د.بشار أحمد
منذ أن دخل الإغريق طروادة بعد حصار دام عشر سنوات، بحيلة الحصان الخشبي، أصبح حصان طروادة مثلاُ شائعاً للخديعة المبنيّة والهديّة المسمومة والشر المنمّق في ظاهره. وهو رمز يحمل تلميحاً بذيئاً في استباحة الحمى وخيانة الديار، بحيث أضحت كل هدية مسمومة حصان طروادة، وكل خديعة ذكية ومرتّبة حصان طروادة، وكل صلح استراتيجي ومصلحي حصان طروادة، وكل خائن لأهله حصان طروادة، وكل عميل على وطنه حصان طروادة، وكل خديعة سياسية أو عاطفية أو بوسائل غير حربية حصان طروادة.
واليوم، ما تشهده الساحة السورية من تدخّل إقليمي ودولي مثّله التدخّل الإيراني والروسي المباشر والسافر بحجة محاربة “الإرهاب” وتنظيم “داعش”، ما هو إلا حصان طروادة جديد للوقوف إلى جانب رئيس النظام السوري، الذي يقوم بذبح شعبه واستقدام المرتزقة لمساندة نظامه الذي تهلهل، وأصبح على وشك السقوط. وبذلك أضحت “داعش”، من حيث أرادت أم لم ترد، حصان طروادة ينفذ منه الطاغية أو الاستعمار في حلته الجديدة، إلى قلب وأحشاء منطقتنا وأمتنا.
بات العديد من السوريين على قناعة راسخة بأن “داعش” يتبع كلياً لأجهزة المخابرات السورية والإيرانية، ويأتمر بأمرها.
على الرغم من ضخامة المأساة التي عاناها وما زال يعانيها الشعب السوري، وعلى الرغم من الدور الكبير للنظام السوري والميليشيات الشيعية التي تقاتل إلى جانبه في هذه المأساة، إلا أن ما تم تحميله لداعش يجب أن يحمله النظام السوري بالمقام الأول، فداعش هي صنيعة النظام السوري وتُدعم من قبل النظام السوري وعدد من الأنظمة الإقليمية والدولية. فليس من قبيل المبالغة القول إن “داعش” أعاق وأخّر إنهاء وجود النظام السوري في مناطق كثيرة من سورية كالمناطق الشمالية والشرقية في حلب الحسكة ودير الزور، حتى أن قطاعاً واسعاً من السوريين بات على قناعة راسخة بأن “داعش” يتبع كلياً لأجهزة المخابرات السورية والإيرانية، ويأتمر بأمرها، حيث أن القسم الأعظم من الريبة في سلوك تنظيم داعش نابع من أدوار أدّاها هذا التنظيم على الساحة السورية والعراقية خلال الأعوام الماضية؛ فإلى وقتنا الراهن لم يسجل أن خاض تنظيم داعش معركة حقيقية واحدة ضد النظام السوري (باستثناء معارك التسليم)، بل إنه سعى دائماً على احتلال المناطق التي حررها الثوار والجيش الحر من يد قوات النظام السوري وقوات الميليشيات التي تقاتل إلى جانبه.
شماعة “الإرهاب” ومحاربة تنظيم “داعش” أصبحت متوفرة ومطروحة عند الجميع، بدءاً بالولايات المتحدة الأمريكية التي تحارب “داعش” إسمياً ونظرياً، إلى حكومة عبد الفتاح السيسي التي تحارب الإخوان المسلمين باعتبارهم سفراء القاعدة و”داعش”، مروراً بالنظامين السوري والعراقي وحليفهم ميليشيا حزب الله اللبناني، وهو ما حوّل تنظيم داعش إلى أداة تلعب أدواراً مشبوهة في المنطقة، فهو من جهة يلعب أدواراً لمصلحة قوى كبرى قامت بتفريخ هذا التنظيم في مختبراتها الأمنية وأطلقته كي يتمدد ليحقق أحد أبرز خطط الفوضى الخلاقة، كما ويحقق التنظيم أهدافاً أخرى على مستويات عدّة، بعضها يتعلق بالسعي إلى إعادة هيكلة المنطقة جيوسياسياً، وتوجيه فائض القوى لدى التنظيمات المتطرفة نحو بعضها البعض كي تلتهم نار الصراعات المذهبية والطائفية. هذا الفائض الذي كان يُوجّه من قبل ضد دول كبرى ويهدد مصالحها، وهو ما بات أحد أدوات تحقيق هذه المصالح بشكلٍ مباشر وغير مباشر.
إن تنظيم “داعش” هو مشروع جديد مفيد للعديد من القوى الإقليمية والدولية التي تستخدمه كذريعة لتدخلها المباشر أو غير المباشر في المنطقة
إذاً فتنظيم “داعش” هو مشروع جديد مفيد للعديد من القوى الإقليمية والدولية، لأن هذه القوى الإقليمية والدولية تجعل من تنظيم داعش ذريعة لأي خطوة تريد اتخاذها، وكان من الصعب القيام بها سابقاً، أما الآن فقد باتت الظروف مواتية ومناسبة بوجود شماعة تنظيم “داعش” ومحاربة الإرهاب. فإيران على سبيل المثال مدّت النظام السوري بالأموال والمعدات والأسلحة والمرتزقة، ولكن مع ظهور تنظيم داعش في سورية بات هذا الدعم للنظام يتخذ طابع الشرعية من خلال جعل تنظيم “داعش” الحجة الواهية المبررة لهذا التدخل، حيث باتت إيران ومعظم القوى الإقليمية والدولية الراعية لمصالحها في سورية على حساب دماء الشعب السوري تجعل من محاربة تنظيم “داعش”، المبرر الذي لا يحتاج لتفسير في تدخله.
إذاً تنظيم “داعش” هو أداة للكثير من القوى الإقليمية والدولية، وقد أدركت هذه القوى ذلك بوضوح منذ فترة ليست بالقريبة، ولجأت إلى استخدام هذا التنظيم في تحقيق أهدافها وخدمة لمصالحها بما يوفره لها من غطاء برّاق للتدخل في المنطقة، بل وإحراج الدول الإقليمية وابتزازها في صراعات النفوذ الدائرة. ومن ثم يمكن النظر إلى استراتيجية هذه القوى القائمة على جعل داعش بمنزلة حصان طروادة لتحويل نفوذ هذه القوى في دول عدة في “الشرق الأوسط” إلى واقع مقبول لدى المجتمع الدولي، وبحيث تتم مراعاة هذا الواقع عند الجلوس على مائدة تقاسم الأدوار والنفوذ ورسم الحدود الجغرافية الجديدة.
فخيار تنظيم “داعش” سيكون على السوريين والعرب المستضعفين فقط. وسواء أكان تنظيم “داعش” إفراز مؤامرة خارجية، أم عوامل موضوعية، فإنه بحد ذاته سلاح مؤامرة، فهو حصان طروادة الذي يركبه طغاتنا وأعداؤنا على السواء، لتدمير منطقتنا وتفتيتها إلى دويلات متنازعة ومتصارعة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث