قتيبة سميسم – فادية سميسم
برزت العديد من رائدات الأعمال السوريات في مجالات اقتصادية عدة على الرغم من الصعوبات التي واجهتهن في رحلة وجودهن في بلاد اللجوء في سبيل إثبات الذات، بينما تناضل بعض السيدات في نفس المجال لإيجاد عمل بأي أجر، ليرفدن أسرهن بموارد اقتصادية للبقاء على قيد حياة كريمة.
ترى يسرى قدور (26 عاماً) وهي سيدة سورية تعيش مع طفلتيها في مدينة أنقرة، أن تكوين شخصية المرأة يبدأ حين تباشر بالعمل، حيث تقول في حديثها لصدى الشام : لا يعطي المجتمع لدينا للمرأة حقوقها وما أن تبدأ بالعمل حتى تكسر هذه الحواجز، وتبدأ ببناء علاقاتها مع أشخاص جدد من مجتمعات وأديان ودول مختلفة ثم تختار العادات الأجمل منها، كما أن المرأة مطالبة بالاستقلال المادي كي لا تتعرض للإستغلال.
وتتابع : أنا امرأة عاملة وأم لطفلتين، وأريد أن أكون قدوة لطفلتي لتتمكنا من الوقوف دون الاعتماد على أحد.
بدأت قدور العمل في عام 2019 في مجال الترجمة لتطوير نفسها وتكوين معارف في خطوة أولى منها لإثراء سيرتها الذاتية على حد قولها، وتضيف : لم يكن خيار الترجمة هدفي ولكنه كان الحل الأنسب لي بالنسبة لوضعي آنذاك كوني ما أزال طالبة في كلية الصحة في أحد الجامعات التركية ولا يتطلب هذا المجال الخبرة للبدء، ومن دائرة الهجرة التركية بدأت بالترفع الوظيفي حتى اصبحت الخيار الأول للمديرية في أنقرة كمترجم موثوق لتغطية فعاليات مسؤولين حكوميين.
وعن الصعوبات التي واجهتها تقول قدور : في البداية كنت أعاني من مشكلة اللغة وبالذات مع المصطلحات العسكرية والطبية التي لم أسمع بها من قبل، ولكنني توجهت لتقليص ساعات نومي إلى خمسة ساعات، لأتيح لنفسي الوقت لحفظ وتكرار المعلومات الجديدة، أما على الصعيد الاجتماعي فقد كنت أعاني خارج المنزل من العنصرية في مكان عملي كوني سورية فالجميع يتعامل معي بأحكام مسبقة على أنني امرأة أجنبية قد سلبت أحد مواطنيهم فرصة عمل في مؤسسة حكومية، حتى أن المستخدمة كانت ترفض جلب القهوة لي كما تفعل مع جميع الموظفين، ولكنني سرعان ما أثبت كفائتي وترأست القسم الذي أعمل به لأنال احترام جميع من حولي، حيث أنّي أرى اليوم نفسي أقوى من أي يوم مضى، صاحبة قراري وفكرة أنني مفيدة للمجتمع ترفع من ثقتي بنفسي. واختتمت قدور قائلة : أنا لم أعد عبئاً على أحد، أنا سند! .
أما مريم حسن التي هُجرت من مدينة جسرالشغور مع عائلتها واستقرت في مدينة أضنة التركية فهي تعمل منذ ثلاث سنوات بحثاً عن لقمة العيش بسبب الوضع المادي المتردي بعد أن تم فصل زوجها الذي كان مدرساً لمادة الرياضيات، وفي حديث لها مع صدى الشام قالت : لدي 6 أطفال خمسة منهم طلاب في المدرسة ويجب عليَّ أن أعمل لمساعدة أسرتي لتجاوز هذه الأوضاع المعيشية الرثة ولدفع إيجار البيت والذي يستغل صاحبه امتناع الكثيرين عن تأجير السوريين، وخاصة ممن لديهم أطفال فيرفعون الإيجار في كل مرة بشكل غير قانوني.
وعن طبيعة عملها، تضيف : أعمل مع مشغل للخياطة بالقطعة، وأتقاضى مبلغ خمسين ليرة تركية على كل ألف قطعة، أي ما يعادل 2.75 دولار، وهو مبلغ لا يكفي لعائلة ولكن محدودية الخيار تجبرنا على تقبل أن يتم استغلالنا، طالبنا مرات عديدة برفع الأجور لتتناسب مع غلاء المعيشة ولكن الرد دائماً ما يكون ‘‘ إن لم يعجبكم هناك الكثير من العمال يريدون العمل‘‘.
وهذا ما يتنافى مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حيث تنص المادة 23 للإعلان على أنه لكل شخص حق العمل، وفي حرية اختيار عمله، وفي شروط عمل عادلة ومرضية، وفي الحماية من البطالة، كما أن لجميع الأفراد دون أي تمييز الحق في أجر متساو على العمل المتساوي، ولكل فرد يعمل حق في مكافأة عادلة ومرضية تكفل له ولأسرته عيشة لائقة بالكرامة البشرية.
وتنص المادة 24 للإعلان نفسه على أنه لكل شخص حق في الراحة وأوقات الفراغ، وخصوصاً في تحديد معقول لساعات العمل وفي إجازات دورية مأجورة.

فيما برزت ميساء كريّم ٣٩ عاماً من دمشق في مجال تصميم الأزياء وروت لصدى الشام عن تجربتها في سوق العمل في ولاية اسطنبول، وعن الصعوبات والتحديات التي واجهتها إذ قالت : بعد قيام الثورة في سوريا قررت الاستقرار في تركيا مع أسرتي الصغيرة المؤلفة من زوجي وابنتي، وبعد ستة أشهر من استقراري اتخذت القرار بالبدء بالعمل، وكان أول مكان خاص لعملي هو طابق في بيت دوبليكس لأكون بجانب طفلتيّ وزوجي لأنني كنت أجد صعوبة بالاعتناء بطفلتيّ بمفردي في مكان لا يوجد فيه أحد من أقاربي الأمر الذي كان من أهم المعوقات أمام عملي، فأنا مضطرة للعمل لساعات محدودة للإشراف على تربيتهما وتعليمهما لأنهما الشيء الأساسي في حياتي، لذلك أعطي ثلث الوقت لعملي والثلثين الباقيين لبيتي وزوجي وأطفالي.
تابعت كريّم: لم أكتف بعمل المنظمات فقط دون أن يكون لي عمل ربحي خاص، ودورات مأجورة وطلبيات خاصة من زبائني الذين تم الوصول إليهم عن طريق المتدربين أثناء عملي مع المنظمة فمنهم من كانوا جادين في تعلمهم ولم يكتفوا بدورات المنظمة طويلة الأمد فلجأوا إلى الدورات الخاصة، ومن أحدهم لآخر بدأ الناس بالوصول إلي.
وأضافت: بدأت بتصنيع وتصدير البضائع إلى الخارج لأنني لم أستطع العمل في السوق التركي لأن البضاعة شعبية ورخيصة وغير مجدية وكانت أول طلبية لي إلى أمريكا وبعدها إلى العراق والكويت وبريطانيا.
وما يميز بضاعتي أنها عالية الجودة وكمياتها قليلة، وهذا الشيء غير موجود في تركيا لأنني أتعامل مع تجار جملة فقط ولا أتعامل بالقطعة أبداً، وأصبح لدي حسابات ومتابعين على السوشال ميديا.
وأضافت: لم أستطع عمل التراخيص اللازمة لفتح أكاديمية لعدم مقدرتي على تحصيل شهاداتي الأكاديمية من سورية، لأنها تحتاج لوجودي بشكل شخصي، لذلك أعمل تحت ترخيص شركة زوجي. وتابعت كريّم: إن أكثر شيء أطمح له الآن هو الاستقرار المادي بحيث أكون قادرة على دفع الأجور والتراخيص والفواتير والعائدات لأنها باهظة ولا تتناسب مع الدخل.
أما موضوع الاندماج واللغة فلم أشعر بأنّه عائق بالنسبة لي، لأنني اعتدت العيش والاندماج مع شعوب أخرى سابقاً وبدأت بتعلم اللغة التركية منذ وصولي إلى تركيا، كما أجادت طفلتي اللغة التركية، وهذا ما جنبني التعرض للعنصرية، فعندما نتعلم لغة البلد نكون قادرين على الرد ولا نسمح لأحد بالتعرض لنا أو لأطفالنا، فمن لديه هدف وعمل يسعى إليه يكون هناك أطر تجري ضمنها العلاقات.
وأشارت إلى أن عدم استقرار العملة سبب رئيسي في عدم الاستقرار المادي كما أن محاربة السوريين والقوانين الجديدة التي تاتي بشكل دائم على السوريين تغير من عملنا وتؤثر على استقرار الدخل.

بدوره أكد رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا أسامة القاضي لصدى الشام أنَّه لا يوجد إحصائيات حول مشاركة المرأة في الاقتصاد التركي وأنه يعتقد أن مشاركتها ليست بذلك الحجم الكبير.
وأضاف: هناك نوعين من عمل المرأة داخل تركيا فيما إذا كانت أجنبية أو مجنسة، في عام 2020 بلغ عدد رخص العمل للاجانب 62369، وهي إحصائية من وزارة العمل التركية منهم 3967 إناث فقط، وهي نسبة ضئيلة تعادل 6 بالمائة فقط من المجمل، وهو رقم بسيط جداً.
وتابع القاضي: أما بالنسبة للمجنسات الحاصلات على الجنسية التركية لا تتوفر إحصائية واضحة لأنهن أصبحن تركيات يندمجن مع العمالة التركية، ولكن معظمهن لا يستطعن العمل بمهنتهن كمهندسات أو طبيبات وكذلك الذكور، فنقابات الأطباء لا تسمح لهم بالعمل اطلاقاً حتى يحصلوا على تراخيص من النقابة، وبعد اجتياز امتحانات صعبة جداً.
وأضاف: إن مساهمة النساء بين العمالة في تركيا هي ليست بالكبيرة، من أصل 30 مليون عامل تركي تكون الأرقام صغيرة جداً نسبياً.
وتابع القاضي: إن المعوقات التي تواجه المراة السورية هي ذاتها التي تواجه كل السوريين كاللغة التركية فإذا تجاوزت مشكلة اللغة يبقى فقط مشكلة ممارسة عملها بشهادتها، حيث أن الكثير من السوريين والسوريات يعملون في مؤسسات إغاثية سورية أو يعملون بمهن يدوية خاصة، أو بشركاتهم الخاصة، وقلة منهم يعملون مع الشركات التركية، فدخول سوق العمل التركي صعب جداً بالنسبة للرجال والنساء معاً، كما أن أنهم لا يستطيعون مزاولة مهنة التعليم أيضاً بسبب عائق اللغة.
وتابع: هناك المشاريع الصغيرة فقط في البيوت أو بعض الأعمال البسيطة كمحلات صغيرة يقوم فيها القطاع السوري الخاص بخلق فرص عمل له من ذكور وإناث بسبب صعوبة دخول سوق العمل في تركيا وحتى بالنسبة لخريجي الجامعات التركية.
لم تكن ميساء كريّم الرائدة السورية الوحيدة في تركيا كذلك حال آلاء زينو المديرة التنفيذية لمشروع الدعم النفسي (نفسجي) من مدينة حمص والتي روت لموقع صدى الشام عن عملها في تركيا في مجال الإرشاد النفسي قائلة: من أبرز العوائق مالتي تواجه الاختصاصي النفسي، التعامل مع المتخصّصين بهذا المجال على أنهم ‘‘مجانين أو أنهم أطباء للمجانين‘‘، إضافةً إلى أن ثقافة الإرشاد النفسي ليست منتشرة كثيراً في مجتمعنا.

وتابعت زينو : كان أحد التحديات التي واجهتني خلال ممارستي لهذا الاختصاص الأشخاص الذين يخلطون بين علم النفس والعلوم الزائفة (أمور الطاقة والجذب) وغيرها، فبات البحث بكيفية نشر هذه الخدمة كمتخصص نفسي بأكثر طريقة علمية ممكنة من أولوياتي.
بدايةً تأسيس الفريق في سنة ٢٠١٨ في مدينة قيصري التركية لتقديم خدمة الدعم النفسي بسبب غيابها في المدينة، وكان مشروع صغير، ومن ثم انتقلنا ليكون الآن فريق “نفسجي” منصة إلكترونية أيضاً وفيزيائية بكوادر مؤهلة تقدم خدمات الصحة النفسية، وجلسات ومحاضرات وتدريبات، ورحلات الدعم والتفريغ النفسي، إضافةً إلى تقديم جلسات إشراف علمي وإشراف أقران.
وأضافت زينو: كان التجاوب بدايةً من قبل الناس ينحصر في الحالات المتعلقة بالأطفال، وبالذات الحالات التي يعاني فيها الأطفال من مشاكل سلوكية، بينما مشاكل المراهقين لا يعترف بها من قبل أهاليهم ويرفضون فكرة أن ابنهم يعاني من اضطراب نفسي.
وتابعت: ازداد تجاوب الناس مع بدايات كورونا عندما أصبحت الجلسات أون لاين لأنه أصبح الشخص غير مضطراً أن يكشف هويته أو أن يأتي إلى العيادة النفسية أو أن يكون جالسا ً في قاعة الانتظار ويراه أحد، فأصبح هناك إقبال أكثر وتجاوب أكثر، وأشارت أن أكثر فئة يتم التعامل معها بالتدريبات والجلسات هم اليافعات وأمهاتهن وهذه الخدمة لا تشمل السوريين فقط بل تشمل العرب جميعاً.
أما عن أجور الجلسات كانت ومازالت مجانية خصوصاُ للأصدقاء في الداخل السوري أما بالنسبة لبقية الدول فهي جلسات مأجورة مثلها مثل أي خدمة نفسية أخرى، ولكننا نحاول أن نراعي مشكلة الأسعار لأن الحصول على الخدمات النفسية هي حق للجميع.
وبدورها الباحثة بيان المالح التي تعمل في قسم الأبحاث في منظمة النساء الآن، أكدت لموقع صدى الشام قائلةً: مشاركة المرأة السورية في تركيا في المجال الاقتصادي مهمة جداً وذلك لصقل شخصيتها والمطالبة بحقوقها والوصول إلى الاستقلالية المادية والمورد الثابت للوصول لطموحها، ومساهمتها بانتعاش عائلتها مادياً وتحسين ظروفها، ولكن للأسف إلى الآن استفادة المرأة من برامج التمكين الاقتصادي أو ما يسمى سبل العيش في تركيا تعتبر ضئيلةً جداً ومحدودةً للسيدات المعيلات للعوائل الأشد فقراً بغض النظر عن كون المرأة هي تريد تمكين نفسها اقتصاديا أم لا.
أما في حال قررت المرأة السورية فتح عمل خاص في تركيا ستبدأ من معوقات الكملك وإذن العمل وما يترتب عليه من التزامات، وإن كان العمل في غير ولاية ستواجه عائق إذن السفر، ثم ستواجه قضية العنصرية تجاه السوريين عموماً، والنظرة الذكورية طالما أن المجتمع التركي مجتمع ذكوري، فهناك حالات تم التحرش بها فقط لأنها امرأة سورية، واضطرت لترك العمل أو البحث عن فرص أفضل، ومنهن من اضطررن لتغيير حتى إقامتهن بسبب الضغوطات أو أن ترضى بأجور قليلة بدلاً من أن تكون عاطلة عن العمل.
وتابعت المالح: أنه للأسف تركيا بيئة عمل غير مناسبة للمرأة السورية رغم أنه هناك نماذج رائعة من السيدات السوريات اللواتي افتتحن مشاريعهن الخاصة، ولكن النسبة مازالت ضئيلة رغم أن هناك دراسات تقول أن ربع النساء السوريات في تركيا عاملات، إلا أنه لا تصل المرأة للتمكين الاقتصادي الكامل، إنما فقط ما يسد حاجتها المعيشية في تركيا.
تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR“ صحفيون من أجل حقوق الإنسان
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث