الرئيسية / رأي / مضايا .. السقوط الأخير

مضايا .. السقوط الأخير

خضر الآغا

 

ربما لم يعد أحد بحاجة إلى مزيد من الأدلة على السقوط الأخلاقي لبيئة منظمة حزب الله الإرهابية وبيئة النظام السوري منذ أن وقفت كلا البيئتين مع قتل السوريين على نحو متواصل منذ ما يقرب من خمس سنوات. لكن هذا الموقف كان يخضع لاعتبارات سياسية وطائفية، إضافة إلى اعتبارات الوقوع تحت تأثير الضخ الإعلامي الذي لم يتوقف من جانب المنظمة الإرهابية ونظام البراميل، ولاعتبارات تضليلية تتعلق بـخديعة المقاومة ومواجهة الإمبريالية، كما لاعتبارات شخصية تتعلق بالنسبة المئوية لاستخدام عقولهم! وغير ذلك من اعتبارات يمكن النظر فيها لتفسير وقوفهم العلني إلى جانب قاتل صريح…

لكن، ما هي الاعتبارات التي جعلتهم يعلنون تأييدهم لموت ناس من الجوع؟ ماذا يعني بالنسبة إليهم الموقف التالي: موت إنسان من الجوع؟ خاصة إذا كان الذي مات جوعاً طفلاً، أو أماً، أو عجوزاً يمشي إلى نهايته بخطى ثقيلة؟ كان من الممكن تفسير تضامنهم مع التمويت جوعاً، بطريقة ما، فيما لو كان الميت مقاتلاً مثلاً! أما وأنهم مدنيون فذلك من الصعب، بل من المستحيل تفسيره إلا بأمر واحد لا ثاني له، وهو السقوط الأخلاقي الذي لا سقوط بعده. كأن يكون في قاع الهاوية، أو، وفق التعبير الديني، في “الدرك الأسفل” من كل شيء.

الأمر يشبه عندما نقول عن شخص ارتكب فاحشة أنه قد يفعل كل شيء طالما فعل هذا! الأمر هكذا حرفياً: من وقف مع قتل الناس جوعاً يفعل أي شيء على الإطلاق، حيث سقطت كل الروادع. نحن، في حياتنا اليومية، نقول عبارة: “ليس إلى هذه الدرجة”، في الإشارة إلى وجود رادع ما منع الإنسان من الوصول إلى “هذه الدرجة”، أما مع هؤلاء، فقد سقطت هذه العبارة سقوطاُ نهائياً. إن عبارة “ليس إلى هذه الدرجة” هي المساحة التي اخترعتها البشرية لإبقاء باب التسامح مفتوحاً وباب الرجوع عن الخطأ مفتوحاً أيضاً، إلا أن هؤلاء الذين وقفوا إلى جانب التمويت جوعاً أطاحوا نهائياً بهذه المساحة وردموها بأحط التصرفات التي يرتكبها البشر على وجه الإطلاق.

ينقسم أولئك الساقطون أخلاقياً إلى قسمين: قسم حاول تبرير سقوطه بنفي الحادث الجلل: الموت جوعاً، واعتباره الصور التي هزت الضمير العالمي التي تُظهر الناس على شفا الموت من الجوع على أنها مفبركة، وأنه لا يوجد حصار من جانب منظمة حزب الله الإرهابية، وإن الذين يفعلون ذلك هم المسلحون داخل البلدة، إلا أنهم سرعان ما ظهرت أكاذيبهم عندما وافقت منظمتهم هذه على إدخال الطعام إلى المتضوّرين جوعاً، وكانت هذه الموافقة هي الورقة الأخيرة التي كشفت أنهم مجرد ساقطين أخلاقياً.

القسم الثاني كان أكثر صراحة ووضوحاً بالتعبير عن ذلك، فقد تضامن كتابياً وبالصور مع حصار مضايا عبر هاشتاغات على تويتر وفيس بوك تحت المسمى اللا أخلاقي ذاته لتلك الحملة: متضامن مع حصار مضايا، ونشر صوراً لأطعمة فاخرة مقابل صور لهياكل عظمية قال إنها لمحاصري مضايا.. قالت الصحافة العالمية “تيليغراف” و”أندبندت” البريطانيتين عن تلك الحملة بأنها الأكثر انحطاطاً على شبكات التواصل الاجتماعي منذ تأسيسها.

ولتكتمل العناصر الأخيرة في لوحة العار هذه، قام حزب الله بزرع حوالي 6000 لغم أرضي حول البلدة لتفتك بمحاولي الهرب من الحصار، وقد فتكت، فعلاً، بالكثيرين. كما نشر قناصين على أسطح البيوت لاصطياد من يفلت من الألغام! فمن يمكن أن يكون أكثر انحطاطاً في تاريخ الحروب والنزاعات والصراعات والاحتلالات، ليس على شبكات التواصل الاجتماعي، بل على الأرض! ليس منذ تأسيس هذه الشبكات، بل منذ بدء النزاعات في العالم الحديث: عالم حقوق الإنسان، والحريات، والكثير من المنظمات الدولية الحقوقية والإنسانية.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *