نبيل محمد
يمكن للرواية
السورية اليوم “الغائبة منذ عقود” أن تجد من يقرأها ويقتنيها ويسعى
لإعطائها منحاً وجوائز وفرص عرض على رفوف
كبرى المكتبات وكبرى معارض الكتب عبر العالم، وقد تجد من يترجمها خاصة وأنها وفي
أغلبها باتت تكتب خارج الخريطة وبرعاية مؤسسات هي أكثر قدرة على التسويق… والسر
هنا لا يكمن في الإبداع الروائي، طالما أن غالبية روادها اليوم هم رواد الأمس
ذاتهم، إلا أن جنسية الرواية هي جواز سفرها، فهي تنتمي اليوم إلى الجرح السوري
والثورة السورية، ولا بد أن غالبية كتابها هم من أبناء هذا الجرح أو على الأقل ممن
يحاولون توثيقه عن قرب أو عن بعد.
التوثيق الذي
تزعم مختلف النصوص الروائية السورية اليوم على اتباعه هو ذاته ما يسعى إليه
المسوق، والأقلام السورية التي لم تجد عبر السنوات الماضية من يقرأها ويعرضها باتت
اليوم أكثر قدرة على استغلال الظرف أو ربما تبنيه، والطلب الرائج على نص سوري ذو
طبيعة خاصة هو ما يجعل من هذا الروائي أو ذاك رهينة الرائج، فلا ضير إذاً من
الانسياق وفق النموذج المطلوب، ولا ضير من توثيق الحالة السورية ولو بادعاء
المعايشة .. أو على الأقل هذا ما يظهر على السطح حتى الآن، وكما تنتهك غالبية
المنظمات الأممية الدم السوري وتتاجر به، فهناك روائيون قادرون على هذا الانتهاك
رافعين لواء تبني القضية في الأدب.. بأسس فنية روائية وبلا أسس أحياناً!
لا مكان للنص
السوري اليوم في الداخل السوري، تماماً كما السابق لمجموعة ظروف ذاتية وموضوعية
واجتماعية، إلا أن توفر المكان المحتضن للنص في الخارج بات هو الأساس، وموضوع النص
الذي هو “الداخل” بات كفيلاً “للقارئ والمسوق في الخارج” على
أن يجعل من هذا النص رواية رائجة ولو افتقدت إلى ميزات النص مثلما افتقدت نصوص كاتبها
السابقة…
المختلف أن سوق اليوم لا يهمه قيمة النص الفنية
طالما أنها توثق لمساحة جغرافية هي مركز الأرض حالياً بلا شك.
لن يسأل أحد
اليوم روائية سورية عن تفاصيل اقتيادها إلى المعتقل، وربما لن يجرؤ البعض على
التشكيك بمصداقية ما تروي، هي وحدها تقرر مدى موثوقية كلامها، وهي وحدها من يقرر
هل كتابها يندرج في صنف الرواية، أم يوميات توثيقية، أو تأريخ حدث بتفاصيله، فهي
ستسجن أينما شاءت، وستتعرض للتعذيب الذي تشاء كتابته، وستدخل وفي صدرها سكيناً قد
تضطر لقتل المحقق فيه أو الانتحار، وستخرج في ثلاثة مظاهرات بوقت واحد، وستصلي في
جامعين في الجمعة ذاتها ومع الرجال، ستقيم ثورة في مدينة وحدها، ولن ترضخ لآلاف
رسائل التهديد من قبل مجتمعها المحلي… نعم هي صورة للتحدي والثورة والعذاب
والجرح والنسيان.. هي الموت والحياة.. هي سورية… لها ما شاءت أن تكتب وعلينا
القراءة وابتلاع الوقائع، فلم نكن معها لحظة اعتقالها، ولا تظاهرها ولم نلحظ نظرة
عين المحقق إليها.. هي فقط من لاحظ، وبالتالي هي فقط من يقرر مدى موثوقية الحدث…
ولغيرها أيضاً
ما يشاء أن يكتب وينشر… كل شي في سورية اليوم يمكن تصديقه في ظل الحالة
الاستثنائية والفلكية لصور الموت والعذاب، وبناء على الصورة الحقيقية التي رآها
الكثيرون بشكل مباشر، ورآها آخرون عبر شاشات التلفزة والإنترنت، يمكن استغلال هذا
الألم لبناء نص أليم يترجم وينال الجوائز… هكذا يفيض الدم السوري فيتاح لمن شاء
أن يأخذ منه بصمة على جبينه، بينما يبقى الجريح وحده من ليس بحاجة ليصدق أو يكذب
أو يقرأ ما دام السكين في خاصرته تماماً.. دون أقلام ترسم الصورة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث