الرئيسية / مواد مختارة / تمكينا لأركان النظام وتخفيفا للضغوط.. روسيا تحرك ملف اللاجئين
لاجئون سوريون في لبنان - انترنت
لاجئون سوريون في لبنان - انترنت

تمكينا لأركان النظام وتخفيفا للضغوط.. روسيا تحرك ملف اللاجئين

صدى الشام - عمار الحلبي/

شهدت الفترة الماضية، تحركا روسيا مكثفا على صعيد دولي، من أجل ملف “اللاجئين السوريين” سواء في الدول المجاورة أو حتى الدول البعيدة، واشتمل هذا التحرك الروسي، على خطوات عدة اتخذتها الدولة حليفة الأسد، من أجل ما تصفه بـ “تسهيل إعادة اللاجئين السوريين إلى مناطق النظام السوري”.

ويرى مراقبون للخطوات الروسية، أن هدف روسيا من هذه الخطوات، يكمن في تثبيت أركان نظام الأسد، بعد أن تمكنت من إعانته على النصر العسكري الميداني، إضافة للتخلص من اللاجئين بوصفهم “ورقة ضغط دولية” على نظام الأسد، لما يملكونه من ثقل سياسي يؤثر على النظام، وفي ذات الوقت فإن لدى معظمهم أدلة على جرائمه في سوريا عندما ستفتح ملفات الانتهاكات في سوريا في المحاكم الدولية.

ويؤرق هؤلاء اللاجئين، روسيا، لأنها في حال أفلحت بعودتهم فإنها سوف تكون قد أفلحت في إيصال رسالة للرأي العام العالمي، مفادها أن ما يجري في سوريا هو مسألة “إرهاب” وانتهت لا مسألة نظام سيبقى على كرسيه.

وعلى الرغم من أن هذه المبادرة الروسية، مشروطة بعدم التعرض للاجئين، إلا أن التجارب السابقة مع روسيا ونظام الأسد، تثبت عدم القدرة على وفائهم بالعهد.

 

الخطوات الروسية

في الثامن عشر من شهر تموز المنصرم أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن إنشاء مراكز إيواء واستقبال وتوزيع اللاجئين الراغبين بالعودة إلى سوريا، وقالت الوزارة في بيان لها: “إن المراكز أنشئت بالتعاون مع حكومة النظام السوري، في إطار تشجيع اللاجئين السوريين على العودة إلى بلدهم”.

وأضاف البيان، “أن المراكز تتسع لاستقبال ما يزيد على 336 ألف لاجئ سوري، يتوزعون على الشكل التالي: 73 ألفا في محافظة ريف دمشق، و134 ألفا في محافظة حلب، و64 ألفا في حمص، وعشرة آلاف في حماة، و45 ألفا في دير الزور، وتسعة آلاف في القلمون الشرقي”.

وأشار البيان، إلى أن مهام مراكز الإيواء تقوم على مراقبة عودة اللاجئين من الدول الأجنبية إلى سوريا، وتقديم المساعدات اللازمة لهم، ثم فرزهم على مناطق إقامتهم الدائمة، إضافة إلى إبقاء الأشخاص الذين لا مأوى لهم في مراكز الإيواء.

كما أسست وزارة الدفاع الروسية مكتبا في موسكو بالاشتراك مع وزارة الخارجية، مهمته تنسيق عمل مراكز الإيواء وتنفيذ الفعاليات المخطط لها.

وذكر بيان الدفاع الروسية، أن الوزارة تواصلت مع الأمم المتحدة بشأن تنظيم عودة اللاجئين، كما أخطرت سفاراتها في 36 دولة تستضيف أكبر عدد من اللاجئين السوريين على أراضيها. وعادت الدفاع الروسية بتصريح آخر، كشفت فيه أن موسكو عرضت على واشنطن خطة مشتركة لإعادة اللاجئين السوريين من لبنان والأردن إلى سوريا.

وقال رئيس المركز الوطني الروسي لإدارة الدفاع الروسية، ميخائيل ميزينتسيف، في مؤتمر صحفي له في 20 تموز المنصرم: “إن بلاده سلمت الجانب الأمريكي مقترحا بشأن عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم، وذلك خلال قمة هلسنكي التي جمعت الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بنظيره الأمريكي، دونالد ترامب”.

تتوزع مراكز إيواء واستقبال وتوزيع اللاجئين الراغبين في العودة إلى سوريا على حمص وحلب وحماة ودير الزور وريف دمشق والقلمون

 

بدء المراسلات الدولية

تكللت تحركات موسكو الدبلوماسية، بإعلان الخارجية الروسية أنها تقدمت بطلب إلى سفارات 45 دولة للحصول على أرقام دقيقة عن اللاجئين السوريين في كل دولة.

وقال مندوب وزارة الخارجية الروسية، أندريه بانوف: “إن البيانات الأولية عن اللاجئين السوريين تشير إلى تطابق الأرقام مع إحصاءات مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، بالإضافة إلى تطابقها مع بيانات الاتحاد الأوروبي بشأن السوريين على أراضيه”.

وفي استكمال لخطواتها، زعمت روسيا أن 200 ألف لاجئ سوري في الاتحاد الأوروبي قد يعودون إلى سوريا، وذلك لتدلل على أن الخطوات التي تقوم بها “صحيحة”.

وقال رئيس المركز الوطني لإدارة الدفاع في روسيا، ميخائيل ميزينتسيف لوكالة سبوتنيك الروسية: “إن ذلك نتج عن تضافر الجهود مع الدول بما فيها الاتحاد الأوروبي لعودة اللاجئين” حسب تعبيره، وأضاف ميزينتسيف، أنه من الممكن أن يعود من أوروبا ما يصل إلى 200 ألف لاجئ في المستقبل القريب. وفق زعمه.

وبعد فترة، أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن عزمها فتح ثلاثة معابر للاجئين السوريين الراغبين بالعودة إلى البلد، وقال رئيس المركز الوطني لإدارة شؤون الدفاع الروسي، ميخائيل ميزينتسيف، إن المعابر الثلاثة سيتم افتتاحها في 27 من تموز المنصرم، وستكون مرافقة لمعبري نصيب، الحدودي مع الأردن، والزمراني، الحدودي مع لبنان.

وأضاف أن المعابر الثلاثة ستضم مراكز لاستقبال وتوزيع وإيواء اللاجئين العائدين، وهي: معبر أبو الظهور بريف إدلب الشرقي، ومعبر الصالحية بريف دير الزور الشرقي، وهو معبر مائي، بالإضافة إلى معبر في مدينة تدمر.

زعمت روسيا أن مائتي ألف لاجئ سوري في دول أوروبا قد يعودون إلى سوريا في المستقبل القريب

 

رد المفوضية

جاء رد “مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” على تصريحات الدفاع الروسية سريعا، حيث أعلنت عن استعدادها للتعاون مع الجانبين الروسي والسّوري بشأن إنشاء مراكز لتنسيق عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم. وقالت المفوضية في بيان لها: “إنها لا تملك تفاصيل الخطة بعد، لكنها على استعداد للمشاركة في مناقشتها مع النظام السوري وروسيا، لكنه اشترطت أن تكون تلك العودة “طوعية وآمنة”.

كما ذكرت مفوضية اللاجئين، أنه يتوجب التزام المعايير الدولية في تطبيق الخطة الروسية القائمة على عدم تعرض اللاجئين السوريين للضغط بشأن العودة، قبل توفر الظروف الآمنة والحياة الكريمة.

وقالت أيضا: “للاجئين الحق في العودة دائما، ولكن أي خطة تهدف لتمكين اللاجئين من العودة يجب أن تتماشى مع المعايير الدولية، وأن تكون عودة طوعية وآمنة”. وتقول المفوضية في هذا السياق: “إن 13 ألف لاجئ سوري عادوا إلى سوريا خلال النصف الأول من 2018، أغلبهم قدموا من لبنان والأردن”.

 

ماذا قالت المعارضة؟

اعتبر رئيس الهيئة العليا للمفاوضات نصر الحريري، أن هيئة المفاوضات ترحب بكل مبادرة لإعادة اللاجئين الى ديارهم، لكنها تؤكد أن هذه القضية لا يجب فصلها عن الحل السياسي الشامل في سوريا الذي لا يضمن عودة اللاجئين فقط، و إنما يضمن أيضا أمنهم و كرامتهم الإنسانية، وحريتهم في التعبير، خاصة أن جلهم من المعارضين للنظام الاستبدادي.

وأضاف الحريري في سلسلة تغريدات على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، أن “قضية اللاجئين السوريين والأعباء الاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي يشكلها تواجدهم في بلدان اللجوء هي من الأولويات التي تدأب هيئة التفاوض على معالجتها كحزمة شاملة يتم في إطار الحل السياسي المنشود برعاية الأمم المتحدة والذي يؤمن البيئة الآمنة والمناسبة لعودة هؤلاء اللاجئين.

وأوضح الحريري، أنه لا يوجد في سوريا أمن ولا أمان ولا تتوفر في سوريا البيئة المناسبة لعودة ملايين اللاجئين الذين هربوا من سوريا حفاظا على حياتهم من بطش نظام بشار الأسد وأجهزته العسكرية والأمنية والميليشيات الطائفية الحاقدة المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

واعتبر المسؤول المعارض، أن “عودة اللاجئين والمهجرين أمر حيوي وهام واستراتيجي وأكيد يصب في مصلحة سوريا وشعبها” لكنه أشار إلى أنه من الخطأ الذهاب إلى هذه الخطوة المبكرة دون حل سياسي شامل إذ أن هذا سيضع حياة ملايين السوريين تحت خطورة الانتقام من نظام الأسد أو العودة إلى استبداده وظلمه مرة أخرى.

نصر الحريري: عودة اللاجئين إلى سوريا دون حل سياسي شامل سيضع حياة الملايين منهم تحت خطر انتقام النظام أو العودة إلى استبداده

 

عدم قانونية الإجراء

تأتي هذه الخطوات الروسية، في ظل عدم وضوح صورة الوضع الأمني في سوريا، وعدم تقديم أي ضمانات من قبل روسيا أو النظام بعدم اعتقال المدنيين العائدين إلى سوريا، ولا سيما مع وجود سجل إجرامي لنظام الأسد بحق اللاجئين الذين عادوا إلى مناطقه من خارج سوريا، أو بحق المدنيين الذين كانوا محاصرين في عدة مناطق سورية وأقدموا على إبرام مصالحة مع النظام.

العرض الروسي لم يشمل أي ضمانات حقيقية على الأرض، تضمن السلام للعائدين، وأبرزها وجود قوات تابعة للأمم المتحدة لتراقب اللاجئين العائدين، أو حتى منظمات دولية تشرف على عودتهم، بل احتوى فقط على “الضمانة الروسية” بعد التعرض لهم.

هذا الأمر دفع المحامي السوري محمد سليمان للقول: “كيف لدولة أبادت مثل روسيا نصف سوريا وقتلت الكثير من المدنيين السوريين في حلب والغوطة الشرقية وريفي حمص واللاذقية ودرعا أن تكون هي نفسها من يضمن حياة السوريين العائدين؟”.

وأضاف سليمان المقيم في أوروبا لـ “صدى الشام”، أنه “علاوة على أن الوضع الأمني في سوريا لا يسمح حاليا بعودة اللاجئين، وأن سوريا ما زالت تصنف على أنها دولة غير آمنة بسبب العمليات العسكرية الممتدة على معظم أراضيها، فإن النظام يقوم حاليا بتسليم شهادات وفاة لمعتقلين هو قتلهم في أفرع الأمن، موضحا أن اللاجئين العائدين في حال عادوا إلى سوريا دون ضمانات قد يكونوا من ضمن هذه الأسماء يوما ما.”

وانتقد سليمان، الخطوات الروسية قائلا: “إن روسيا تحاول الإمساك بكل مفاتيح الملف السوري، بما في ذلك اللاجئين، من أجل إزالة كل الضغوط المفروضة على النظام، وجعله في حالة ارتياح تامة”.

تسعى روسيا إلى إزالة كافة الضغوط المفروضة عن نظام الأسد من خلال الإمساك بكل مفاتيح الملف السوري بما في ذلك ملف اللاجئين

 

الأكثر استهدافا

بحسب آخر مزاعم وزارة الدفاع الروسية، فإن حوالي 1.2 مليون مواطن سوري عادوا إلى منازلهم منذ بداية العملية الروسية في سوريا في سبتمبر عام 2015، هذا الرقم تعلن عنه موسكو الآن للمرة الأولى منذ تدخلها في سوريا، لتحاول ربطه بجهودها في إعادة اللاجئين.

لكن الدفاع الروسية لم تحدد مصدر الرقم أو بياناته، كما أنها لم تحدد فيما إذا كان هؤلاء الأشخاص العائدين هم لاجئون كانوا خارج سوريا وعادوا، أو نازحون داخل سوريا انتقلوا بشكل مؤقت إلى مناطق أكثر أمانا هربا من القصف الروسي ثم عادوا بعد انتهائه.

في كلتا الحالتين فإن المعطيات المتوفرة حول وضع اللاجئين تشير إلى أن موسكو، تحاول العمل بشكل مكثف ورئيسي على ملف اللاجئين في دول الجوار، ويأتي التركيز على هؤلاء لعدة أسباب، يأتي على رأسها أن اللاجئين في دول الجوار السوري “تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر”، يشكلون العدد الأكبر من إجمالي اللاجئين في العالم حيث يبلغ عددهم ما يزيد عن ٥ مليون لاجئ وفقا لتصريحات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وفي حال نجحت موسكو في إعادة الجزء الأكبر من هؤلاء فإنه أنهت فعليا الضغط المفروض على نظام الأسد فيما يخص اللاجئين السوريين، ويضاف إلى ذلك سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية التي يواجهها اللاجئون في هذه الدول، والتي تجعلهم أكثر قابلية لقبول العرض الروسي من أقرانهم في أوروبا، فضلا عن إمكانية تعاون حكومات هذه الدول مع اللاجئين، كون هذه الحكومات تريد إعادتهم بأي طريقة وخصوصا لبنان والأردن.

وفي نهاية المطاف، يحمل “العرض الروسي” وجها إنسانيا يتمثل في رغبتها بإعادة من تهجروا إلى أراضيهم، غير أنه في طياته يحمل رغبة روسيا في إعادة جميع السوريين إلى طاعة نظام الأسد، وهو الحل الوحيد لإعادة قبوله دوليا كونه يحكم غالبية السوريين، إضافة إلى ذلك، فإن هذه الخطوة تقضي على معظم الأصوات المعارضة، حيث أن إعادة اللاجئين من شأنه أن يفقد الأصوات السورية المعارضة صوتها وجمهورها، الذي باتت تستمد معظمه من اللاجئين السوريين.

 

شاهد أيضاً

سجال أميركي روسي في مجلس الأمن بشأن دورهما بسوريا والأمم المتحدة تطالب بإجلاء الأطفال المحاصرين في سجن الحسكة

تبادلت روسيا والولايات المتحدة الاتهامات -خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي- بشأن أحداث مدينة الحسكة شمال …

مناورات روسية مشتركة مع نظام الأسد.. ماذا وراءها؟ وكيف تقرؤها إسرائيل؟

لا يستبعد المحللون العسكريون في إسرائيل أن يكون التحرك الروسي عند خط وقف إطلاق النار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *