الرئيسية / مواد مختارة / بين فقدانه الشرعية وضرورة بقائه.. “بشار الأسد” في عين واشنطن
دونالد ترامب أوقف الدعم عن المعارضة -AP
دونالد ترامب أوقف الدعم عن المعارضة -AP

بين فقدانه الشرعية وضرورة بقائه.. “بشار الأسد” في عين واشنطن

صدى الشام/

مع انطلاقة الثورة السورية ضد نظام الأسد واتساع رقعة المظاهرات السلمية ضده في عموم البلاد بدا الموقف الأمريكي داعما لذلك الحراك، وبدأ بتصريحات نارية من المسؤولين الأمريكيين وحلفائهم الأوروبيين بأن بشار الأسد فقد شرعيته وباتت مغادرته لسوريا أمرا محتوما، ومع مرور الوقت بدأ ذلك الموقف بالتحول وصولا إلى حظر الدعم عن “الجيش السوري الحر” والسماح لنظام الأسد بارتكاب المجازر على أوسع نطاق وبمختلف أنواع الأسلحة، وليس انتهاء بإقرار واشنطن بأن بقاء الأسد “ضرورة لمكافحة الإرهاب”.

في آب وبعد اندلاع الثورة السورية بقرابة خمسة أشهر اتضح أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها كانوا يراقبون الأمور إلى ما ستؤول إليه في سوريا ومع فشل النظام في قمع المظاهرات كانت واشنطن تكتفي مع حلفائها بإدانة عمليات القمع والتنديد بها فقط، وفي ذلك الشهر تحديدا صعدت واشنطن من خطابها مع كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا والاتحاد الأوروبي وكندا في وقت واحد مطالبين بشار الأسد بالتنحي على الفور بعد أن فقد شرعيته بالكامل.

أطلقت واشنطن في السنة الأولى من عمر الثورة تصريحات دعت من خلالها بشار الأسد إلى التنحي عن السلطة

التحول الأمريكي

وبعد ذلك كثرت حالات الانشقاق في صفوف قوات النظام وبدأ المنشقون بتأسيس فصائل عسكرية إلى أن تشكل “الجيش السوري الحر”، وبدأ السلاح يصل إلى مجموعات “الجيش السوري الحر” تباعا منذ بداية عام 2012 عبر الحدود من تركيا والأردن ولبنان والعراق بموافقة أمريكية، واستمر الدعم مع استمرار النظام في الحل الأمني والعسكري إلى أن تحولت الثورة إلى ثورة مسلحة بالكامل في منتصف عام 2012 وخاصة بعد سقوط حي باباعمرو وحصار أحياء حمص القديمة ودخول “الجيش السوري الحر” إلى أحياء مدينة حلب.

واستمر ذلك الدعم عن طريق قنوات عديدة إلى أن قررت الولايات المتحدة وبعد ظهور تنظيمات لا علاقة لها بالثورة مثل “داعش” وضع برامج لتدريب وتسليح “الجيش السوري الحر” أو ما وصفته واشنطن بـ”المعارضة السورية المعتدلة” في عام 2013 من قبل إدارة الرئيس باراك أوباما، إلا أنها اشترطت على الفصائل قتال تنظيم “داعش” فقط وعدم الاقتراب من قوات نظام الأسد.

ومع رفض مجموعات كبيرة من فصائل “الجيش السوري الحر” للشروط الأمريكية بحصر القتال ضد “داعش” فقط، اتجهت واشنطن إلى حصر معظم الدعم في ميليشيات “وحدات حماية الشعب الكردي” والميليشيات العربية المتحالفة معها، ومنذ عام 2014 تعتمد واشنطن بشكل أساسي على تلك القوات في قتال “داعش”، وهي قوات كانت تسيطر مع النظام على محافظة الحسكة بالكامل ولم يقع أي اشتباك بينهما.

ومع تراجع الدعم العسكري الأمريكي لفصائل “الجيش السوري الحر”، وقيام واشنطن بمراقبة كافة قنوات الدعم وإيقافها وحصرها في جهات تعمل لصالح أجندتها فقط، تم إنشاء غرف للدعم تشرف عليها واشنطن سواء في تركيا أو الأردن، وتم من خلالها وقف معظم العمليات العسكرية ضد نظام الأسد، وهو ما أتاح للنظام عقب التدخل الروسي مباشرة لصالحه في أيلول من عام 2015 استعادة معظم المناطق التي خسرها لصالح “الجيش السوري الحر”، ولا حقا في عام 2017 تخلت واشنطن عن فصائل خاصة التي كانت تقاتل “داعش” في البادية والتنف.

وانعكس تقدم النظام عسكريا بالدعم الروسي والإيراني على ملف المفاوضات السياسية في جنيف وحرفها عن مسار الانتقال السياسي في سوريا إلى مسألة الانتخابات والدستور ومحاربة الإرهاب، وتراجعت بعدها واشنطن عن فكرة رحيل الأسد، فضلا عن السماح لروسيا بخلق مسارات أخرى للمفاوضات أسهمت في ضياع مطالب الشعب السوري برحيل نظام الأسد.

ومع تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجهت إدارته في واشنطن إلى وقف كافة أنواع الدعم العسكري للمعارضة منذ شباط عام 2017، وذلك وفق العديد من الحجج التي ساقها مسؤولون أمريكيون منها أن المعارضة السورية المسلحة فقدت كمية من السلاح لصالح تنظيمي “جبهة النصرة” و”داعش”، فيما أرجعت تسريبات أن سبب وقف الدعم يعود إلى أن واشنطن لها تصور للحل في سوريا بالتوافق مع روسيا يفضي إلى بقاء الأسد في السلطة.

وإبان وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض قال المسؤول في “الجيش السوري الحر” “أسامة أبو زيد”، إن الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، أعطى المعارضة السورية آمالا مزيفة.

وأضاف في حديث له مع قناة “سي إن إن” مشيرا إلى حجم الخداع الذي طال الجهات السورية المعارضة من إدارة أوباما، واعتبر أن إدارة الأخير لم تتمتع بالمصداقية في تحالفاتها على الأرض ولم تعرف كيف تختار الحلفاء.

دعم الأكراد

في شهر أيلول من عام ٢٠١٤، تزعمت واشنطن تحالفا دوليا مكونا من ٧٧ دولة، هدفه الالتزام بدحر تنظيم داعش في سوريا والعراق وإلحاق الهزيمة به، وجاء التحالف ردا على المكاسب الإقليمية المتسارعة التي حققها مسلحو التنظيم في العراق وسوريا، حيث يضم التحالف أعدادا كبيرة من الدول العربية والأوروبية بزعامة أمريكا.

وفي 10 سبتمبر/أيلول 2014، أعلن أوباما أنه أوعز ببدء شن الغارات في سوريا دون انتظار موافقة الكونغرس، وأمر بتكثيف الغارات في العراق، وخلال تلك الفترة، كانت ميليشيا “وحدات حماية الشعب الكردي” تجمع قواتها من أجل خوض معارك ضد التنظيم في شمال شرق سوريا، غير أن الهدف الحقيقي كان يكمن في بسط سيطرتها على مناطق عربية وكردية، تمهيدا لتأسيس دويلة كردية هناك.

في عام 2014 بدأت واشنطن بتوجيه دعمها إلى ميليشيا “وحدات حماية الشعب الكردي” التي اتضح أنها تسعى للانفصال عن سوريا

وبحسب ما أكدت مصادر مطلعة لـ”صدى الشام” قامت واشنطن بطلب تغيير اسم تلك الميليشيا وإيجاد مسمى لا يقتصر على الأكراد وإنما إيجاد جسم عسكري يوحي بالتنوع السوري، وفي آذار مارس ٢٠١٥، أي بعد مرور أربع سنوات على بدء الثورة السورية، تأسست “قوات سوريا الديمقراطية” التي عرفت نفسها حينها بأنها “تحالف كردي – عربي يهدف للقضاء على تنظيم داعش وطرده من سوريا”.

وتتكوّن هذه القوات، بحسب القائمين عليها، من تحالف متعدد الأعراق والأديان ووفقا للبنتاغون الذي يدعمها، فإن الأكراد يشكلون 40 في المائة من قوات سوريا الديمقراطية والعرب 60 في المائة، إلا أن المصادر المغايرة تقول إن وحدات حماية الشعب تشكل العمود الفقري لهذه الميليشيا، وتمثل معظم قياداتها ويحتل الأكراد مركز اتخاذ القرار فيها.

وهكذا، تحوّل الدور الأمريكي، من دعم المعارضة السورية لإسقاط بشار الأسد، إلى دعم ميليشيا تسعى لإقامة دويلة في شمال شرق سوريا.

ومنذ أن بدأت الولايات المتحدة بدعم المقاتلين الأكراد، بدأت تقلص أو تقطع الدعم عن المعارضة السورية، حيث بدأت أولى بوادر قطع الدعم عنها في أواخر عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما، حيث تقلص عدد التشكيلات المعارضة المدعومة منها، ولم يبقَ إلا فصائل معدودة تتلقى الدعم وأبرزها تلك التي تضع قتال “داعش” كأولوية على قتال النظام كـ”جيش سوريا الجديد” والمقاتلين المعارضين في البادية وغرفة الموك، وبعد استلام دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة، قرر وقف الدعم عن المعارضة السورية بشكل نهائي وقطع كل قنوات التمويل.

وقال ترامب في شهر نوفمبر ٢٠١٦: إنه يجدر على الولايات المتحدة قطع الدعم العسكري عن المعارضة السورية المسلحة، وأضاف خلال لقاء مع صحيفة “وول ستريت جورنال” حينها، أن الفصائل التي تقاتل بشار الأسد مجهولة بالنسبة له، وفيما هي تعمل على قتال النظام  بدعم من الولايات المتحدة ستصبح واشنطن في مواجهة مباشرة مع روسيا التي لن تتخلى عن الأسد، وبعد فترة من استلامه الحكم، وشهر شهر تموز من عام ٢٠١٧، أوقف ترامب هذا الدعم.

التفاهم مع الروس

بلغ التفاهم الروسي الأمريكي أوجه في معركة النظام الأخيرة جنوبي سوريا، التي بلغت أوجها خلال الأيام الماضية، وذلك بعد تسريبات صحافية عن إطلاق واشنطن يد روسيا لإبادة درعا، كما أطلقت يدها في حلب وحمص وريف دمشق.

وسيطرت روسيا وخلفها النظام قبل ذلك على مساحات واسعة من ريف اللاذقية أولا عقب تدخلها مباشرة ثم انتقلت إلى معركة حلب، وتمكنت من شن آلاف الغارات الجوية على المدينة، حتى أخرجت المعارضة مرهقة منها.

بعد ذلك، اتجهت روسيا نحو محافظة إدلب، وتمكنت عبر غاراتها الجوية من إجبار المعارضة على الانسحاب من مطار أبو الظهور العسكري وعشرات القرى والبلدات المحيطة به.

أطلقت واشنطن يد روسيا في سوريا لصالح نظام الأسد وسمحت لها بارتكاب المجازر وتدمير المدن وتهجير سكانها

وانطلقت روسيا بعدها إلى قرى وبلدات أخرى بريف دمشق، وأبرزها وادي بردى وخان الشيخ والغوطة الغربية ثم اتجهت نحو الغوطة الشرقية لتسيطر بذلك على كامل دمشق وريفها بعد عمليات الإبادة والتهجير.

وتخوض روسيا اليوم، معركة ضد المعارضة في محافظة درعا، التي كان من المتوقع أن تكون خطا أحمرا بالنسبة للمجتمع الدولي، ولا سيما أن هذه المنطقة تخضع لخفض تصعيد يختلف عن مناطق خفض التصعيد الأخرى، كون الدول الضامنة هنا روسيا وواشنطن.

وهكذا، أطلقت الولايات المتّحدة يد روسيا في سوريا، لإستعادة معظم المناطق التي تسيطر عليها المعارضة وإعادتها للنظام.

السماح للروس بمهاجمة درعا

الخطوة التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية، وجزمت تواطؤها مع الروس للقضاء على المعارضة السورية، تمثلت في الموقف الأمريكي الأخير، الذي أعطى روسيا الضوء الأخضر للهجوم على درعا.

وقبل أيام، أبلغت واشنطن فصائل المعارضة السورية في درعا، بضرورة ألا تتوقع حصولها على دعم عسكري لمساعدتها على التصدي لهجوم ضخم تشنه قوات نظام الأسد لاستعادة مناطق يسيطر عليها مقاتلو المعارضة بجنوب سوريا ومجاورة للأردن.

سمحت واشنطن لروسيا بالهجوم على درعا بعد أن أطلقت تحذيرات “كاذبة” باتخاذ إجراءات حازمة ومناسبة ردا على الهجوم.

وقالت نسخة من رسالة بعثت بها واشنطن إلى قادة “الجيش السوري الحر”: “إن الحكومة الأمريكية تريد توضيح ضرورة ألا تبنوا قرارتكم على افتراض أو توقع قيامنا بتدخل عسكري”.

وأضافت الرسالة مخاطبة الفصائل: “الأمر يعود إليكم فقط في اتخاذ القرار السليم بشأن كيفية مواجهة الحملة العسكرية التي يشنها جيش النظام بناء على ما ترون أنه الأفضل بالنسبة لهم ولشعبكم”.

وتابعت: “إننا في حكومة الولايات المتحدة ندرك الظروف الصعبة التي تواجهونها ومازلنا ننصح الروس والنظام بعدم الإقدام على إجراء عسكري يمثل خرقاً للمنطقة”.

هذا الإجراء جاء بعد أيام، من موقف مغاير للولايات المتحدة، التي حذرت النظام من مهاجمة درعا قبل أيامٍ من إرسالها البرقية للفصائل، قائلة: “إنها ستتخذ إجراءات حازمة ومناسبة ردا على انتهاكات النظام لوقف إطلاق النار في مناطق خفض التصعيد شمال وجنوب سوريا في مدينة درعا الخاضعة في قسم منها لسيطرة فصائل من الجيش الحر” ما يعني أن الولايات المتحدة أطلقت بيانات كاذبة إزاء معركة الجنوب وتملصت أخيرا من المعارضة التي كانت هي تدعمها في منطقة الجنوب.

ضربات خلبية

وحتّى اليوم، ما يزال الخبراء العسكريون السوريون، يؤكدون أن الضربات الأمريكية المتكررة على مواقع النظام لم تكن أكثر من “دغدغة” ودعاية إعلامية من أجل حفظ ماء الوجه، بينما يرى آخرون أن هذه الضربات صبّت في صالح النظام، كونها لم تؤثر على قواته من جهة، وأعطته تعاطفا من بعض الدول من جهة أخرى، الذي “خرج منتصرا على العدوان الثلاثي”.

في شهر نيسان من عام ٢٠١٧، ارتكب النظام مجزرة بالأسلحة الكيميائية في مدينة خان شيخون بريف إدلب، ما أدى لمقتل واختناق العشرات من المدنيين، وعلى إثر ذلك، أقدمت واشنطن على توجيه ضربة عسكرية للنظام، فقامت باستهداف مطار الشعيرات الذي قيل إن الطائرة التي ارتكبت المجزرة أقلعت منه، وعقب أيام من التهديدات استهدفت القوات الأمريكية مطار الشعيرات، وبعد ٤٨ ساعة صور النظام مقاطع فيديو يظهر انطلاق الطائرات من المطار ذاته لتقوم بقصف مواقع مدنية، في تحد واضح للإدارة الأمريكية التي “دغدغت” المطار.

وتكرر الأمر ذاته عندما ارتكب النظام مجزرة كيميائية في مدينة دوما بريف دمشق، لكن هذه المرة أخذت “الضربة الأمريكية” بعدا دعائيا واسعا، وانتهت باستهداف مواقع “غير حيوية” للنظام، وتركزت على بعض المراكز الأمنية والعسكرية، التي اتضح اليوم أنها لم تؤثر إطلاقا في النظام، الذي لم يقطع عمليات القصف خلال الضربة إلا لساعات.

 

شاهد أيضاً

سجال أميركي روسي في مجلس الأمن بشأن دورهما بسوريا والأمم المتحدة تطالب بإجلاء الأطفال المحاصرين في سجن الحسكة

تبادلت روسيا والولايات المتحدة الاتهامات -خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي- بشأن أحداث مدينة الحسكة شمال …

مناورات روسية مشتركة مع نظام الأسد.. ماذا وراءها؟ وكيف تقرؤها إسرائيل؟

لا يستبعد المحللون العسكريون في إسرائيل أن يكون التحرك الروسي عند خط وقف إطلاق النار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *