الرئيسية / رأي / الفاعلون الخارجيون ( 1) موقع قطر في معادلة الثورة السوريّة:

الفاعلون الخارجيون ( 1) موقع قطر في معادلة الثورة السوريّة:

حمزة المصطفى

ترددت في الفترة
الأخيرة أخبار وأقاويل كثيرة نشرت في قنوات وصحف مؤيدة للنظام السوري( الميادين،
وجريدة الأخبار، السفير) عن تغير سياسة قطر، وانزياحها باتجاه المصالحة والتصالح
مع النظام.

بمقدار ما تعكس هذه
الأقاويل رغبة المرويجين في حصولها تعكس أيضًا قصورًا في فهم موقف قطر ومصالحها وأهدافها وأسس موقفها من
الثورة السوريّة والثورات العربيّة بشكل عام. لا ينسحب ذلك على خصوم الثورة بل على
بعض أنصارها أيضاً ممن ينسجون الحكايات عن أن قطر تراجعت وتخلت عن الثورة بسبب
الاندفاع السعودي أو أوامر أميركا، أو بسبب
تسلم الأمير الجديد مقاليد الحكم أو.. الخ.

توضح الرد القطري على
مجمل ما سبق في مجموعة من الوقائع أولها؛ خطاب الأمير الجديد في مجلس الشورى والذي
أكد على أن قطر ” لن تتخلى” عن مساندة الثورة ومطالب الشعب السوريّ رافضاً
الضغوط الأميركية لعقد مؤتمر جنيف 2 بدون ضمانات وجدول زمني واضح ومحدد لانتقال
السلطة. وثانيها؛ الاجتماع الذي عقده وزير الخارجية القطريّة خالد العطيّة مع قادة
21 فصيل مسلح في اسطنبول على مدار يومين لترتيب الدعم العسكري وتذليل الخلافات بين
هذه الفصائل وقيادة الأركان بغية تنسيق وتفعيل العمل العسكري لمواجهة تقدم قوات
النظام في عدة محاور وبلورة موقف موحد من مؤتمر جنيف 2 بما يساهم في تقليص التشرذم
ويخفف من الاتهامات الإعلامية المتبادلة. وثالثها؛ نشرة وحدة تنسيق الدعم الإغاثي
في الائتلاف الوطني والتي أوضحت نسبة مساهمة الدول في العمل الإغاثي حيث جاءت قطر
في المرتبة الأولى بنسبة 73% تليها الإمارات 8% والسعودية 6.6% وأميركا 6%.

تدل الوقائع السابقة على أن الموقف القطريّ
بخلاف ما أثير حوله استمر داعماً للثورة ولم يتراجع أو يتغير. يبقى السؤال الذي
نحن بصدد الإجابة عليه: ما هي مرتكزات وأسس الموقف القطري من الثورة السوريّة، وما
هي مصالح قطر في سوريّة ؟

الإجابة عن هذا السؤال
ليست سلهة وتتطلب الوقوف على مجموعة من المعطيات الديمغرافيّة والجيوسياسيّة
وتفكير القيادة السياسيّة.

قطر إمارة صغيرة لا يتجاوز
عدد سكانها ( الموطنين) 300 ألف، ويشكلون أقلية من إجمالي المقيمين فية الدولة
والبالغ عددهم بحسب جهاز الإحصار المركزي نحو 2 مليون شخص. وكباقي الدول الخليجية
تعتمد الأسرة الحاكمة في قطر على ولاء القبائل المكونة للمجتمع، وعلى الريع كأحد
مصادر الشرعية، إذ يعتبر مستوى الدخل للمواطن القطري من أعلى المستويات في العالم،
وتتكفل الدولة إجمالاً بمختلف اجتياجات المواطنين الحياتية يساعدها في ذلك وجود
موراد كبيرة بالنسبة لحجم السكان القليل. انطلاقاً من ذلك تتمتع قطر باستقرار
سياسيّ داخلي مقارنة بدول خليجية عدد سكانها كبير وترتفع فيها معدلات الفقر وتنخفض
فيها مؤشرات التنميّة.

قطر ليست دولة ديمقراطيّة، ولا ترفع لواء
الديمقراطية ودعمها، وليست مؤهلة لنشر الفكر الديمقراطي، لكن استقرارها السياسي
والاقتصادي لا يجعلها تخشى انتشار الديمقراطيّة أو قيام أنظمة ديمقراطية في
المنطقة العربيّة. وبهذا تتمايز على دول خليجية أخرى ترى في الثورة العربيّة (
تهديد) لأنظمتها على اعتبار أن ظروف الثورات الاجتماعية والاقتصادية تتوافر فيها
أيضاً.

جيوبولتيكيَا، تقع قطر
بين دولتين إقليميتن كبيريتن هما إيران والسعوديّة تشكلان تهديداً جيوسياسياً لها
على المدى الطويل، عدا عن التوتر الدائم في علاقتها معهما. انطلاقاً من ذلك تتمحور
استراتيجية قطر على التحالف مع قوى دوليّة تؤمن لها الحماية في وجه التهديدات
الكبرى، ومع قوى إقليمية تؤمن لها الحضور والدور.

لم تكن العلاقات السوريّة
القطريّة جيدة في فترة الرئيس السابق حافظ الأسد بسبب تنسيقه مع السعودية ومصر(مبارك)
فيما عرف بـ ( الترويكا العربيّة). بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة وانزياح
تحالفاته خارج المحور السابق بدأت العلاقات القطرية السورية بالتطور. وقد تزامن
هذا التطور مع انفتاح قطر على تركيا ( أردوغان) بعد أن أعادت رسم توجهاتها
الجيوستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط.

بخلاف قطر، مثلت
الثورات العربيّة تهديداً حقيقياً لغالبية الأنظمة في الوطن العربي. كما أن هذه
الثورات انطلقت ضد أنظمة علاقتها متوترة مع قطر كنظام بن علي ومبارك. الأمر الذي
دفع قطر لتأييد هذه الثورات ودعمها. وقد وجدت قطر نفسها منتقعة جيوستراتيجياً من
انتصار هذه الثورات ولاسيما في مصر باعتبارها قوة عربية كبيرة من جهة ولسقوط نظام
مبارك الذي ناصب قطر العداء طيلة فترة حكمه.

مثلت الثورة السوريّة
امتحان أمام السياسيّة القطريّة على اعتبار أن قطر تتمتع بعلاقات جيدة وتحالف مع
النظام السوري. حاولت قطر بداية احتواء الموقف وإسداء النصائح له للقيام بإصلاحات
سريعة. لكن النظام رفض نصائح حلفاؤه واستمر في النهج الأمني. وعلى الرغم من ذلك لم
تحدث قطيعة تامة بين النظام وقطر في الأشهر الست الأولى من الثورة. ولم تحدث هذه
القطيعة إلا بعد في شهر أيلول 2011 عندما قادت قطر مسعى الجامعة العربية لحل
الأزمة سياسيا من خلال مبادرتين تضمنتا خطة واضحة للانتقال الديمقراطي.

لم تنجح الجهود
القطرية بسبب الفيتو الروسيّ الصيني ضد مشروع قرار تقدمت به الجامعة العربية 4
شباط 2012، فانتقلت قطر إلى القطيعة النهائية وغيرت استراتيجيتها باتجاه عزل
النظام عربياً واقليمياً، دعم المعارضة ممثلة بالمجلس الوطنيّ، التسليح.

بخلاف الثورات
العربيّة الأخرى، دعمت السعودية الثورة السوريّة، وبهذا تلاقت لأول مرة مع قطر في
الموقف من قضية عربية. لكن هذا التلاقيّ سرعان ما انقلب إلى تنافس بين الدولتين
فغاب التنيسق بينهما وعمل كل طرف على دعم أطراف دون أخرى وهو ما ألقى بتداعياته
السلبية على مسار الثورة في أحيان كثيرة.

بعد الانقلاب العسكريّ
في مصر، حصل تراجع في الدور القطري في المنطقة قابله تقدم سعودي في محاور مختلفة
منها سوريّة، حيث دعمت السعوديّة أطرافاً بعينها لتغيير قيادة الائتلاف الوطني
وإعادة هيكيلة القيادة العسكريّة بما يتواءم وتوجهاتها.

من وجهة نظر
استراتيجيّة لا تستطيع قطر أن تخسر دولتين عربيتين كبيريتن هما مصر وسوريا في آن واحد
لأن ذلك يفقد قطر مرتكزاً اقليمياً هاماً في المنطقة لذلك تحرص على أن تكون مؤثرة
في هذه الملفات بشكل دائم بغض النظر عن التموضعات الآنية والمرحليّة.

بالمحصلة، قطر دولة
مؤثرة في الملف السوريّ كما هو حال السعوديّة. والمطلوب من قوى المعارضة أن تقلل
من التنافس فيما بينهما واستبداله بتنسيق وتفاعل يضمن مصالح الدولتين ويعزز قبل أي
شيء أخر المصالح الوطنية على حساب أي مصالح أخرى.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *