عبد القادر عبد اللي
كان “وقف حقوق الإنسان والحريات والمساعدات الإنسانية” في تركيا وباسمه المختصر “İHH” أول هيئة مجتمعٍ مدنيٍّ عالميٍّ، هرعت لمساعدة السوريين، فهو أنشأ أوّلَ مخيم للاجئين السوريين إثر هروب المئات من بعض قرى الساحل السوري غير الموالية التي يسميها رجال الإمام الفقيه “قرى الخونة” نتيجة هجوم قوات النظام التي سماها يومئذ “بيشمركة” ووضعهم في مستودعات قديمة تابعة لمؤسسة قطاع عام تركية تمّ تصفيتُها منذ زمن طويل.
يمتد نشاط هذا الوقف إلى سنوات طويلة، فهي التي ساعدت اللاجئين العراقيين عندما تراكموا على الحدود إبان حرب الخليج الأولى، وهي أكثر من ساهم بتضميد جراح البوسنيين خلال تعرضهم للإبادة الجماعية على يد الفاشيين الصّرب. ولكن النشاط الذي جعل اسمها لامعاً لدى الشعب العربي هو تنظيمها لرحلة “مرمرة الزرقاء” لخرق الحصار على غزة، وحشدها شخصيات دينية مسلمة ومسيحية ويهودية في تلك الرحلة التي انتهت بشكلٍ دمويٍّ، وقدّمت من أعضائها تسعة شهداء. ومازالت حتى الآن تقوم بتنظيم حملات من أجل تقديم المساعدات لغزة.
لعب هذا الوقف دور الوسيط بين هيئات الإغاثة العربية والسلطات التركية أيضاً، فقد كانت تستلم المساعدات، وتقوم بإيصالها إلى داخل الحدود السورية. تُوج هذا التعاون مع “راف” القطرية بإيصال المساعدات للنازحين العراقيين داخل العراق نتيجة المعارك الدائرة في الأنبار…
لن يُستغرب اعتبار إسرائيل لأوقاف “İHH” منظمة إرهابية لأنها تدعمُ الإرهابَ، والإرهاب بالنسبة لإسرائيل هو كلُّ غزاوي محتاج. فشلت إسرائيل بوصم هذا الوقف بوصمة الإرهاب لدى أصدقائها كافة حتى من المنظمات الصهيونية العالمية ممّا جعل الحكومة الإسرائيلية تعتذر رسمياً للحكومة التركية، ثم بدأ المحامون بالتفاوض مع محامي الوقف لدفع تعويضات لأسر الشهداء.
تتعرّض اليوم أوقاف “İHH” لحملة إعلامية وأمنية شرسة. فشاحناتها بدأت تتعرض للتفتيش الدقيق وهي متجهة نحو الأراضي السورية، ويتعرّض بعض ناشطيها للملاحقة والتوقيف الاحتياطي، وتداهم مكاتبها بقرارات قضائية، والصحافة الموالية للإمام الفقيه أو الممولة من قبله بدأت تعزف على وتر الإرهاب الذي لم تستطع إسرائيل وجبروتها ذات يوم وصمه بها. وهذا بدأ ينعكس سلباً على وضع اللاجئين السوريين خاصة أولئك الذين داخل الحدود السورية.
التهمة الموجهة لهذا الوقف “نقل أسلحة إلى داخل الحدود السورية” تحت غطاء المساعدات الإنسانية. الدليل هو صور لأعضاء هذا الوقف برفقة رجالٍ مسلّحين داخل سوريا! نُفذت حملة مداهمات في ست محافظات هي وان، اسطنبول، كلس، غازي عنتاب، أضنة قيصري، وأوقف خمسة وعشرون “مشتبهاً به”. تم ضبط مجموعة كمبيوترات في أحد مقرات الأوقاف، ولكنها سرعات ما أعيدت بعد حملة من الاستنكار والتنديد الشديدين. ما هي هذه الأسلحة؟ وأين هي؟ لم تظهر بعد، ولكنها كثيرة جداً تكفي تسليح جيوش عدة على صفحات تلك الصحف وشاشات الرفاق الماركسيين الخامنئيين.
ردَّ بولند يلضرم رئيس الوقف على هذه الإدعاءات في أكثر من مناسبة قائلاً: “نعم، هذه الصور صحيحة نحن نوزع المساعدات في سوريا برفقة رجال مسلحين من المناطق التي نذهب إليها، هل هذه جريمة؟ هل يمكن توزيعها دون أولئك الرجال؟ من يستطيع فليتفضل، ويأخذ دورنا. من ناحية أخرى لدينا صور في مؤسسات أمنية في دمشق عند تبادل الأسرى الإيرانيين بالمعتقلين السوريين، وفي تلك الصور نظهر برفقة رجال الأسد المدججين بالسلاح، هل نصبح في هذه الحالة من رجال الأسد؟” وتابع يلضرم بضرب الأمثلة: “قمنا بوساطات بين باكستان وطالبان، فهل نغدو طالبان؟ كنا مع الأمريكان وممثلي الاتحاد الأوربي في وساطات من أجل مورو، فهل نصبح في هذه الحالة إمبرياليين؟”
إثر تنظيم الوقف حملة علاقات عامة قوية، اضطر الادعاء العام في وان الذي يدير عمليات المداهمة للتصريح بأن العمليات تستهدف أفراداً بصفاتهم الشخصية، وليس المنظمة التي ينتمون إليها.
بدأت وفود الأحزاب التركية بزيارات التضامن إلى مقر الوقف، ومن بين هذه الوفود حزب السعادة (الذي تشكل على أنقاض حزب الرفاه)، وحزب الحركة القومية وحزب الوحدة الكبرى. إذاً هي أحزاب المعارضة المحافظة والقومية الممثلة في البرلمان. إضافة إلى هذه الأحزاب كانت هناك زيارة حملت معنى مهماً لجمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين والتي يسميها البعض (الإسلاميين) وهي من أهم الجمعيات الداعمة، وأعلن وفدُها بأنه سيستمر بدعمها، وسيزيده. بالطبع لم تتخلف المعارضة السورية ذات الحضور الأكبر في تركيا وهي المعارضة السورية التركمانية بتقديم زيارة تضامن لهذا الوقف.
لا نحتاج إلى متنبئ لمعرفة أن النازحين السوريين -وخاصة النازحين ضمن الأراضي السورية- سيعانون كثيراً نتيجة التضييق على هذا الوقف لأن المنظمات الإغاثية العربية والعالمية كلها تعمل عبره. هذا يعني أن أياماً –لا أحد يعرف عددها- من الجوع تنتظر نازحي سوريا داخل الحدود في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.
حرب التجويع من أجل التركيع مازالت على أشُدّها في مناطق عديدة من سوريا، وها هي تمتد إلى خارج الحدود، وإذا صحّت التسريبات الصحفية فإن ملايين الدولارات تُدفع من أجل حملة التجويع الخارجية. ارتباطاً بحملة التجويع الخارجية تحاول القوى التابعة للإمام الفقيه إلصاق تهمة الإرهاب بوقف حقوق الإنسان والحريات والمساعدات الإنسانية “İHH” فهل ينجح الإمام الفقيه بالدور الذي فشلت فيه إسرائيل؟ أو لعلَّ السؤالَ يجب أن يكون على النحو التالي: “هل تنجح إسرائيل بما سعت إليه عبر دعم الولي الفقيه؟”
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث