دياب سرية
يعتبر مفهوم العدالة الانتقالية من المفاهيم الجديدة بالنسبة للمجتمع السوري، الذي لم يكن يعلم عنه الكثير في الفترة الماضية، ولربما تختلط الأمور على البعض عند قراءة الكلمتين مع بعضهما، فما هو هذا المفهوم؟ وكيف يمكن تطبيقه؟
العدالة الانتقالية
مفهوم العدالة الانتقالية مفهوم مركّب مكوّن من مقطعين هما العدالة والانتقال، ويمكن أن نعرفه بالقول أنه تحقيق العدالة في فترة انتقالية تمرّ بها الدولة خلال الانتقال من حكم عسكري إلى حكم مدني أو من حالة حرب داخلية أو خارجية إلى حالة سلم عبر تطبيق مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية تعالج من خلالها ما ورثه المجتمع من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وتمنع ارتكاب جرائم جديدة. الهدف الأساسي من هذه التدابير هو إحقاق الحق، وليس الانتقام.
تجارب تطبيق العدالة الانتقالية في دول العالم
يرجع تاريخ العدالة الانتقالية إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ومحاكمات نورمبرغ والقضاء على النازية في ألمانيا، وقد توطّد مفهوم العدالة الانتقالية، وأخذ ينتشر فيما بعد عبر جهود تقصي الحقائق في أمريكا الجنوبية، فقد ساهمت لجان الحقيقة في الأرجنتين 1983 وتشيلي 1990 في ترسيخ معنى العدالة الانتقالية لمصلحة ضحايا الانتهاكات، وفي جمهورية تشيكوسلوفاكيا السابقة عام 1991 ساهمت برامج تطبيق العدالة الإنتقالية في منع منتهكي حقوق الإنسان السابقين من الوصول إلى مناصب في السلطة عبر ماعرف بعمليات التطهير.
وكان للجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا عام 1995 دور كبير ومهمٌ في دفع مجتمعات أخرى لتبني فكرة “العدالة الانتقالية”. وفي العالم العربي تعتبر المملكة المغربية الدولة العربية الرائدة في مجال تطبيق مفهوم العدالة الانتقالية من خلال إنشاء عدة لجان وطنية مهمتها التحقيق والتحري بشأن انتهاكات حقوق الانسان في البلاد خلال الفترة التي سبقت تولي الملك محمد السادس السلطة ولرد الاعتبار للضحايا وجبر الأضرار وتحقيق المصالحة الاجتماعية الشاملة، وهناك تجارب أخرى ولدت بعد ثورات الربيع العربي في كل من تونس واليمن وسوريا تساهم في تعزيز الجهود نحو الانتقال بالمجتمع إلى حالة ديمقراطية، ومعالجة إرث الماضي.
في النهاية يمكن القول بأن كلَّ تلك الجهود في مجال العدالة الانتقالية، تكللت بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية التي تعتبر قمة التطور في نضال البشرية ضد امتهان كرامة الإنسان وحقوقه.
العدالة الانتقالية في سوريا
رزحت سوريا، ولعقود عديدة تحت حكم نظام قمعي دكتاتوري وهي تواجه الآن العنف الذي تعرّض له المجتمع خلال الثورة التي قامت للإطاحة بهذا النظام.
ولم تكن نتيجة ذلك انهيار نظام الدولة وعدم شرعية المؤسسات فحسب، بل نتج عن ذلك أيضاً صدمات واسعة النطاق، وتشتت في المجتمع.
من هذا الواقع ركز مشروع “اليوم التالي” على تكريس فكرة العدالة الانتقالية عبر تشكيل لجنة تحضيرية للعدالة الانتقالية تقوم بشكل فوري بصياغة استراتيجية للعدالة الانتقالية والبدء بتنفيذها والتخطيط لحماية السجلات والوثائق والبدء بالتواصل مع الشعب السوري للعمل على تفادي الهجمات الانتقامية وزيادة الوعي بآليات العدالة الانتقالية ورصد الاهتمام الدولي والنظر في إطارات العمل المناسبة لتنسيق ودمج آليات العدالة الانتقالية المتعددة وإعداد الكوادر ليعملوا في مؤسساتها، وفي المرحلة الانتقالية يتم تحويل اللجنة التحضيرية إلى لجنة وطنية مستقلة للعدالة الانتقالية بتفويض رسمي يخولها التنسيق والإشراف على جدول أعمال العدالة الانتقالية على المستوى الوطني لضمان دمج وتناسق، وتناسب عناصرها المختلفة والعمل على التوفيق بين المبادرات والتعامل مع أي تباين في صياغة وتطبيق السياسات المتبعة.
بالإضافة إلى تأسيس محكمة جنائية خاصة تكون بمثابة كيان قضائي مستقل مؤقت ضمن النظام القضائي السوري، وذلك وفقاً للمعايير الدولية، وتحت سيادة الدولة السورية لمحاكمة الأفراد ذوي المناصب العليا، مثل كبار المسؤولين في نظام الأسد وأفراد عائلة الأسد ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية على أن يتم محاكمة الأفراد ذوي المناصب الأدنى من خلال الإجراءات القضائية الاعتيادية المتعارف عليها وقد أوصى مشروع “اليوم التالي” بتشكيل لجنة تقصي حقائق للبدء بعملية البحث عن الحقيقة بشكل واسع وشامل وجمع روايات ومقاطعتها خلال الثورة.
وستعمل تحت هذه اللجنة لجان فرعية إحداها تاريخية تتعامل مع انتهاكات فترة ما قبل الثورة، والثانية ستتعامل مع فترة الثورة نفسها.
كما وضع مشروع “اليوم التالي” رؤية لنظام تعويض ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، بعدة أشكال، منها التعويض المادي والرمزي ورد الأموال إلى أصحابها وإعادة التأهيل وضمانات عدم عودة الممارسات الخاطئة وتقديم اعتذارات رسمية.
إضافة إلى تمكين المصالحة الوطنية على المدى البعيد من خلال تدريس الثورة في المناهج الدراسية وكتب التاريخ، وإقامة النصب التذكارية والدعم النفسي والاجتماعي والحوار والتواصل الوطني.
تحديات تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا
أن أهم التّحديّات التي تواجه تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا تعتمد إلى حدٍّ كبير على طبيعة انتقال النظام في سوريا (إن كان من خلال تدخل دولي أو مفاوضات لتسليم السلطة) والمتغيرات الأساسية في طول بقاء الحكومة الحالية مُمسكة بزمام الأمور في البلاد، فإذا ما تم تسليم السلطة عبر مفاوضات، فسوف يخلف ذلك آثاراً محدودة مقارنة بانتقال يعقب فترة طويلة من النزاع المسلح المتبوع بانهيار النظام.
ومهما كان السيناريو فإن جهود تحقيق العدالة الانتقالية سوف تواجه تحديات كبيرة بشكل عام لعل أهمها:
عدم المعرفة: عدم الوعي بمفهوم العدالة الانتقالية يمثّل التحدي الأهم الذي يواجه تطبيقها في المجتمع السوري، فقد تكون غير مفهومة بشكل جيّد عن البعض، أو يتم الخلط بينها وبين مفهوم العدالة الجنائية لذالك يعمل مشروع “اليوم التالي” على تعزيز المفهوم عند المجتمع السوري بشكل مبسّط وعميق يتيح للأشخاص الحاصلين على تعليم بسيط التعرف عليها والتفاعل معها عبر سلسة من الأفلام الكرتونية الموجة لجيل الشباب تنشر بشكل دوري على شبكات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى طباعة كتيبات عن مفهوم العدالة الانتقالية تحتوي رسوماً توضيحية وشرحاً بسيطاً عنها.
انقسام المجتمع: لقد أدّت الثورة السورية إلى تفاقم التوترات العرقية والطائفية والقومية القائمة وتعميق الانقسامات الاجتماعية، وخلقت حالة من عدم الثقة ساهم بتكريسها النظام. تمثل هذه الانقسامات المجتمعية تحديّاً خطيراً في طريق تحقيق العدالة الانتقالية. يسعى مشروع “اليوم التالي” إلى خلق مناخ حواري بين مختلف الطوائف والقوميات في سوريا بهدف إعادة الثقة في ما بينها، ويعمل على إلزام الحكومة الجديدة بمبادئ العدل والمساواة في التعامل مع الضحايا كافة من مختلف الطوائف.
عدم كفاية الموارد الأساسية: أن العقوبات الدولية المفروضة على سوريا أدت إلى إعاقة تطوّر الاقتصاد السوري وتلاشي الموارد الأساسية التي يمكن لأية سلطة سوف تأتي ما بعد الأسد الاعتماد عليها في تطبيق العدالة الانتقالية.
القدرة المحدودة والشرعية المهددة: لقد سيطر النظام على مؤسسات الدولة بكافة أشكالها، القضائية والنيابية وسخرها لقمع الشعب السوري، وقد شارك بعض المسؤولين والموظفين الحكومين في الأنتهاكات التي مارسها النظام، وبالتالي فإن مشروعية المؤسسات والأشخاص الحاليين لا تتوافق مع المعايير والأعراف الدولية لتطبيق العدالة الانتقالية، يرى مشروع “اليوم التالي” أن هناك حاجة ملحة لإجراء عملية تدقيق فعالة وشفافة مع المسؤولين الرسميين السابقين. كما يقترح المشروع أن تبقي حكومة ما بعد الأسد المجال مفتوحاً أمام دور دولي في تطبيق إطار عمل العدالة الانتقالية، وقد وضع حدود وشروط واضحة لهذا الدور.
الحاجة إلى العاجلة إلى المساءلة: بعد انتقال السلطة ستكون هناك حاجة ملحة وعاجلة للتطبيق العدالة والمساءلة من قبل الضحايا، وقد يلجأ البعض إلى الثأر لأنفسهم بشكل مباشر عن بعض من الانتهاكات الماضية التي وقعت عليهم والتي تتراوح مابين القتل خارج نظام القضاء إلى التعذيب في السجون والاغتصاب والحرمان من الجنسية… ألخ، يسعى مشروع “اليوم التالي” إلى التعامل مع المعطيات على أرض الواقع والأخذ بآراء الضحايا والقدرة على الاستجابة للمطالب كجزء جوهري من إطار عمل العدالة الأنتقالية، كي يتحلى ذلك الإطار بالمصداقية والشرعية.
نحو مستقبل أفضل
إن عملية معالجة التركة القمعية للنظام السابق من انتهاكات لحقوق الإنسان وتدمير ممنهج للمجتمع السوري، لا يمكن لها أن تستقيم بإعادة تكرار الأخطاء السابقة، كما أنه لا يمكن للمجتمع السوري العبور إلى المصالحة الوطنية، وبناء المستقبل دون العودة إلى الماضي ومحاسبة كل من ثبتت إدانته وتورطة بجرائم بعيداً عن منطق الثأر أو عدالة المنتصر.
من هذا المنطلق يسعى مشروع “اليوم التلي” إلى معاجلة هذه القضايا الحساسة ضمن إطار قانوني واضح متوافق مع أعلى المعايير الدولية في مجال تطبيق العدالة الانتقالية والاستفادة من تجارب الدول التي طبقت خطط واضحة في هذا المجال أملاً في رسم مستقبل أفضل لسوريا الدولة المدنية الديمقراطية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث