غريب ميرزا
بدأت اسطنبول تشهد حركة
جميلة ومتسارعة لمظاهر ثقافية سورية، من شعر وفن تشكيلي وسينما وغيرها، وربما
التكوين الذي تتميز به اسطنبول هو ما يساعد على مثل هذا الحراك الغني والجميل. رغم
أن معظم النشاطات الثقافية السورية تحدث برعاية تجمعات وجمعيات سورية، هدفها هو
دعم الثقافة وإعطاؤها دورها الحقيقي في بناء الأمل لسوريا، إلا أن تشكيلات أخرى
مختلفة، من تركية عامة وخاصة، وأنشطة وجمعيات كردية ثقافية، كانت أيضاً حاضناً خصباً
لمثل هذه الأنشطة.
كإضاءة على هذه الحركة
السورية، نرصد عدة أنشطة مختلفة، منها ما هو ذو طابع جمعي مؤسساتي مثل هامش،ومنها
ما يأخذ شكلاً فردياً مثل مقهى سوريانا ولاروز.
هامش أول: المركز الثقافي
السوري في اسطنبول، حضن عدداً من الأنشطة المميزة، ويركز على التنوع والتعددية في
عمله، بين المكونات الثقافية العربية والكردية والتركية ضمن تفاعل ضروري وهام فيما
بينها. ففي 27 أيار استضافت “هامش” ندوة بعنوان” أفول التوافقية
ومشروع الإدارة الذاتية الكردية: نقاش من لبنان وتركيا” وأدارها الفنان
أوزهان أوندر أحد مؤسسي هامش، كانت المداخلات بالعربية والتركية، الشخصيتان اللتان
قامتا بالندوة: زياد ماجد من لبنان، ونازان استنداغ من تركيا. حيث دار محور النقاش
حول الوضع السياسي والاجتماعي المقبل والممكن في سوريا ولبنان وتركيا، كتركيبات
كانت متشابهة إلى حد ما، في بعض النقاط.
كذلك حضن “هامش”
ذكرى استشهاد باسل شحادة، وعرضوا فيلمه “ميلاد مجيد” في 28 / أيار، وكان
للمركز مشاركة جيدة في مهرجان دوكيمنتاريست، للأفلام الوثائقية في اسطنبول، حيث
عرض فيه 6 أفلام وثائقية من سوريا، إضافة إلى طاولة مستديرة للنقاش، برعاية هامش.
بينما استضافت مقهى سوريانا
في السابع من حزيران، للشاعرين مازن إسماعيل، ومحمد حاج بكري. ويستضيف مقهى
سوريانا العديد من الأنشطة الشهرية، ففي الشهر الحالي عدة فعاليات مثل:
“رسامو الكاريكاتير في سوريا، محاضرة لفايز سارة.
أما مقهى لاروز فيستضيف
حالياً معرضاً للفن التشكيلي، بعنوان
“أنا الآخر” وهو معرض للفنانة التشكيلية السورية “هبة عيزوق”.
إضافة إلى إحياء دائم للحفلات الموسيقية، وحفلات توقيع كتاب، ومحاضرات.
المقاهي الثقافية السورية تأخذ
الشكل الأكثر شيوعاً الآن في دعم الحركة الثقافية السوري المغتربة، وفي هذا الإطار
التقت صدى الشام بالتشكيلية هبة عيزوق، وقالت رداً على سؤال عن أهم المشاكل التي
تعترض عملها كفنانة في المغترب، إن الفارق الكبير بين المؤسسة الفنية التركية، في
اسطنبول خصوصاً، والتي تضم شبكة منظمة ومستقرة، تشمل صالات العرض، ومديري الأعمال،
وسوق اللوحات والأعمال الفنية، وبين الوضع الهش والمتردي الذي كان عليه وضع الفن
التشكيلي في سوريا، هذا الفارق هو ما يشكل للفنان العائق الأهم، ولا سيما في وضع
يغيب فيه وجود دعم حقيقي، كمؤسسة تعنى بدعم ودمج الفنانين السوريين في الوسط الفني
في اسطنبول، ولا سيما أن اسطنبول تعد مدينة ذات صيت قوي وهام، في الحركة الفنية
التشكيلية.
وأعربت “عيزوق”
عن صعوبات كبيرة تواجهها، في عملية عرض لوحاتها، من اهمها غياب اللغة التركية التي
لا تتقنها بشكل جيد، مما يصعب عملية التواصل مع صالات العرض التركية، إضافة إلى
ضرورة البحث عن مدير أعمال. وعن سؤال صدى الشام حول الكيفية التي من الممكن أن
يعمل بها الفنان التشكيلي إذا اراد القدوم إلى اسطنبول، شرحت لنا “عيزوق”
إن المعمول به في اسطنبول، وغيرها من دول العالم، هو الشيء غير المعمول فيه ضمن
سوريا، لذا الفنان الذي لم يكن له تجربة خارج سوريا، أو الفنان الشاب، الذي لم
تسنح له الفرصة بسبب الأحداث، بخوض الغمار في عملية العرض ضمن سوريا، ولا سيما إن
كان حديث التخرج، سيتوجب عليه، أن يجد مديراً لأعماله هنا في اسطنبول، وهو الذي
سيتكفل بجميع عمليات البيع والعرض وتحديد السعر، وتأمين الزبائن والمتذوقين. وأضافت
“عيزوق” أنهذه العملية لفنان سوري صعبة، وتشكل بالنسبة له كمغترب،
وغالباً ذو وضع مالي سيء، عائقاً أساسياً. وذكرت لنا عدة حالات تعرضت للاستغلال من
قبل مدير أعمالها.فأحد الفنانين كان يأخذ نسبة 20% فقط من ريع اللوحات، و80% لمدير
أعماله. وهو مضطر لقبول ذلك، لأن مدير الأعمال هو السبيل الوحيد كي يقدر على نشر
أعماله وعرضها في صالات اسطنبول.
أضافت “عيزوق” أن
تجربة الغربة رغم صعوبتها، وصعوبة الأنظمة التي لم نعتد عليها، والتي تزيدها قسوة،
كون الفنان مثل غيره، سيتطلب وقتاً وجهداً كبيراً للاندماج في مجتمع متزايد
التعقد، إلا أنها كتجربة هامة.
وهذا ما يشير إليه بإحدى نقاطه معرضها، الذي
عنونته: “أنا .. الآخر”
كما التقت صدى الشام،
المسؤول عن مقهى لاروز، ويدعى “سائد فنري” سوري من مدينة حلب، وقال لصدى
الشام عن تجربته في افتتاح مقهى في تركيا، إنه جاء نسخة مصغرة من العمل الذي كان
يقوم به في سوريا، وفي مدينته حلب. فهو صاحب شركة ومكتب للديكور في حلب، إضافة إلى
أنه عمد إلى افتتاح صالة عرض للفن التشكيلي ومقهى في بداية الأحداث، كنوع من دعم
وتشجيع الناحية الفنية لدى الفنانين. وذكر لنا أنه اضطر إلى مغادرة سوريا، بسبب
ضغط الأمن عليه، الذي قام بمصادرة أملاكه، واحتلال بيته، وذلك فقط لمشاركته في
أعمال الإغاثة. ونتيجة لذلك جاء إلى اسطنبول منذ حوالي سنة، وقام بافتتاح تجربة
مصغرة عن تجربته الأصلية في حلب.
تقع الكافيه في منطقة عثمان
بيك، ولاحظنا وجود عدد من الأتراك، وأخبرنا “فنري” أن معظم زبائنه من
الأتراك، وهم يطلعون بصورة مباشرة على الفن السوري والنشاط الثقافي السوري بشكل
مباشر. وقال إن الهدف الأساسي الذي دفعه لافتتاح هذا المقهى، هو العمل على دعم
الفنانين السوريين، رغم غياب المؤسسة التي يجب أن تقوم بهذا الدور. فهو مثلاً يؤمن
عرض اللوحات وعن طريق العلاقات الشخصية يؤمن من يشتري هذه اللوحات مما يعود على
الفنان بالفائدة المالية،
وأضاف “فنري” أن
من يشتري اللوحات والمنحوتات التي تعرض، هم أتراك في أغلب الأحيان، وهناك أيضاً
أتراك من أصل سوري، يقومون بشراء المنتوجات الفنية، كنوع من الدعم المالي للفنان.
مثلاً عن طريق علاقات شخصية قديمة، يحاول أن يؤمن قدر ما يستطيع من الترويج للحركة
الثقافية السورية، وتأمين بيئة تمازج مع الثقافة التركية المتنوعة في أصلها، عن
طريق خطوات عديدة منها مثلاً استقدام شخصيات فنية سورية مشهورة، تأتي وتقدم دعمها
بدون مقابل مالي وإنما فقط حباً وإيماناً منها بالهوية السورية الغنية. وذكر لنا
“فنري” أن لينا شماميان هي إحدى هذه الشخصيات التي ستزور مقهى لاروز
قريبا كنوع من الدعم للموسيقيين الذين يعزفون في
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث