الرئيسية / منوعات / منوع / رجال الدفاع المدني.. رجال اللحظة الراهنة

رجال الدفاع المدني.. رجال اللحظة الراهنة

*صبر درويش
دفعت شروط الحرب الدائرة في سوريا العديد من الشبان السوريين إلى لعب دور ما يسمى بالدفاع المدني، وهو وإن لم يكن اختصاص هؤلاء الشبان إلا أنهم تمكنوا من لعب هذا الدور بإتقان رغم الصعوبات التي واجهتهم والامكانات المتواضعة التي توافرت لديهم.
بعد تحول الحراك الشعبي السوري من شكله السلمي إلى شكله المسلح، شنت قوات النظام حرباً شعواء على المدن السورية المنتفضة، دكت الأحياء السكنية، وهدمت المنازل، ولم توفر قوات النظام أي نوع من أنواع الأسلحة الثقيلة بما فيها الطيران إلا واستخدمته في سياق تركيع هذه المدن وإعادة السيطرة عليها.
أسفر قصف المدن عن نزوح كبير لأغلب السكان المدنيين، وباتت المدن شبه خالية من ساكنيها، بينما من تبقى فهم قلة من الشبان الذين اختاروا البقاء على الرحيل. وكان هذا أخطر ما أصاب هذه المدن: مغادرة أغلب كوادرها المتعلمة ومن كافة الاختصاصات.
فجأة وجد الشبان المتبقون أنفسهم وجهاً لوجه أمام مهمات صعبة ومعقدة وخطيرة لم يكن يخطر ببال أحد أنه سيقوم بها؛ فجأة بات على الشبان أن يتعلموا كيف يجروا الاسعافات الأولية، وينقذوا الجرحى، وأن يكونوا رجال إطفاء، أو أن يكونوا من طوارئ الكهرباء وغيرها، وكل هذا من دون أي نوع من أنواع التدريب أو التخصص. 
فرضت الشروط الموضوعية للحرب على هؤلاء الشبان أن يكونوا رجال دفاع مدني، وهم في غالبيتهم شبان في مقتبل العمر، وربما أحدهم لم يضمد جرحاً واحداً في حياته. إلا أن دورهم كان حاسماً في إنقاذ عشرات الأرواح.
جوبر الحي الدمشقي الواقع شرق العاصمة دمشق، وعلى تخوم الغوطة الشرقية، تعلم درسه جيداً عبر ما رآه يحدث في مدن وبلدات الغوطة الشرقية؛ إذ قبل أن تسيطر قوات المعارضة على الحي، عمد الناشطون إلى إجراء العديد من دورات الدفاع المدني وجرى التركيز بشكل أساسي على المسعفين.
لا أحد اليوم لا يعرف السيدة أم أيمن المسعفة والعاملة ضمن الكادر الطبي في حي جوبر. بالسبة لأم أيمن، تقول إنها لم تعمل في هذا المجال في يوم من الأيام، إلا أنها وبسبب الظروف والأحداث المحيطة بها قررت أن تحضر دورة أجراها الهلال الأحمر السوري لتتعلم الإسعافات الأولية، وتتابع بالقول: لم يطل وقت تدربنا حتى وجدت نفسي منخرطة بالكامل بالعمل الإسعافي وأصبحت إحدى ممرضات الحي، تعلمت كيف أعطي الحقن، وكيف أضمد الجروح وأوقف النزيف، وكل هذا من خلال الخبرة الميدانية في العمل.
اعتقلت أم أيمن منتصف عام 2012 على أيدي قوات النظام، وكانت التهمة (إسعاف الإرهابيين)، وظلت في السجن حتى نهاية العام نفسه حيث أفرج عنها، وكان من المدهش أنها عادت فوراً إلى حي جوبر، وبعدها انخرطت في العمل في مشفى ميداني في بلدة عين ترما في الغوطة الشرقية، وهي مستمرة حتى اللحظة في إنجاز مهامها.
في حوالي منتصف آذار من العام الماضي، أعلنت قوات المعارضة سيطرتها بالكامل على حي جوبر الدمشقي، وبعد هذا التاريخ سيتعرض الحي لقصف شديد من قبل قوات النظام، ستهدم المنازل وسينزح السكان، وستبقى الأحياء فارغة سوى من الغبار المتناثر وأصوات الانفجارات المتفرقة. 
وفي كل الحالات كان الحي يتعرض لقصف عشوائي مما أدى إلى اندلاع العشرات من الحرائق بسبب سقوط القذائف على أسطح الأبنية السكنية والتي غالبا ما يكون عليها خزانات الوقود. 
لم يكن الناشطون في أثنائه مستعدين لهذا النوع من العمل ولا يمتلكون المعدات اللازمة لعملية الإطفاء. وهو ما دفع إحدى الكتائب المسيطرة في الحي وبالتنسيق مع المجلس المحلي لاستخدام شاحنة صغيرة وضع عليها خزانين كبيرين من المياه وبعض الخراطيم التي تم استخدامها بالإضافة لمعدات اخرى متواضعة في عملية الاطفاء.
بالنسبة لأبو سالم، فهو سائق السيارة وفي الآن ذاته يعمل كإطفائي، عندما التقينا به كان يعمل على إطفاء حريق شب في منشرة للخشب وقعت عليها قذيفة هاون، مما أدى إلى اندلاع النيران فيها؛ يقول أبو سالم: “أنا لم أعمل في هذه المهنة أبداً من قبل، ولكن لم يتبقى الكثير من الشبان في الحي فاضطررت إلى أن أنخرط في صفوف الدفاع المدني”.
ويتابع أبو سالم بالقول: لا نملك أي معدات لتحمينا أثناء عملنا، لا يوجد أقنعة واقية، ولا بدلات تقي من النيران، وخزانات المياه صغيرة لا تكاد تكفي لإطفاء حريق متوسط، ورغم ذلك نعمل كل ما باستطاعتنا كي نسيطر على الحرائق ونمنعها من الانتشار والتهام الحي.
يعمل أبو سليم هو وشاب آخر معه، تكاد شاحنتهم أن لا تتوقف عن العمل ليل نهار، ورغم ذلك لا يبدو على الشبان سيماء التراجع أو الانهاك، إلا أنه من الواضح أن التعب راح ينال منهم. إذ يجد هؤلاء الشجعان أنفسهم بمفردهم إزاء مهمات قد يبدو من المستحيل إنجازها دون مساعدة مؤسسات ومنظمات مختصة بالأمر. إلا أن الحاجة تبقى أم الشجاعة بالنسبة لهؤلاء الشبان. فهم حتى اليوم تمكنوا وعلى الرغم من كل الامكانات المتواضعة من إنجاز مهامهم إنقاذ حيهم من حرائق في كثير من الأحيان كادت تودي بالحي بأكمله.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *