الرئيسية / رأي / اعترافات (إلى مريم، شيار، حازم)

اعترافات (إلى مريم، شيار، حازم)

ثائر الزعزوع
كان ظهور الشيخ أحمد الصياصنة على التلفزيون السوري “معترفاً” واحداً من أكثر اللحظات إيلاماً في عمر ثورة السوريين، فالشيخ الجليل الذي يعتبر واحداً من رموز الثورة أجبر على قول أشياء تنافي العقل والمنطق، في محاولة من إعلام النظام لتشويه صورة الثورة في أشهرها الأولى.
 وقد ظهر بعد ذلك المقدم حسين هرموش ليعترف بدوره بأخطائه، ويقرر التوبة عبر شاشة التلفزيون السوري، وقد توالت بعد ذلك الاعترافات والتوبات، حتى صار كل معتقل هو مشروع معترف على الشاشة، وللتذكير فقط فقد أجبر الفنان جلال الطويل، على فعل الأمر نفسه، ثم ما لبث أن فرَّ خارج سوريا ليكشف عن التهديد الذي تعرّض له من أجهزة الأمن،  إن رفض الخروج عبر شاشة التلفزيون، وقول ما قاله وقتها، لكن إعلام أبو نظير لم يستطع أن يقنع أحداً بأن هؤلاء الذين يتحدثون بتلقين وتحت التهديد، والذين يمكن لأي مبتدئ في الإعلام أن يلاحظ عمليات المونتاج الكثيرة التي تخضع لها اعترافاتهم، لا يمكن لهذا الإعلام أن يقنع المشاهدين أن ما يرونه صحيح. فالفبركة واضحة والقصص الغرائبية العجائبية نفسها في كل مرة، ولكن مهلاً ألم يفعل هذا الإعلام الأمر نفسه منذ أكثر من ثلاثين سنة؟
في ثمانينيات القرن الماضي ظهر عددٌ من السوريين عبر شاشة التلفزيون نفسه، ليعترفوا بأنهم جزءٌ من مؤامرة كونية تحاك على سوريا يشترك فيها وقتها النظام العراقي، أو ما كان يعرف باليمين المشبوه في إشارة إلى الجناح العراقي لحزب البعث، وقتها كان البث التلفزيوني أرضياً ولم يكن فضائياً، وكانت ثمة قناة تلفزيونية واحدة يتسمّر حولها الناس ليتابعوا الأخبار، من بين أولئك الذين ظهروا على الشاشة الوطنية شخص يدعى “كريم” كان يعمل على ما يعرف أهل منطقته عامل بناء، وقد فوجئوا به بعد اختفائه بأشهر، وكان شائعاً أن يختفي مواطن ما، ويقتاد إلى جهة مجهولة لسنوات، ثم يعلم ذووه بأنه كان معتقلاً.
 المهم أن كريم هذا والذي لم يكن له أي علاقة بالسياسة، اعترف بتلقيه مبالغ مالية كبيرة، وبأنه عقد اجتماعات سرية وسافر بين الأقطار العربية، وجلب المتفجرات، والمنشورات، وقد بدت عليه آثار التعذيب والإرهاق، وقتها لم يكن الكثيرون يفهمون لعبة الإعلام، وقد صدق بعض السوريين تلك الأكذوبة التي لم يكونوا يريدون تصديقها، لأنهم ضمنياً لا يصدقون ذلك النظام.
التجربة نفسها تكررت مع بداية الثورة، وكادت الدهشة تعقد ألسنتنا، وخاصة نحن الذين نعمل في مجال الإعلام التلفزيوني خاصة، فما كنا نراه يعرض على الشاشات كان أشبه بكوميديا سخيفة يتم تحضيرها على عجل، ويتم تنفيذ عملياتها الفنية بطريقة رخيصة لا احترافية، الحكايات كثيرة، ولكن دعونا نتذكر بشيء من التفصيل، حكاية زينب الحصني، اعترافات أبو نظير سلواية الذي تم إنشاء صفحة فيس بوك ساخرة له، ولعبارته الشهيرة التي استخدمها طيلة اعترافاته “ربي يسر” ثم الاعترافات التي عمل عليها، وعرضها توفيق لطف بطريقة هوليوودية لا تخلو من التشويق، والموسيقا التي ترافق أفلام الرعب عادة، وصولاً إلى الإهانة والابتذال حين عرض التلفزيون الحكومي اعترافات لفتيات سوريات ضمن حملته لتكريس أكذوبة “جهاد النكاح” التي ابتدعها “المرتزق” غسان بن جدو، فظهرت سارة العلاو، وبعدها روان القداح، وكلتاهما فتاتان صغيرتان، وقد ثارت غضبة الغاضبين، وأنا من بينهم واعتبرت إعلام النظام سلاحاً قذراً ينبغي التخلص منه.
لكن، يبدو أن هذا الإعلام  الرخيص ما زال مصرّاً على تشويه ما يمكنه تشويهه من سوريتنا، وتحويل كلِّ شيء سوري إلى مادة يتاجر بها، ويبيعها بأرخص الأثمان، ولعل قيامه مؤخراً ببث اعترافات لثلاثة من ناشطي الحراك السلمي هم مريم حايد وشيار خليل وحازم واكد، يؤكد الاعتقاد الراسخ لا لدي فقط بل السوريين جميعاً بأن هذا الإعلام هو جزءٌ لا يتجزّأ من محنة المواطن السوري على مدى عقود، وهو أيضاً سبب من أسباب استمرارية حكم النظام القاتل، فالناشطون الثلاثة المعتقلون منذ أشهر، ظهروا ليقولوا كلاماً لا يمكن لعاقل تصديقه، وخاصة حين تحدّث أحدهم عن 20 كيلو حشيش، وهذه المعلومة تحديداً هي ما يمكن أن يطبل لها إعلام النظام، ويزمر، فالثورة ثورة حشاشين، لا أكثر ولا أقل، وذلك في استمرار لمقولة حبوب الهلوسة التي أطلقها القذافي في بداية الثورة الليبية، وللماء المخدر الذي كان يُرشُّ على المتظاهرين ليتظاهروا.
من قتل أطفال درعا لم يظهر على شاشة “الإعلام الوطني” ليعترف بجريمته، من قتل حمزة وهاجر وتامر، من دمّر المساجد، واستباح حرمة الجامعات، لم يظهر ليعترف، لكن ظهر الضحايا جميعاً ليعترفوا بموتهم، وبأنهم هم من قتلوا أنفسهم، كان ينقصنا أن تعترف مئذنة الجامع العمري بأنها أسقطت نفسها.
في الثامن من آذار عام 1963 توقّف تاريخ الإعلام في سوريا، هذه حقيقة أولى، وفي السادس عشر من تشرين الثاني عام 1970 مات الإعلام نهائياً، وهذه حقيقة ثانية لا بد من تذكرها دائماً، لكن وفي الخامس عشر من آذار عام 2011 عاد الإعلام لينهض من جديد، ليقاوم فعل الموت الذي فرض عليه، وقد أفلح مرات، وفشل مرات، لكنه بالتأكيد لن يكون مثل إعلام القتل، أياً تكن سيئاته وأخطاؤه، وهذه حسنة ينبغي التأسيس عليها.
هامش: أكثر ما كان يخيفني إبان فترة اعتقالي في إدارة أمن الدولة شتاء العام 2012 هو أن يتم إجباري على الظهور على الفضائية السورية، أو الإخبارية أو الدنيا لأعترف، لأقول إني كنت أسوق الحشيش، وإن أمير قطر أو بندر كان يدفع لي ألفي ليرة كي أعارض النظام، كانت هذه الفكرة كابوساً ثقيلاً، لكني خرجت دون أن أعترف…

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *