ثائر الزعزوع
فعل الثورة بحد ذاته هو فعل استثنائي، لا يتكرر حدوثه إلا مرات قليلة في
أعمار الدول، فإذا أسقطنا من تاريخ سوريا المعاصر ما يعرف بثورة الثامن آذار التي
يتبرأ منها الشعب، فإن تاريخ سوريا الحديث يخلو تماماً من أي فعل ثوري، وجميع
التيارات السياسية المعارضة كانت تتجنب الحديث عن مفردة الثورة، وكانت تفضل
استخدام مفردة التغيير، أو الانتقال، أو الإصلاح، وهي نفسها العبارات التي يستخدمها
النظام الحاكم لكن بمعانٍ مختلفة، وأغراض مختلفة أيضاً.
وقد نظر الكثير من “السوريين” على اختلاف مشاربهم إلى عملية
إخراج عبد الحليم خدام من هرم السلطة ثورة يقوم بها بشار الأسد على نظام أبيه، وما
يسمى بالحرس القديم، لكنّ الحقيقة أن أولئك الحرس القديم أنفسهم هم من كانوا يقومون
بالتغيير ويحافظون من خلاله على مصالحهم، ولم يكن بقاؤهم في مناصبهم التي شغلوها منذ
انقلاب حافظ الأسد سوى نوع من ترسيخ الوجود، وقد انسحب الكثيرون منهم عن طيب خاطر
من المشهد، ثم عادوا بمسميات مختلفة مع انطلاق الثورة المباركة عام 2011، بل إن
بعضهم أطل بمشاريع “وطنية” كما فعل وزير الإعلام الأسبق محمد سلمان،
الذي تقول بعض التسريبات إن علي مملوك استدعاه إثر تقديم مبادرته الوطنية وهدّده
بأن ملفه “القذر” يمكن أن يصبح قيد التداول في حال ظل مصراً على مبادرته
الوطنية، فانسحب الوزير الأسبق من المشهد، ولم يعد أحد يسمع أخباره، وما حدث في
جلبة وصخب اختفى بهدوء وسكينة.
ولأن عبارة الثورة أسيء استخدامها ونقلت مفاهيم الثورة مغلوطة إلى الأجيال،
فإنه كان سهلاً على بشار الأسد أن يقف منظراً للثورة، ويضع في إحدى خطاباته
تعريفاً للثورة، وشكلها ومضمونها، ولم يتورع محلل أحمق مثل خالد العبود في أن يشخص
الأفكار الثورية في العالم، وأن يقدم بوصفه خبيراً ثورياً وصفة علاج لما يمكن أن
يكون عليه شكل الثورة، ناسفاً وبكل بساطة أية ثورة لا تحاكي ثورة
“البعث” العظيمة، وربما “ثورة ملالي طهران” أيضاً، إذ لا
يستطيع أن يستذكر الثورة الاشتراكية في روسيا كي لا يغضب رجل الكي جي بي السابق
فلاديمير بوتين، الذي يسعى جاهداً لاستعادة زمن القياصرة، وترسيخ نفسه حاكماً أوحد
لبلاد سقط فيها الحزب الواحد، لكن تم إنتاج نموذج متطور عنه جراء تحالف مافيا
المخدرات مع رجال الأعمال ورجال المخابرات، وقد يعتبر غير منظر من منظري نظام
الأسد أن بوتين إنما هو زعيم ثوري، ولم لا ما دام حافظ الأسد زعيماً ثورياً!!.
وكما يفعل النظام تماماً، يفعل بعض المتاجرين الحديثين بالثورة السورية، من
أولئك الذين اشتروا علماً صغيراً وضعوه حول معاصمهم، وغيّروا صورتهم الشخصية على
الفيس بوك، فتراهم باتوا يوزعون شهادات ثورية، ويهاجمون كيفما شاءوا أي شخص لا
ينسجم مع مفهومهم للثورة، وأي تساؤل قد يطرحه الواحد منا قد يقع بسهولة ضمن خانة
التخوين الجاهزة، فلم يعجبهم وزير أعلن انشقاقه، ولا كاتب طلق صحف النظام وإعلامه
والتحق بركب الثورة بقلمه، بل إنهم يستطيعون وبسهولة لا مثيل لها إسقاط “صفة
الثورة” عن الكثير من الثوار الحقيقيين، والمناضلين الذين أفنت سجون النظام
ومعتقلاته أعمارهم.
والمفارقة العجيبة أن أياً منهم لم يسجل له أي نشاط حقيقي داخل الثورة، فلم
يرحموا لا مجلساً وطنياً ولا ائتلافاً، ولا حكومة، وضعوا الجميع في خانة الخونة
المتآمرين، وقرروا أنهم هم فقط من يحق لهم الحديث عن الثورة، فأسلموا الثورة،
حيناً، وعربوها حيناً، أو شوموها، وربما حمصوها، لا من التحميص بل من الحمصنة، مع
أن الثورة هي ثورة لكل السوريين، من الشمال إلى الجنوب، ومن الغرب إلى الشرق، بكل
طوائفهم وقومياتهم، وهي قادرة على استيعاب الجميع، بأخطائهم وعثراتهم، وإلا فإن الثورة
لن تختلف كثيراً عن النظام الذي قامت ضده، فالإقصاء والتغييب سيؤدي بالضرورة إلى
شرخ كبير في مفهوم الثورة، ولن يسهل معالجته إلا بثورة ثانية، وهذه كما أسلفنا لا
تحدث إلا نادراً في حياة الدول.
ولأن مواقع التواصل الاجتماعي منحت بعض ثوريي الزمان القدرة على تأسيس
مجموعات وإطلاق صفحات، فإنهم ينشطون في تشويه ما يريدون تشويهه في تاريخ لا الثورة
فقط، بل سوريا أيضاً فيشوهون، ويأتون بحقائق لم يسمع بها أحد سواهم، على مبدأ
“ما دام الشاهد ميتاً، فالكل يصدقون”، وهم يجدون جمهوراً لا بأس به يضع
“اللايكات” ويكتب الكومنتات، ولكن أي اختلاف في الرأي، سيضع صاحبه في
خانة “البلوك” ودبرها إذا فيك تدبرها، ولسان حال الكثير من السوريين
المتابعين لأولئك المعلقين بسخاء يقول: ما لأجل هذا خرجنا بالثورة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث