جورج.ك.ميالة
منذ عام أطلقت يد الشبيحة في مدينة حلب لتسيطر على
أدق تفاصيل حياة المواطن بدءا من ربطة الخبز حتى أعلى القرارات في المدينة, عداك عن
السرقة والخطف والقتل وتجارة المخدرات والسلاح وترويج الدعارة, والاعتداء على الأطباء
في المشافي الحكومية, لتتطور إلى اشتباكات مع دوريات الفروع الأمنية في المدينة.
يروي لنا طبيب الأسنان كمال “أثناء عودتي من
عيادتي إلى منزلي في حي الحمدانية قبل الإفطار بحوالي النصف ساعة, أوقفني حاجز مؤلف
من ثلاثة شبان مسلحين بالقرب من ملاعب الحمدانية, وطلبوا السيارة لمدة نصف ساعة لتنفيذ
مهمة, خفت منهم فأعطيتهم السيارة بعد عدة محاولات للتهرب منهم, وبعد طول انتظار أدركت
أن السيارة قد سرقت, وبعد عدة أيام وصلت إلى عقيد في فرع أمن الدولة فقال أعطني مواصفات
السيارة فإن كان الحاجز تابع للجيش فإنها ستعود, وإن كان لجان شعبية أو كتائب البعث
فالأمر صعب, واقترح علي أن أوظف أربعة من كتائب البعث أو اللجان الشعبية براتب شهري
حوالي الخمسة عشر ألفاً لكل واحد منهم من أجل أن يبحثوا لي عن السيارة”.
الشبيحة في كتائب منظمة ورخص لحمل السلاح
قام فرع الحزب بالتعاون مع الفروع الأمنية بتنظيم
الكثير من الشبيحة والموظفين الحكوميين وإعطائهم هويات ورخص حمل سلاح تحت تسمية كتائب
البعث سلموهم معظم حواجز المدينة, كما قامت الفروع الأمنية بتنظيم مليشيات تحت تسمية
اللجان الشعبية وهم الأخطر لأن معظمهم من المهربين وأرباب السوابق الجنائية.
يروي أحد الشبيحة لنا بين المزاح والجد: “كتائب
البعث مسؤولة عن سرقة الناس على الحواجز, واللجان الشعبية مسؤولة عن سرقة البيوت والمحلات”.
أعمال سمسرة لصالح ضباط الأمن
يقوم الكثير من الشبيحة بأعمال السمسرة لصالح ضباط في الأمن والمخابرات وخصوصاً فيما يتعلق بإطلاق
سراح المعتقلين ,حيث يصل المبلغ لقاء إطلاق سراح بعض المعتقلين إلى ملايين الليرات.
تقول لنا أم رضوان:” ابني معتقل منذ ثمانية
أشهر في الأمن العسكري بتهمة التعامل مع الإرهابيين و الآن أتفاوض مع ابن أختي الشبيح
من أجل إطلاق سراحه فقد طلب مني مبلغ مليون ليرة نصفها يدفع قبل العملية والنصف الآخر
بعد إطلاق سراحه ,وأنا لا أملك من المبلغ إلا نصفه, فما باليد حيلة فقد اضطررنا للتعامل
مع هؤلاء القذرين”.
خلقوا لترويع الأهالي وإثارة المشاكل
يقول لنا المحامي نور الدين “لقد تشكلت كتائب
الشبيحة التي تعد بالآلاف لإثارة المشاكل والفتن بين أهالي المدينة بعدما امتدت الثورة
وتجذرت في المجتمع الحلبي ,فالنظام لا يعتمد عليهم في القتال فهم غير أكفاء , بل يرسلهم
إلى المعارك ولا يهمه إن ماتوا أو عاشوا, الهدف من وجودهم هو ابتزاز أهل المدينة وتروعيهم
,وزرع شعور عدم الأمان إن سقط النظام في قلب المدينة”.
أتاوات على الحواجز
اعتاد الحلبيون على دفع إتاوات على كل سيارة أجرة
تمر بالقرب من حواجزهم كعلبة للسجائر أو وجبة طعام , كما يقومون بابتزاز الشباب لقاء
مبالغ مالية.
حيث يقول محمد المقيم في شارع النيل “عند خروجي
لشراء بعض الأغراض لبيتنا ,أوقفني الحاجز المجاور بحجة أن تأجيلي العسكري مزور وضربوني
وهددوني بأنهم سوف يسوقوني للجيش, فما كان مني إلا أن أعطيتهم كل ما أملك في محفظتي
,وعندها قالو لي (اي هيك الشب المتعلم بيعمل يلا روح يا أبن المدارس)” ويضيف محمد”
السرقة عيني عينك وبنص النهار وما حدا في يعمل شي”.
سرقات تطال الجميع بدءاُ من المنازل وصولاً
للمعامل
بعد إيقاف رواتب الشبيحة ,أوعز إليهم بتدبير شؤونهم
بأنفسهم ,حيث قاموا بحملات سرقة منظمة للبيوت التي لا يسكنها أحد وخصوصاً في الأحياء
الغنية, لذلك عمد كل مواطن سافر خارج حلب إلى اسكان عائلة مكانه خشية سرقة بيته.
يروي لنا محمد المقيم في حي مساكن السبيل
:”تطوع جاري وأبنائه الثلاثة مع كتائب البعث, وبعد فترة قام بنقل بيته إلى منطقة
أخرى وحول بيته إلى مستودع كبير للأدوات الكهربائية المسروقة ,يوميا الساعة الواحدة
ليلاً يأتي ويفرغ شاحنة من المسروقات في مستودعه”.
تدخل في جميع الدوائر الحكومية والمواطنون
بحاجة إليهم
وصل تدخل
الشبيحة إلى الدوائر الحكومية جميعها, فأي مواطن يحتاج إلى وثيقة رسمية أو جواز سفر
أو أي شيء آخر عليه البحث عن شبيح يؤمن له طلبه خلال وقت قصير حتى لو كان ما يريده
مخالفاً لكل الأنظمة والقوانين.
يروي لنا طوني العسكري المنشق عن الجيش: ”
لقد هربت من الجيش منذ عدة أشهر وعندما قررت السفر ,لجأ عمي إلى أحد الشبيحة ليؤمن
لي جوازاً للسفر متجاوزا أنني عسكري ولا أملك هوية كوني منشقاً عن الجيش, وحصلت على
الجواز خلال عشرة أيام لقاء مئة ألف ليرة”.
الشبيحة غير مدربين وليس لديهم قدرات قتالية
الملاحظ أن الشبيحة من اللجان الشعبية وكتائب البعث
لا يتقنون استخدام السلاح وخوض المعارك , فالمشافي العامة مليئة بالمصابين منهم وبراداتها
مليئة بجثثهم, والكثير منهم يلتحق بهذه المليشيات من أجل الحصول على الراتب الشهري
الذي يبلغ حوالي خمسة عشر ألفاً.
يقول لنا
بكري الشاب العشريني:” تطوعت في اللجان الشعبية من أجل الراتب الشهري والآن في
خامس يوم لتطوعي قد اصبت برصاصة قناص في سيف الدولة” وعند سؤالناً له عن خطورة
ما يقوم به على حياته أجابنا “ماحدا بموت ناقص عمر”.
أما أم أحمد النازحة من السفيرة فتروي لنا
” تطوع زوجي في كتائب البعث وهو على جبهة الليرمون, لا يخبرني بدوافع تطوعه, وضعنا
المادي لا بأس به, واليوم أعيش في حالة خوف شديدة, كل يوم يموت العشرات منهم على تلك
الجبهة ولدي خمسة أطفال لا أعرف كيف سأرعاهم إن حصل مكروه لزوجي, لست معه في هذه الخطوة
,فأنا لا أريده أن يقتل أو يقتل ولكنه لا يستمع لأحد”.
خلافات بين الشبيحة والفروع الأمنية تصل
لحد الاشتباكات
هناك خلافات بين الفروع الأمنية وفرع الحزب بسبب
هؤلاء الشبيحة إذ أصبح نفوذهم في المدينة يفوق جميع قوى النظام الأخرى, حيث أطلقت يدهم
في المدينة بطريقة واسعة, فأثناء حصار حلب عمدت المحافظة على إدخال شحنات كبيرة من
الأغذية إلى المدينة ,وكان من المقرر أن توزع مجاناً على المواطنين, فما كان من الشبيحة
إلا وسرقوها وباعوها لأهل المدينة على مرأى جميع أجهزة النظام, وكثيرا ما يحصل مشاكل
واشتباكات بينهم وبين الدوريات الأمنية.
تروي لنا أم محمد: “منذ أسبوعين وبينما نحن
في طابور للحصول على الخبز في فرن الحمدانية ,حصل اشتباك بين عناصر شرطة فرع الحمدانية
ومجموعة من الشبيحة”.
كما تنشب خلافات بين الشبيحة أنفسهم على المسروقات
والمصالح, وكان آخرها خلاف نشب بينهم من أجل الخبز على فرن الاتحاد في منطقة الموكامبو
راح ضحيته ثلاثة شبيحة ومواطن مدني واقف في طابور الخبز.
الشبيحات آخر صرعات الموضة في المدينة
ظهر على الساحة في المدينة شبيحات من النساء يتمركزن
في مركز المدينة يلبسن اللباس العسكري المموه ويحملن السلاح بيد ووردة حمراء باليد
الأخرى, هذا وسجلت الكثير من حالات الإزعاج والتفتيش للنساء على الحواجز وخصوصاُ قرب
ساحة سعد الله الجابري, وكثيراً ما تم الاعتداء على الفتيات بتهمة تصوير حواجز النظام.
يقول الباحث الاجتماعي نديم عن الشبيحة قائلاً:
“معظم هؤلاء من أرباب السوابق أو من المدمنين على المخدرات أو من الموظفين الحكوميين
ضعاف النفوس أو من المواطنين الذين دفعهم الفقر والجوع إلى التطوع مع الشبيحة، فالولاء
عند كثير منهم ليس للنظام فهم لا يعملون عن عقيدة أو إيمان بقضية ما, هم يعملون مع
النظام الحالي وغداُ عندما يتغير سيعملون مع من يشتريهم بالمال ,هؤلاء ليس لهم ولاء
لأحد ولائهم لمصالحهم الشخصية فقط”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث