جلال بكور/
أن تفاوض في مرحلة القوة وقرب إحراز النصر يعني أنك تريد أكبر مكاسب بأقل ثمن، وأن تفاوض في مرحلة الاقتراب من الخسارة والضعف يعني أنك ستدفع أغلى ما عندك لتحصيل أقل مكسب قد تحصل عليه، والمفارقة في الحالة السورية أن المعارضة عندما كانت في أوج قوتها وتوسعها وكان النظام منهارا، رفضت مفاوضة النظام، ورفضت الجلوس على طاولة واحدة معه للتفاوض، وبعد تدخل روسيا لصالح النظام واستعادة الأخير لزمام المبادرة بدأت المعارضة مع الخسارة تستجدي عملية التفاوض مع ذلك النظام.
ومن المؤكد أن روسيا مجرمة ونظامها نظام مافيا ولا يؤمن له، لكن عندما تقوم بعملية تفاوض وانت منهار لن تحصل شيئا، ولن يلتفت أحد إلى مصالحك وإن كان من أكبر حلفائك والأكثر من ذلك أنه عندما ترضخ لأجندات خارجية وتلزم بالعمل بها ولا تخرج عنها متناسيا مصالحك ومصالح شعب أمن لك، ستكون أنت السلعة التي يتم عليها التفاوض، وسوف تباع وتشترى وفق مصالح غيرك.
في درعا اليوم بقيت معظم الفصائل على اختلاف لونها ومشربها وأجندتها بلا استثناء تقف دون أي حراك عسكري تنظر ما يحدث في بقية المناطق سواء حلب أو حمص أو الغوطة وإدلب وحماة وغيرها من المناطق التي طالها التهجير برعاية روسية وصمت من الدول التي لجمت معارضة الجنوب عن أي حراك يلجم الروسي والنظام.
الدول التي تدعم فصائل الجنوب هي ذاتها من تخلت عن المعارضة في الشمال والوسط والغوطة وتركتها بين مخالب الروس حيث سارت كل عمليات التفاوض وفق شروط وإملاءات الروس ونظام الأسد، واليوم تلك الدول على رأسها واشنطن وأعضاء غرفة “الموك” تركوا الفصائل وقالوا لها “اقلعوا شوككم بأيديكم”.
مثال يذكر، قبل بداية الحملة العسكرية على حلب طلبت تركيا من المعارضة أن يتوجهوا للحديث مع روسيا ويتفاوضوا معها لأن روسيا مصممة على استعادة حلب، والمعلومات من مصدر موثوق ومطلع إلا أن المعارضة ومعها “جبهة فتح الشام” أكدوا لتركيا أنهم قادرون على الصمود لسنوات، وبعد بداية المعركة وشدة القصف الروسي بدأت المعارضة تستجدي تركيا لطلب التفاوض مع الروس حول وقف العملية العسكرية وكانت شروط الروس عندها التهجير وتسليم السلاح، وتمت عملية التهجير وكان الخاسر الأكبر أهل حلب.
اليوم في درعا أيضا يفاوض الروسي فصائل المعارضة على تسليم السلاح الثقيل وبمجرد تسليم ذلك السلاح يعني المعارضة فقدت شرط القوة الذي يجعلها طرفا في التفاوض، ويجعلها سلعة يتفاوض عليها اللاعبون الكبار ويبيعون ويشترون بها على رأسهم أمريكا وروسيا وإسرائيل.
الأمر الآخر وهو انتظار النظام حتى يصل إلى المدن والبلدات ويكون المدنيون هم الهدف وهم آلة الضغط المستمرة على المعارضة وعدم القيام بأي حركة استباقية، ذلك أيضا يجعل المعارضة سلعة في التفاوض وليست مفاوضا، وهنا نسأل لماذا كانت المعارضة وعلى مدار شهر كامل ترى أرتال النظام تحشد في مناطق بمحيط درعا ولم تقم بأي حركة استباقية كاستهداف الأرتال القادمة من خارج درعا.
ومهما كانت عزيمة أهل حوران ودرعا كبيرة على الصمود والمقاومة، إلا أن الآلة العسكرية لا يمكن مجابهتها طويلا، وهو ماحصل في حلب وفي الغوطة الشرقية، كما أن التخلي الدولي عن المعارضة سياسيا وعسكريا، وتوجه تلك الدول إلى الحل الروسي يوحي بأن المصير المرتقب لدرعا هو ذات المصير الذي أصاب بقية المناطق، إلا أن ما يمكن أن يحدث بعض الفوارق في ملف تفاوض الجنوب تواجد إسرائيل وأثرها في ذلك الملف والتي تبدو راغبة في إنشاء سور حماية لها في الشمال يبعد إيران عن حدودها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث