عمّار الأحمد
ذهب وفد المعارضة إلى روسيا، وعاد بخفيّ حنين، وبكلام عمومي عن ضرورة الحفاظ على المصالح الروسية إثر انتهاء جنيف، أو في حال حدث ما يُنهي الصراع في سوريا، ويشكّل بداية مرحلة انتقالية؛ أي بعد إزاحة السلطة الحالية.
وبين الجنيفين، تحقق في حمص انفراج نسبي فيما يخص المحاصرين وتمّ إجلاء قسم منهم، وأدخلت بعض السلال الغذائية، وصمدت هدنة برزة، وفشل النظام في توقيع هدنة في داريا، وتزايد الصراع العسكري على أشدّه في حلب، وفي درعا هنالك تقدم محدود. وبالتالي هناك مسار سياسي وهو مسار جنيف، يرافق استمرار الصراع على الأرض ومحاولة النظام فرض سياسات داخلية بين هدن وإدخال المساعدات إلى منطقتين وتصعيد هجمات البراميل الكارثية في كل من حلب وداريا. أي أن النظام يريد الذهاب إلى تتمة جنيف2 وهو بموقع القوة؛ إضافة إلى ذلك فقد رَشح عن وفد الائتلاف في روسيا أن الأخيرة اقترحت تشكيل لجان متعددة للبدء بتقديم رؤى وبرامج وو، واستبعاد أن تكون مسألة الهيئة الانتقالية كاملة الصلاحيات، وهو ما سيدمّر اتفاق جنيف الأساسي، وسيدخل المعارضة كطرف هامشي والنظام كممثل عن سوريا؛ فالسؤال حينما تتم الموافقة على قصة اللجان وما يصدر عنها: من سينفذ نتائج اللجان؟
والجواب هو من يحكم سوريا حالياً، أي النظام؟ وبالتالي خيار اللجان خيار روسي لتدمير اتفاق جنيف، وللسيطرة الكاملة على النظام والمعارضة وإجبارهما على توقيع إملاءات الروس.
سيرفض الائتلاف ذلك، وسيضطر الروس، الذين لم يتوقفوا يوماً عن التلاعب بالثورة السورية، ودعم النظام إلى انجاز التوافق الأمريكي الروسي، الذي بدوره يعطي للروس الإشراف على جنيف السوري، ولكن مقابل بدء مرحلة انتقالية حقيقية بين طرفين، وتكون هيئة الحكم المشكلة هي صاحبة الصلاحيات التنفيذية وهي المسؤولة عن تطبيق جنيف، وهو ما لا تزال المؤشرات حوله مشوشة، رغم أن الاتجاه العالم لكل جنيف يقول بذلك.
خروج قدري جميل قبل عدة أيام إلى الإعلام، وما صرح به، عن الحوار تحت سقف الوطن، وإيصال المساعدات هو أقل مما وافق عليه النظام! ولكنه يتوافق مع الرؤية الروسية، أما لقاء الجربا مع عبد العظيم، فتشوبه تعقيدات سيما وأن الهيئة تريد الاعتراف بوفد يمثلها ويمثل صالح مسلم لوحده والمنبر الديمقراطي وتيار بناء الدولة والنساء، أي تريد بهذه الطلبات تلغيم وفد المعارضة وإنهائه تماماً، وقد رفع من شروطها هيثم مناع برفضه الذهاب إلى جنيف ما لم يقدم النظام بعض الاستحقاقات دون قيد أو شرط وقبل الجلوس مع وفد النظام، عدا عن رأيه بأن لا الشروط الموضوعية ولا الذاتية متوفرة للحل السياسي؟! وبدوره منذر خدام أكد ضرورة وجود مسار تفاوضي موازي لجنيف العلني، يتشكل فيه وفد المعارضة من كافة قوى المعارضة وهذا يتطلب بدوره لقاء تشاوري بين المعارضة.. وبالتالي لدى هيئة التنسيق وقد استبعدت من وفد المعارضة ثأر سياسي، ناتج عن الشعور بالخذلان من الروس، ومحاولة تعطيل دور وفد الائتلاف واعتباره لا يمثل المعارضة، وكأنّ ما تبقى من هيئة التنسيق يمثل هيئة التنسيق نفسها! هنا يوجد مشكلة كبيرة، وهي تتلاقى مع موقف روسي وموقف للنظام تتمثل في طلب تمثيل بقية لمعارضة في الوفد. ولكن يوجد احتمال أخر، وهو الاتفاق على وفد جديد للمعارضة، وبروحية الوفد الأول ويضمن أطراف متعددة ومنها الهيئة.
يقع على وفد المعارضة العمل بمسارين هما:
أولاً الإصرار على أن يكون التفاوض بشأن هيئة الحكم الكاملة الصلاحيات، ووضع توقيت زمني لبدء تشكيلها وتحديد صلاحياتها وما تشمله.
وثانياً طرح مسألة المساعدات الإنسانية، باعتبارها قضايا مستحقة من قبل، أي المباشرة في تطبيقها آليا، إضافة للبدء بالانفراج عن المعتقلين وإيقاف الحرب المدمرة للبلاد، والإفراج عن المعتقلين السياسية، واعتبار هذه القضايا قضايا يجب إنهائه بتوقيت زمني، ويمكن هنا البحث في كيفية تطبيق كل تلك القضايا.
وتطرح قضية تخص وفد المعارضة، وهي القيام بتغطية إعلامية حرفية أثناء انعقاد المؤتمر، وإيكال هذه المهمة، لإعلاميين سوريين جديين، ويمتلكون القدرة التحليلية، والإقلاع عن العفوية والارتجالية والفوضى في ذلك.
الإشكال الذي لم يوجد له حل، ما الذي سيضمن التقدم بهذين الأمرين في سوريا؟ وكيف سيتم الأمر، سيما وأن النظام لديه جيشه، والمعارضة والكتائب موجودة وهما بحالة حرب، أو كيف سنضمن إيقاف إطلاق النار؛ هنا لا بد من اتفاق واضح ودقيق سواء بما يخص جبهات القتال وكيف تتوقف عن الحرب، وثانياً إرسال قوات دولية إلى بعض المناطق الحساسة، تكون مهمتها الإشراف الدقيق على عودة الأهالي وانسحاب الجيش ومنع أي اختراق لإطلاق النار من الطرفين.
التقدم بهذا الاتجاه سيطرح مستقبل الأسد مباشرة؛ فأي مصير له، وما الذي سيفعله حينما تسحب منه الصلاحيات؟!
هنا مربط الفرس، وهل سيوافق وكيف؛ أمام جنيف مسؤولية التفاوض بما ذكرناه وهو مشمول في الاتفاق الأول لجنيف، وهذا ما سيفتح المجال نحو التوقيت الزمني للتنفيذ أي لنقل السلطة، وإذ كان النظام قد عقد اتفاق في أب الماضي بخصوص تسليم الكيماوي، فإن هذا الاتفاق، إضافة لإبعاد ضربة عسكرية إليه فإنه ربح الوقت لإطالة عمر النظام، وهو ما سيبقى الرئيس إلى نهاية ولايته، وبالتالي يخرج من السلطة ليس بسبب الثورة بل لأن أنهى ولايته؟! ويكون بذلك ضمن انتقال جزء من نظامه إلى النظام الجديد، وهو سيناريو أقرب لما فعله علي عبد الله صالح في اليمن، والتحكم ببعض أدوات السلطة القادمة عبر الجيش وسواه.
الأسد لا يقبل بسهولة الانصراف عن الحكم، فالحكم مصدر كل نهبه وتسلطه، وقد أوغل في الدمار والدماء، ولا يمكن حمايته دون الاستمرار بالحكم، أو ضمان ذلك ضمن اتفاق جنيف نفسه، عدا عن شعوره بالقوة جزئياً بسبب الدعم الإيراني والروسي.
إيران الخاسرة في سوريا، هي الرابحة في العراق، ولكن ذلك لا يخفي أنها تطمح إلى الحفاظ على مصالحها في سوريا، لأن سوريا طريقها لدعم حزب الله؛ إيران هذه لا يمكن التغاضي عن مصالحها، وبالتالي جنيف، ليس اتفاقا بسيطاً، وهو اتفاق يشمل في بعض أوجهه مصالح دول عظمى ودول إقليمية. وحينما تطرح مصالح إيران فإن مصالح السعودية لا بد أن تراعى، وهي ليست أقل من دور أكبر في سوريا على حساب الدور الإيراني السابق!
ما لم يشمل الاتفاق تحقيق هذه المصالح المتعددة إقليماً ودولياً لن ينجح أبداً. هنا نعود للتذكير أن بنود جنيف الأول هي بنود روسية أمريكية، وبالتالي لن تسمح لا روسيا ولا أمريكا بفشل جنيف، ولكنها كذلك لن تضغط بشكل كبير إلى عقده، ما لم تتفق نهائيا على مصالحها في سوريا، والعالم. في زحمة الضغط الدولي، سنعود ونكرّر الداخل هو ما يقوّى وفد المعارضة، فهل تفهم الأخيرة مصدر قوتها وتقويه بدورها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث