عدنان عبد الرزاق
صفعتِ الليرةُ السوريةُ النظامَ قبل أيام، لتؤكّدَ أن الاقتصاد يبنى على الأرقام والمنطق والسوق، وقلما تنجع معالجة أزماته بالخطابات، وإن استخدمت كل طرائق “التشبيح” من تقييد ومنع وحصر، وحتى من سحب تراخيص شركات الصيرفة التي لم تتعامل مع مصرف سوريا المركزي الذي يدار عبر أقبية المخابرات، وليس من خلال تعليمات مجلس النقد والتسليف، بل وسجن كل من لا يروج أنها”خلصت…والليرة بخير” .
نهاية الأسبوع الفائت قفز سعرُ صرف الليرة مقابل الدولار الأمريكي لأكثر من 155 ليرة للدولار الواحد، رغم تثبيت السعر لدى “المركزي” وشركات الصيرفة والمصارف التابعة، على 145 ليرة للدولار . ما يزج بسؤال بدهي، أيُّ السعرين أقرب للمنطق الاقتصادي بناء على عوامل قوة سعر الصرف، وأيُّهُما سعر سياسي مفروض بقوة التشبيح.
حقيقة الأمر وعلى حسب اعتقادنا، كلا السعرين لا يعكسان حقيقة الاقتصاد السوري وسعر الليرة الأقرب للحقيقي، وإن كان سعر 155 ليرة هو الأقرب للواقع . ببساطة لأن الليرة السورية فقدت كلَّ عوامل تحديدها الاقتصادية، وتعيش منذ أكثر من عام، على جرعات إسعافية من ضخ كتل دولارية في السوق حيناً، وفرض سعر سياسي مستمد من تضليل نفسي وإعلامي، يستخدمه النظام ضمن سياق عام، وهذه الآونة بالذات .
بداية القول: بدهي أنَّ العملةَ، أي عملة، تستمد قوتها، والذي ليس شرطاً أن يكون ارتفاعاً مقابل العملات الرئيسية، لأن قوة العملة غير ارتفاع سعر صرفها، فالدينار الكويتي-مجرد مثال- من أغلى أسعار العملات بالعالم، رغم أنه لا يستند إلى أي محددات إنتاجية أو تصديرية، اللهم إلا بعض احتياطيات نقدية مستمدة من الصادرات النفطية، في حين أن سعر اليوان الياباني يعتبر من أقل أسعار العملات صرفاً مقابل العملات الرئيسية، رغم أن الاقتصاد الياباني ثالث أكبر اقتصاد، واليوان نفسه يدخل كمحدد رئيس ضمن سلة العملات” وحدة السحب الخاصة”، كما أن انخفاض سعر صرف العملة، أي عملة، ليس دليلاً سلبياً على الاقتصاد، لأنه يساهم في تدفُّق الصادرات، وهو-السبب – الذي يدفع الصين لتمتنع عن تعويم الليوان كي لا يرتفع سعره، وتخسر بعضُ الأسواق العالمية التي تدخلها دونما استئذان.
ولكن، أن يكون سعر صرف العملة، أي عملة، منخفضاً واقتصاد البلد صاحب العملة يترنّح، أو ينهار، بل ولا مستقبل سياسي واقتصادي واستثماري يرجى، كما الحالة السورية، ويبقى سعرُ الصَّرفِ ثابتاً لأشهر، فذلك هو السؤال .
قصارى القول: ممّا سبق، لو سألنا عن عوامل قوة الليرة السورية التي يتبجح بها النظام، ومنه حاكم مصرف سوريا المركزي، الذي توعّد، وسجن وسحب التراخيص أخيراً، لأن الليرة طالبت ببعض الحرية والاستقلالية. بل وكذب على السوريين أن الليرة تستند على احتياطي نقدي كبير، رغم أنه نفسه اعترف بتبديد الاحتياطي واستخدامه في محاربة “الإرهاب والمؤامرة الكونية “، بل وسواه ممّن هم في مرتبة أعلى لجهة الاقتصاد وقرباً من النظام، كالنائب الذي لم يعد لدمشق رغم انتهاء إجازته، وفصله من العمل قدري جميل، الذي صرح على الملأ بزوال الاحتياطي وتوقف الصادرات النفطية.
إذاً: وبشيء من التفصيل، إن كانت سوريا بلا احتياطي نقدي أجنبي تستند عليه الليرة، وبلا تحويلات خارجية من مغتربين، وبلا دخول عملات صعبة من سُيّاح وبلا إنتاج وبلا تصدير، فمن أين تستمد الليرة قوتها وكيف لها أن تحافظ على سعر صرفها لأشهر ثلاثة متتالية؟؟
بل ومضاف إلى كل تلك العوامل الاقتصادية، العامل النفسي، وهو الأهم، فسوريا التي تدور عجلة الموت فيها كل لحظة، ولم تُبقِ آلةُ النظام العسكرية فيها أملاً على أمل، بل وأكثر النبوءات تفاؤلاً قالت:لن تعود سوريا للاستقرار وإمكانية العيش لعشر سنوات مقبلة.
رغم كل هذا وذاك ترى وضع الليرة مستقراً على عتبة 145 ليرة للدولار منذ فترة، ولا ترى أيَّ مبرر لذلك، كما لا ترى أي استغلال من المعارضة لهذا الموضوع المهم، والذي-البوابة الاقتصادية- يمكن أن تفقد النظام بيئتها الحاضنة ومناصريه ومرتشيه، إن نقل يمكن أن يسقط عبرها ومن خلالها .
نهاية القول: سبق النظامُ المعارضةَ في الليرة أيضاً، وأحسن استخدامَها كسلاح مزدوج، يستعطف عبرها السوريين على أن بلادهم وعملتهم مستهدفة، بل ويدفعهم ثمن انخفاض سعر صرفها، إن عبر دفع رواتبهم حسب سعر الدولار قبل الأزمة، أو عبر زيادة الأعباء المعاشية على اعتبار أجورهم حسب الليرة وأسعار مستلزماتهم حسب الدولار.
فكلّما حان موعدُ استحقاق، وكلما أراد النظام جذب سوريي الداخل، عزف على وتر الليرة، فأفقد المعارضة المتخبّطة من استخدام هذا السلاح، ومنّنَ السوريين على بقائهم أحياء يأكلون الخبز، ويستنشقون الهواء في حين من يحاصره، ويقطع نعماءه عنه يموت جوعاً وركوعاً .
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث