك الخيام ترى الفرق الواضح
بين المجد والتمجد، فتقارن بين “متمجّد” يغني، ويرقص على لحن الذل
والعبودية للمستبد وهو يسمع صوت المدفعية وهي تدك حياً مجاوراً ولا تهتز له شعرة
وبين “ماجد” في ذاك الحي يخرج من تحت أنقاض بيته ويوجه رسالة تحدي
للمستبد، وتنظر في خيمة أخرى إلى “متمجدة ” تتمايل راقصة، وتهز خصرها
لتسلية عسس السلطان بكامل إرادتها وبسعادة، فتتذكر صورة “ماجدة” من
الحجر الأسود ومخيم اليرموك المحاصر تلم العشب من الأرض لتطعم أبناءها، فالحرة
تموت جوعاً، ولا تأكل بعرضها .

اللافت أن من يقدّم تلك
الصور أو يقيم تلك الخيام يحرص أن يكتب عليها تقدمة فلان ليذكر المستبد أنه وريث،
فالوضاعة تنتقل بالوراثة كما النبالة، فالماجدون أكثرهم من مواليد بيوت نادرة
حمتها الصدفة من عيون الظالمين المذلين أو من نجباء بيوت ما انقطعت فيها سلسلة
المجاهدين وما انقطعت عجائزها عن بكائهم، أما المتمجّدون فهم سلالات من الوضاعة
تنتقل بالولادة فهم ينجبون، ويربون أنعاماً للمستبد وأعواناً له.

وليس تحصيل المجد سهلاً
وإنما صعب المنال وقد يكون ثمنه حياة المرء في دولة الاستبداد إذ يقول الكواكبي،
“إن المجد مفضل على الحياة عند النبلاء والأحرار حميّة، وحب الحياة ممتاز على
المجد عند الأسراء والأذلاء طبيعة، وعند الجبناء والنساء ضرورة.

أما أصحاب الطبيعة والضرورة فهم النوع الثالث من
الناس وهم غالباً من السُّذَّج والجهلاء البسطاء الذين لا يفقهون شيئاً بالسياسة،
ولايعنيهم من يحكمهم وهم غالبية من انتخب المستبد طوعاً لا جبراً إما بحكم العادة
أو اتقاء للشر فهم يحلمون بحياة هادئة يتوفر فيها شيئان فقط، الأول هو المأكل
فيجعلون بطونهم مقابر للحيوانات إن تيسَّرت وإلا فمزابل للنبات، والثانية هي
الزواج للحصول على اللذة باستفراغ الشهوة وكأن أجسامهم دمامل جرب على أديم الأرض
يطيب لها الحك ووظيفتها توليد الصديد ودفعه”.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *