شادية حايك
كثيرا ما أسأل
نفسي عن السر الكامن في مخيم اليرموك, تلك المنطقة الشعبية، الفقيرة نسبياً, ,وعن
سبب تعلق فلسطينيي سوريا بها, كأنها الوطن البديل، بل الأصلي ..
نفسي عن السر الكامن في مخيم اليرموك, تلك المنطقة الشعبية، الفقيرة نسبياً, ,وعن
سبب تعلق فلسطينيي سوريا بها, كأنها الوطن البديل، بل الأصلي ..
“لا استطيع ترك المخيم”، كثيراً
ما سمعتها من أصدقائي هناك, رغم القصف, الدمار, والاشتباكات المتواصلة ليل نهار,
والحالة المادية والاجتماعية التي آل إليها المخيم، والذي كان يعتبر سابقاً ملاذاً
وملجأ آمناً للعديد من السوريين، حتى جاء دوره, فيبدو أنه ما من منطقة ستسلم,
وسيشرب الكل من ذات الكأس, فمن كان يؤوي النازحين أصبح نازحاً, ومن شيع شهيداً أصبح
شهيداً هو الآخر .. بكل أسف..
ما سمعتها من أصدقائي هناك, رغم القصف, الدمار, والاشتباكات المتواصلة ليل نهار,
والحالة المادية والاجتماعية التي آل إليها المخيم، والذي كان يعتبر سابقاً ملاذاً
وملجأ آمناً للعديد من السوريين، حتى جاء دوره, فيبدو أنه ما من منطقة ستسلم,
وسيشرب الكل من ذات الكأس, فمن كان يؤوي النازحين أصبح نازحاً, ومن شيع شهيداً أصبح
شهيداً هو الآخر .. بكل أسف..
التقيت بـ “شاديا” فلسطينية سورية, من سكان المخيم, من يراها يتعلم الإصرار
والصبر, التحدي و العطاء, شابة سمراء في الـ 23 من العمر, جامعية, مثقفة .. تفاصيل
وجهها المنمنم تخبئ أحلامها, حجمها وصغر عمرها, لا تدرك كم تفعل وتناضل في مخيمها,
وكم يعول عليها أهلها وسكان الحي، فتمدهم بطاقة ليوم جديد ..
والصبر, التحدي و العطاء, شابة سمراء في الـ 23 من العمر, جامعية, مثقفة .. تفاصيل
وجهها المنمنم تخبئ أحلامها, حجمها وصغر عمرها, لا تدرك كم تفعل وتناضل في مخيمها,
وكم يعول عليها أهلها وسكان الحي، فتمدهم بطاقة ليوم جديد ..
رفضت شاديا ترك المخيم بعد تأزم الأحوال,
خاصة القصف على جامع عبد القادر الحسيني في شهر 12 من العام الفائت, حيث استشهد في
ذلك اليوم ما يقارب الـ 100 شخص, ونزح مليون ونصف آخرين, مابين ساكن أصلي, ونازح
معيد, تزامناً مع دخول المعارضة المسلحة للحي ..
خاصة القصف على جامع عبد القادر الحسيني في شهر 12 من العام الفائت, حيث استشهد في
ذلك اليوم ما يقارب الـ 100 شخص, ونزح مليون ونصف آخرين, مابين ساكن أصلي, ونازح
معيد, تزامناً مع دخول المعارضة المسلحة للحي ..
كانت ساعات مصيرية لتقرر شاديا وأهلها ترك المخيم أو البقاء, أثناءها ومع تواصل
القصف, طلبت إحداهن الحليب من شاديا -التي تعمل في الهيئة الإغاثية للحي- وحاجات أخرى
لرضيعها, عندها حسمت قرارها بالبقاء، رافضة ترك من هم بحاجتها, إضافة لعدم تنازلها
عن ترك حيها, بيتها، وشقاء العمر وحيداً ..
القصف, طلبت إحداهن الحليب من شاديا -التي تعمل في الهيئة الإغاثية للحي- وحاجات أخرى
لرضيعها, عندها حسمت قرارها بالبقاء، رافضة ترك من هم بحاجتها, إضافة لعدم تنازلها
عن ترك حيها, بيتها، وشقاء العمر وحيداً ..
تصف شاديا ذلك اليوم كأنه نكبة 48
بفلسطين, الناس كعاصفة هوجاء, تركض حاملة أولادها, أقفاص عصافير ملونة, وما استطاعت
من أثاث المنزل, الذي ترميه في الشارع بعد حين, لتسرع في الهرب من هدايا السماء،
تقول: ” يومها كان عدد الأشخاص الذين تبقوا في المخيم لا يتجاوز الـ 100 من
أصل مليون ونصف ساكن أصلي ونازح, مع مرور الأيام، بدأ البعض بالعودة, لأسباب متعلقة
بغلاء المعيشة خارج المخيم والإيجارات, وقلة لأسباب ودوافع وطنية” ..
بفلسطين, الناس كعاصفة هوجاء, تركض حاملة أولادها, أقفاص عصافير ملونة, وما استطاعت
من أثاث المنزل, الذي ترميه في الشارع بعد حين, لتسرع في الهرب من هدايا السماء،
تقول: ” يومها كان عدد الأشخاص الذين تبقوا في المخيم لا يتجاوز الـ 100 من
أصل مليون ونصف ساكن أصلي ونازح, مع مرور الأيام، بدأ البعض بالعودة, لأسباب متعلقة
بغلاء المعيشة خارج المخيم والإيجارات, وقلة لأسباب ودوافع وطنية” ..
تقول: ” في الحصار تصبح الحياة صعبة
جداً ومختلفة, كل شهرين أخرج من المخيم لأرى أصدقائي والمعارف, هناك أشعر بانفصام
تام, فأنسى الحروف وتضييع الكلمات, أتلعثم وأجد صعوبة في التواصل, عالمين مختلفين,
وكأني خرجت من الكهف بعد سنين طوال, لدنيا مختلفة لا أجيد قرأتها، أشعر بخيانة أهل
المخيم لهذه الدقائق, وخيانة نفسي بعيداً عنهم، وبنفس الوقت عندما أكون في المخيم
أحس وكأني أقود نفسي للانتحار, أقتل نفسي تحت القصف والجوع” ..
جداً ومختلفة, كل شهرين أخرج من المخيم لأرى أصدقائي والمعارف, هناك أشعر بانفصام
تام, فأنسى الحروف وتضييع الكلمات, أتلعثم وأجد صعوبة في التواصل, عالمين مختلفين,
وكأني خرجت من الكهف بعد سنين طوال, لدنيا مختلفة لا أجيد قرأتها، أشعر بخيانة أهل
المخيم لهذه الدقائق, وخيانة نفسي بعيداً عنهم، وبنفس الوقت عندما أكون في المخيم
أحس وكأني أقود نفسي للانتحار, أقتل نفسي تحت القصف والجوع” ..
فمابين الخيانة والانتحار .. تفضل شاديا الانتحار، على خيانة مخيمها..
عندما تخاف, تلجأ لأقرب سجادة
صلاة, وترمي نفسها بين أحضان الأرض, بيدي الله، فتنسى أصوات القصف, ورجفة جسدها
الأسمر النحيل، تستمد قوتها من “الأساطير” التي تروى من أهل المخيم, ممن
فقد ابنه, بيته, حياته , وذكرياته، ومازال هناك، يأبى الرحيل, يحول أحزانه ضحكات
ملونة لمن بقي، معلناً استمرار الحياة لآخر زفرة ..
صلاة, وترمي نفسها بين أحضان الأرض, بيدي الله، فتنسى أصوات القصف, ورجفة جسدها
الأسمر النحيل، تستمد قوتها من “الأساطير” التي تروى من أهل المخيم, ممن
فقد ابنه, بيته, حياته , وذكرياته، ومازال هناك، يأبى الرحيل, يحول أحزانه ضحكات
ملونة لمن بقي، معلناً استمرار الحياة لآخر زفرة ..
كسر الحصار
في السادس من رمضان من العام الحالي 2013, أغلق “المعبر” كما يسميه أهل
المخيم -نسبة لمعبر رفح في غزة-, اعتقدوا انه إجراء شكلي,أمني, وبعد أيام ستعود
الحركة, لكن الظن خاب, فحاجز مخيم اليرموك “المعبر” مغلق لهذا
اليوم ..
المخيم -نسبة لمعبر رفح في غزة-, اعتقدوا انه إجراء شكلي,أمني, وبعد أيام ستعود
الحركة, لكن الظن خاب, فحاجز مخيم اليرموك “المعبر” مغلق لهذا
اليوم ..
بدأت مادة الطحين تشح إلى أن اختفت من البيوت, والعليات، عندها بدأ الناس بطحن ما تيسر
من زوائد البرغل مع الرز أو العدس لتكوين عجينة, كما استحدثوا “فرنيات” خصيصاً لخبزها ..
من زوائد البرغل مع الرز أو العدس لتكوين عجينة, كما استحدثوا “فرنيات” خصيصاً لخبزها ..
تحدثني شاديا: “أستيقظ صباحاً على أصوات نسوان الحارة في بيتنا, نبدأ مهمتنا
الصباحية في إعداد العجينة، وثم تخميرها, عجينة أختي لها طعم مميز, فهي تضع لجانب
الرز والبرغل المطحون, ملعقتين من اللبن, والبيكنغباودر” والفانيليا”, وتتابع: “هناك نوع من التكافل الاجتماعي,
فعن نفسي, سابقاً كنت انطوائية, لم أكن أتخيل الجلوس والتكلم مع الأهالي والبكاء
مع بعضنا, لكن مع الحصار اختلفت المفاهيم, في نهاية كل سهرة تختلط دموعنا المالحة
صبراً ليوم جديد”.
الصباحية في إعداد العجينة، وثم تخميرها, عجينة أختي لها طعم مميز, فهي تضع لجانب
الرز والبرغل المطحون, ملعقتين من اللبن, والبيكنغباودر” والفانيليا”, وتتابع: “هناك نوع من التكافل الاجتماعي,
فعن نفسي, سابقاً كنت انطوائية, لم أكن أتخيل الجلوس والتكلم مع الأهالي والبكاء
مع بعضنا, لكن مع الحصار اختلفت المفاهيم, في نهاية كل سهرة تختلط دموعنا المالحة
صبراً ليوم جديد”.
بعد انتظار تخمر العجينة، تذهب شاديا -بعد انتهاء دوامها في مكتب الإغاثة- للعم
” أبو خالد” عامل بناء, متقاعد, تشعر عنده وكأنك في مؤسسة إغاثية فاتحها
هو نفسه للأهالي, غير سعادته بجلب “الزميرات والطبلة” لأطفال المخيم.
” أبو خالد” عامل بناء, متقاعد, تشعر عنده وكأنك في مؤسسة إغاثية فاتحها
هو نفسه للأهالي, غير سعادته بجلب “الزميرات والطبلة” لأطفال المخيم.
في دكان متواضع “مترين بمتر”,
صنع “فرنية” للخبز, مؤلفة من آجر الطين والحجارة، هي صغيرة، لكنها تقضي
حاجة أهل المخيم . هو شخص لا يليق به إلا أن يكون رئيس جمهورية فلسطين – على حد
تعبير شاديا-, تعبق رائحة الخبز بالمكان, تحمله وتذهب للطريق, تصل بيتها مع ربع
“الخبزات”، وأحياناً لا يتسنى لها تذوقه.
صنع “فرنية” للخبز, مؤلفة من آجر الطين والحجارة، هي صغيرة، لكنها تقضي
حاجة أهل المخيم . هو شخص لا يليق به إلا أن يكون رئيس جمهورية فلسطين – على حد
تعبير شاديا-, تعبق رائحة الخبز بالمكان, تحمله وتذهب للطريق, تصل بيتها مع ربع
“الخبزات”، وأحياناً لا يتسنى لها تذوقه.
تقول ” لا يهم, لكن حقيقةً طعمه “يرد الروح” هو “شعور رائع
أن تأكل الخبز” ..!
أن تأكل الخبز” ..!
عن المعس والضوء ..
في الشهر الثامن من العام الماضي 2012, قطعت الكهرباء عن المخيم, مرت
الأيام وتوالت مساءات, قلقة, كئيبة, باردة ومظلمة, ينام الحي على أصوات
الاشتباكات, ويستيقظ على أمل بمجيء تلك المحبوبة ، “الكهرباء” ..
الأيام وتوالت مساءات, قلقة, كئيبة, باردة ومظلمة, ينام الحي على أصوات
الاشتباكات, ويستيقظ على أمل بمجيء تلك المحبوبة ، “الكهرباء” ..
ومرّ شهر ..
حينها كانت منطقة “السبينة” القريبة من المخيم تشهد اشتباكات يومية, وانتهت
بسيطرة “المعارضة” عليها، وفي فوضى الحرب, ولد مصطلح ” المعس”
لدى أهالي المخيم, أي أخذ الغرض “استعارة” بعلم صاحبه وبرسم الأمانة, فتم
“معس” مولدات من معامل السبينة بالإضافة للمازوت, وتمت إضاءة المخيم من
جديد, بعد شهر من الظلام ..
بسيطرة “المعارضة” عليها، وفي فوضى الحرب, ولد مصطلح ” المعس”
لدى أهالي المخيم, أي أخذ الغرض “استعارة” بعلم صاحبه وبرسم الأمانة, فتم
“معس” مولدات من معامل السبينة بالإضافة للمازوت, وتمت إضاءة المخيم من
جديد, بعد شهر من الظلام ..
المولدة “اشتراك” يومي أو شهري في كل حارة, الناس هناك تدفع 250 ليرة
يومياً لـتأتيها الكهربا من السابعة صباحاً، وحتى الثانية عشرة ليلاً, وبالإمكان
التجديد, طبعا ليست كل العائلات هناك بقادرة على الدفع, لذلك هناك بيوت لم تر
الضوء ما يقارب السنة, تقضي مساءاتها بصحن حديد واحد, تضعه في منتصف الدار, وفيه
القليل من الزيت، وفتيل منديل مشتعل، ليضيء المنزل, عوضاً عن غلاء الشموع، وسرعة
نفاذها ..
يومياً لـتأتيها الكهربا من السابعة صباحاً، وحتى الثانية عشرة ليلاً, وبالإمكان
التجديد, طبعا ليست كل العائلات هناك بقادرة على الدفع, لذلك هناك بيوت لم تر
الضوء ما يقارب السنة, تقضي مساءاتها بصحن حديد واحد, تضعه في منتصف الدار, وفيه
القليل من الزيت، وفتيل منديل مشتعل، ليضيء المنزل, عوضاً عن غلاء الشموع، وسرعة
نفاذها ..
شاديا تدفع شهرياً 15 ألف ليرة, للكهرباء, في حين كانت الفاتورة 1000ليرة سابقاً,
وتشعر أنها مرتفعة, فتراجع العداد.
وتشعر أنها مرتفعة, فتراجع العداد.
تقول شاديا: “بعد الحصار, اكتشفت أشياء كثيرة عن سوريا, لم أكن أقدرها,أهمها,
أن سوريا بلد للفقير والغني, الجميع يستطيع العيش هنا, فمنذ 4 سنوات, كنا نحن على
مستوى العائلة, نشتري بـ 25 ليرة سورية, فلافل وبأخرى مثلها الحُمص, نفطر بها
ويزيد لليوم التالي, اليوم لو أردنا ذلك، فسندفع ما فوق الـ 400 ل.س, ومازلنا
عايشين بحمد الله” ..
أن سوريا بلد للفقير والغني, الجميع يستطيع العيش هنا, فمنذ 4 سنوات, كنا نحن على
مستوى العائلة, نشتري بـ 25 ليرة سورية, فلافل وبأخرى مثلها الحُمص, نفطر بها
ويزيد لليوم التالي, اليوم لو أردنا ذلك، فسندفع ما فوق الـ 400 ل.س, ومازلنا
عايشين بحمد الله” ..
شاديا ترفض ترك سوريا, والمخيم تحديداً, حتى لو أتيحت لها فرصة الذهاب لفلسطين,
تقول أنها ستكون ” زيارة” وتعود, خاصة في هذه الفترة, فهناك أمور وحاجات
غريبة لا تستطيع وصفها إلا بالسحر, هو سحر غير موجود في أي بلد ولا حتى موطنها
“فلسطين” ..
تقول أنها ستكون ” زيارة” وتعود, خاصة في هذه الفترة, فهناك أمور وحاجات
غريبة لا تستطيع وصفها إلا بالسحر, هو سحر غير موجود في أي بلد ولا حتى موطنها
“فلسطين” ..
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث