رانيا مصطفى
انتهت جولتا جنيف2 من عشرة أيام، دون نتائج ملموسة على صعيد البدء بالمرحلة الانتقالية. أميركا ودول أوروبا، وبقية الدول الإقليمية والعربية تريد التغيير، فقد باتت تستشعر خطر استمرار الصراع المسلح، وانعكاساته على دول الجوار، حيث تصاعد التطرّف الديني في العراق وتركيا ولبنان. روسيا، “الكسولة” ديبلوماسياً، ترفض التغيير دون ضمان مصالحها.
وفي الوقت نفسه هي تعجز عن ضمان تلك المصالح؛ لذلك تمسّكت بالوضع على ما هو عليه، أي بقاء النظام السوري، والأسد على رأسه. لكنّ ذلك يظل تأجيلاً للحل لا أكثر؛ فما من عاقل يراهن على قدرة النظام على ضمان عودة الاستقرار بعد كل الضعف الذي حلَّ به، لدرجة أنه بات يعتمد في معاركه أغلبِها على قوات غير سورية، مدعومة من إيران، لبنانية من حزب الله وعراقية من ميليشيا أبي الفضل العباس.
المعارضة السورية الممثلة في الائتلاف السوري ترتهن كلياً للإرادة الأمريكية/ السعودية، وبدرجات أقل الأوروبية والتركية والقطَرية؛ وهي وإن شهدت خلال جولتي جنيف بعض التقارب مع الرُّوس، لكنه لم يتطور، ولم يكن أكثر من محاولة روسيّة لإضعاف وفد المعارضة، عبر توسيعه ليشمل أطرافاً أخرى، كانت مدعومة من روسيا، مثل هيئة التنسيق. وهو ما لم يحدث، مبرهناً على ضعف الديبلوماسية الروسية في فرض اختراقها لوفد المعارضة؛ فهي تراخت في دعم الهيئة، واكتفت بتبنّي خطاب النظام، عن مكافحة الإرهاب وغير ذلك من الكلام الذي غرضُهُ تضييعُ الوقت وإفشال المؤتمر.
النظام السوري اضطرَّ إلى الذّهاب إلى جنيف، لكنه في الوقت نفسه سعى إلى إفشاله، عبر التسويف والمماطلة، وتشتيت المفاوضين عبر إغراقهم في التفاصيل، وقد خدمه في ذلك فصل المسارات الإنسانية والسياسية والعسكرية… ورغم ضعف موقفه في الجلسة الافتتاحية، إلا أنه استطاع العرقلة مستعيناً بالموقف الروسي المؤيِّد له. لكنه لكي يكسب تأييد الروس حاول تقديم نفسه من جديد على أنه قادر على وضع الحلول بنفسه؛ فقد تولى مسألة إخراج بعض المدنيين من حمص المحاصرة وإدخال بعض المساعدات الغذائية والطبية بنفسه بالتنسيق مع بعض المنظمات التابعة للأمم المتحدة، بعد أن كان قد فُرِض الأمر عليه.
وكذلك يحاول النظام التهدئة في مناطق عديدة، خصوصاً دمشق ومحيطها، ليظهر قدرته على توفير مناخ آمن مجدداً، وبالتالي قدرته على تجديد نفسه أمام الروس واستثماراتهم القادمة. فحلب وداريا ومؤخّراً يبرود أُمطرت بالبراميل المتفجرة، من أجل إجبارها على القبول بهدن وفق شروط النظام، أو اقتحامها؛ وكذلك تدك حمص المحاصرة والمليحة الآن بسبب رفضها عقد هدن مماثلة مع النظام.
هذه الهدن تصبُّ في مصلحة النظام من جهةِ تهدئة بعض الجبهات وتفرُّغه لجبهات أخرى، فضلاً عن أنها تظهره بمظهر القادر على تجديد نفسه؛ ولكن أيضاً لم يكن النظام ليقبل في السابق بأقل من دخول المناطق المحررة من سيطرته، والتنكيل بها، وتهجير أهلها بالكامل، كما فعل في القصير ومعظم أحياء حمص التي سيطر عليها ومنها بابا عمرو.
وفي هذا السياق، بعض الهدن فيها تنازل من النظام، كبرزة التي قبل ببقاء الجيش الحر فيها، وبحواجز مشتركة معه، وبإخراج بعضٍ من معتقليها؛ فيما هدنة المعضمية وبيت سحم وببيلا، جاءت في مصلحته، من حيث دخوله إليها، ورفْعِ أعلامه فيها مقابل إدخال بعض المواد الإغاثية.
وبالنظر إلى واقع الثورة، نجد أنها عانت الكثير من المشكلات المتراكمة، والتي لم يسمح النظام بإعطاء فرصة لحلها، بل هو من ساهم في خلق العديد منها، يخدمه في ذلك غياب الحامل السياسي للثورة، وعجز المعارضة بكلِّ أطيافها عن القيام بهذا الدور، لقصور في فهمها للثورة. هذه المشكلات تفاقمت إلى حدِّ الاستعصاء؛ وأكثرها صعوبة هي مشكلة التحكم الإقليمي والدعم المالي بالكتائب المقاتلة، والتي انتهت بالثورة بعدة جيوش، أغلبها إسلامية الطابع، وكلها تسعى لإقامة حكمها القروسطي الفئوي بعيداً عن الثورة بوصفها ثورةً شعبيةً ولكلِّ السوريين؛ هذا فضلاً عن المجموعات التابعة لتنظيم القاعدة، والتي بعضها يقيم دولته في المناطق المحررة (داعش) وبعضها يؤجلها حتى سقوط النظام(النصرة). وبالتالي هناك تفكك في المجموعات المقاتلة، وعدم تنسيق وفقدان استراتيجية عامة وشاملة للقتال.
بعض المناطق حافظت على جيشها الحرّ قوياً، مثل برزة، وبدأت تستشعر استحالة التنسيق واستحالة الحسم، ممّا جعلها تقبل بالهدنة حفاظاً على الأرواح والأملاك المتبقية. ومناطق أخرى ما زالت تقاوم (داريا ويبرود)، فيما مناطق أخرى قبلت بالهدن تحت الموت جوعاً كمخيم اليرموك والمعضمية. يضاف إلى ذلك أن الحاضنة الشعبية للثورة في المناطق التي قبلت بالهدن تريد التهدئة، وبالمثل فإن معظم الحاضنة الشعبية للنظام تريدها، بعد تعب وإنهاك طويل.
وبالتالي نحن أمام واقع مُتغيّر دوماً؛ براميل ومدافع، وكذلك هدن وتهدئة، بعضها بلغ حدَّ المصافحة بين مقاتلي الجيشين. وكتائب طائفية شيعية تتربّص على مرابط بعض المناطق تهديداً لاقتحامها، فيما جيوش وجبهات أخرى طائفية، تتقاتل وتنهك الثورة بأجنداتها الفئوية؛ تقدم للجيش الحر في درعا وحلب وريف حماه الشمالي. وسياسياً تصعيد ناعم لا يهدد النظام في مجلس الأمن عبر مشروع قرار المساعدات الإنسانية، ولا يتضمن إلزامه بالقوة تحت الفصل السابع.
تنوّعت أشكالُ الهدن بين التهدئة وعودة المهجرين وإدخال مواد الإغاثة، في ظل هذا الواقع الموضوعي للثورة. الحاضنة الشعبية للثورة، التي صمدت، وقدّمت الكثير من التضحيات، والمعاناة الإنسانية، لديها أسباب مضاعفة لتستمر بثورتها، وبالتالي خرق الهدن متوقّع من الطرفين ولو بعد حين، ولكن وبخصوص الثورة يتطلب الأمر عقلانية، وتنظيماً أكثر؛ ولا يُعرف ما ستؤول إليه الأمور، مع التعقيدات التي تواجه الثورة؛ سياسياً عبر استمرار الدعم الروسي، والدعم الإيراني اللامحدود، وداخلياً عبر مواجهة الثورة المضادة ممثّلة بالتطرف والقمع الجديد باسم الدين، والمدعوم خليجياً.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث