الرئيسية / سياسي / سياسة / مواد سياسية مختارة / ما بعد التهجير .. “سوريا المفيدة” للنظام وتوزيع الباقي بين الدول
مهجرون عند معبر أبو الزندين - ناشطون
مهجرون عند معبر أبو الزندين - ناشطون

ما بعد التهجير .. “سوريا المفيدة” للنظام وتوزيع الباقي بين الدول

عدنان علي/

مع تمكن حلف النظام وروسيا وإيران من تحقيق خططهم في السيطرة الكاملة على دمشق وريفها وإفراغ المحيط من أي وجود للمعارضة من خلال استراتيجية الحصار والقصف وصولا إلى الاجتياح والتهجير، بدأت ترتسم ملامح المرحلة المقبلة من المشهد السوري، حيث كشّرت جميع الأطراف الإقليمية والدولية عن أنيابها، وبدأت تعمل على تكريس حضورها في تحدي هذا المشهد، لنشهد زيادة في الحضور الإسرائيلي، إلى جانب تسريع وتيرة تقاسم الحصص بين هذه الأطراف، خاصة تلك المنضوية ضمن اتفاق أستانة.

وإذا كانت التطورات التي شهدتها الساحة السورية منذ في الشهور الأخيرة تجعل من غير المجدي مواصلة أطراف أستانة الحديث الممجوج عن “الحفاظ” على اتفاق “خفض التصعيد” الذي يعتبر “الإنجاز ” الوحيد لهذه الاجتماعات بعد أن ابتلعت الآلة الحربية للنظام وروسيا وإيران نصف المناطق المشمولة بهذا الاتفاق، أي الغوطة الشرقية، وريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي، فان “أطراف استانة” ( روسيا، تركيا، إيران) تجد نفسها ملزمة باستكمال التنسيق فيما بينها خلال المرحلة المقبلة لضبط خلافاتها، وتحديد الأولويات وصولا إلى توزيع مناطق النفوذ فيما بينها، بالتنسيق مع أطراف أخرى خاصة الولايات المتحدة واسرائيل والأردن للغرض نفسه، وذلك بغية اقتسام المناطق السورية بين هذه الأطراف، وسط حالة من التنافس، وحرص كل طرف على تكبير حصته خاصة بين قوات النظام والميليشيات الكردية شرقي البلاد، حيث بدأ الجانبان عمليات عسكرية منفصلة لانتزاع أكبر ما يمكن من المساحات من يد تنظيم “داعش” الذي يواصل التداعي هناك، وسط معلومات عن عزم النظام إخلاء مدينة الحسكة في إطار تفاهمات ما بين الدول اللاعبة في سورية، تقضي بانسحاب النظام كليا من محافظة الحسكة على أن تنتشر قوات تركية أو مدعومة منها، على طول الشريط الحدودي السوري التركي ، وذلك في إطار توافق على جعل إدلب والشريط الحدودي التركي السوري تحت رعاية تركيا، بينما تخضع الرقة وريف دير الزور الشرقي وصولا إلى الحدود السورية الأردنية إلى النفوذ الأمريكي، مقابل بقاء روسيا وإيران في مناطق سيطرة النظام التي تشمل ما يعرف بـ”سوريا المفيدة”.

 

احتدام تركي – روسي

غير أن قاعدة حميميم الروسية عادت لتوجيه رسائل عن احتمال شن عملية عسكرية في إدلب ما لم تقم “جبهة النصرة” (هيئة تحرير الشام) بحل نفسها سلميا، وهو ما رد عليه فورا وزير الخارجية التركية  مولود جاويش أوغلو الذي قال إن بلاده لن تسمح بالهجوم العسكري على إدلب وتهجير أهلها كما حدث في باقي المناطق.

ولاحظ مراقبون أن تركيا تعمل فيما يخص إدلب على مسارين متوازيين، يقضي الأول بنشر المزيد من نقاط المراقبة المتفق عليها في اتفاق ” خفض التصعيد” ، والثاني إعادة هيكلة الفصائل العسكرية في المحافظة، مع استثناء “هيئة تحرير الشام”.

وثبت الجيش التركي حتى الآن أحد عشر نقطة مراقبة في إدلب وريف حلب المجاور، آخرها في منطقة الراشدين وريف إدلب، لكن ذلك لم يمنع روسيا من مواصلة غاراتها على إدلب والتي تطال بشكل أساسي جنوبي المحافظة والمناطق الغربية المحاذية للشريط الحدودي مع تركيا، ما يطرح تساؤلات عن مدى إمكانية الحد من خطط النظام وروسيا من خلال الاتفاقات والتفاهمات الثنائية أو في إطار استانة، وإن كان يسود اعتقاد بين قادة الفصائل في المنطقة بأن خريطة إدلب وريفها تم رسمها عبر نقاط المراقبة التركية، على أن تمتد المنطقة التي تخضع للنفوذ التركي من جرابلس مرورا بريف إدلب الغربي، ووصولًا إلى نقاط تمركزها في الساحل، بينما تتولى روسيا مع إيران والنظام السوري منطقة شرق السكة.

بدأت الجولة التاسعة من محادثات أستانة حول سوريا باجتماعات تقنية ثنائية وثلاثية بين الدول الضامنة والراعية بغياب أمريكي.

شرق السكة

وبالفعل، دخلت الشرطة العسكرية الروسية إلى قرى وبلدات عدة تسيطر عليها قوات النظام شرق سكة القطار في ريف إدلب الشرقي تمهيدا لإقامة نقاط مراقبة روسية في المنطقة، وذلك بالتوازي مع قيام قوات تركية بإنشاء نقاط مراقبة غربي السكة وعلى الحدود الشرقية لسيطرة فصائل المعارضة في إدلب، وذلك قبل يوم واحد من انعقاد الجولة التاسعة من محادثات أستانة في عاصمة كازاخستان الاثنين الفائت.

ودخل وفد روسي شرق إدلب تمهيدا لإقامة نقاط مراقبة عسكرية روسية في المنطقة في إطار اتفاق خفض التصعيد، على أن تصبح النقاط الروسية مقابل النقاط التركية في مناطق سيطرة فصائل المعارضة بريف إدلب الشرقي والجنوبي.

وكانت قوات النظام توغلت أواخر العام الماضي في ريفي إدلب وحلب الجنوبيين، لتصل إلى أطراف مطار أبو الضهور العسكري، وتؤمن خط إمداد بين شرق إدلب وجنوب حلب.

وكانت القوات التركية قامت خلال الأيام الأخيرة بتثبيت نقطتي مراقبة في منطقة تل الطوقان بريف أبو الظهور ونقطة الصرمان بريف معرة النعمان الشرقي، إضافة إلى نقطة عسكرية في منطقة مورك بريف حماة الشمالي، في اطار تطبيق اتفاق “خفض التصعيد”.

ويقضي اتفاق أستانة بأن تكون سكة الحجاز هي الحد الفاصل بين الأتراك والروس، حيث أن الجانب الشرقي من السكة هي منطقة نفوذ روسية في حين أن الجانب الغربي هي منطقة نفوذ تركية ولا يسمح لقوات النظام بالتواجد غرب سكة الحجاز، لكن النظام عمد الى خرق هذا الاتفاق واستولى على نقاط خارج نطاق الاتفاق تقدر بنحو سبعة كيلو متر مربع .

ومن المعتقد حسب مؤشرات عدة أن الروس سوف يعملون على إبعاد النظام إلى شرق السكة وذلك لبسط نفوذهم في هذه المنطقة وإبعاد نقاط الاحتكاك بين الفصائل وقوات النظام، مع تفعيل نقاط المراقبة التركية والروسية وفرض منطقة منزوعة السلاح بينهما وذلك بهدف إعادة السكان للعيش في مناطقهم.

وبالتزامن مع استكمال نقاط المراقبة، تترقب إدلب ولادة تشكيل عسكري جديد من فصائل “الجيش الحر” بدعم رئيسي من تركيا  يضم بحسب ناشطين، عدة فصائل في الشمال أبرزها “جيش إدلب الحر”، و”جيش العزة” و”جيش النصر” و”الفرقة الساحلية الأولى”، و”فيلق الشام” الذي سيتولى قيادة هذا التشكيل .

كما يترافق ذلك مع خطط لاعادة فتح طريق دمشق – حلب الدولي بعد انقطاع لسبع سنوات.

وتشير بعض تقارير الى نيّة هذه الدول توزيع نقاطها العسكرية على طول الطريق، كل طرف حسب سيطرت بالتعاون مع القوات الموالية لها بالمنطقة. وكان هذا الطريق حتى الان مفتوحاً للشحنات التجارية فقط عبر معبر مورك، وبحال صحّت التسريبات فإنه سيكون قريباً مفتوحا للمركبات الخدمية والشخصية ونقل الركاب.

النظام وروسيا وإيران خرقوا اتفاق أستانة وسيطروا على معظم المناطق التي شملها خفض التوتر في دمشق وريف دمشق وحمص وحماة.

 

التهجير

في غضون ذلك استكمل النظام عملية التهجير من جنوب دمشق بالتوازي مع عملية مماثلة في ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي باتجاه الشمال السوري.

وخرج عدة آلاف من المقاتلين وعوائلهم، وآلاف من المدنيين من مناطق جنوب دمشق الثلاث يلدا، وببيلا ، وبيت سحم، ومعظمهم من سكان المناطق المجاورة الذين نزحوا إلى هذه المناطق بسبب المعارك مع النظام أو مع “داعش”، خاصة من حي مخيم اليرموك. وبعد أن عانت عدة قوافل من المهجرين من ظروف صعبة، نتيجة عدم السماح لها من جانب السلطات التركية بالعبور إلى مناطق سيطرة قوات “درع الفرات” في ريف حلب، سمح لها بالمرور لتستقر في بعض المخيمات على أطراف جرابلس والباب وعفرين، فيما توجه القسم الأكبر من المهجرين إلى محافظة إدلب .

كما خرج الآلاف من مناطق تلبيسة والرستن والحولة في ريف حمص الشمالي إضافة الى محيط مدينة السلمية في ريف حماة الجنوبي والشرقي باتجاه الشمال السوري وسط استعداد من النظام وروسيا لفتح الطريق الدولي بين حمص وحماة.

ورفض عدد كبير من المقاتلين وعائلاتهم والمدنيين التوجه إلى إدلب، لكن الجانب الروسي حمل تركيا مسؤولية تعطيل وصول المقاتلين إلى جرابلس والباب، والتلكؤ في تحضير المخيمات اللازمة لاستقبالهم.

وأوضحت مصادر عسكرية في ريف حمص الشمالي، أن تسعين في المائة من السلاح الثقيل تم تسليمه، وأن سبعين في المائة من الفصائل المسلحة غادرت، إضافة إلى أكثر من عشرين ألف مدني ممن لا يرغبون في البقاء تحت حكم النظام خوفاً من الانتقام، فيما يتوقع أن يصل عدد المهجرين إلى نحو سبعين ألفاً من المدنيين.

وبدأ تهجير أهالي ريف حمص الشمالي في السابع من أيار الجاري، علماً أن المنطقة كانت تخضع لحصار النظام وقصفة طوال نحو سبع سنوات، انتقاماً من انشقاق مئات من ضباط “الجيش السوري” عن النظام من هذه المنطقة.

إلى ذلك، نظمت الشرطة العسكرية الروسية دوريات في أحياء وشوارع بلدات يلدا وبيت سحم وببيلا وسيدي مقداد، كما أقامت نقاط مراقبة في تلك المناطق التي أعلنها النظام الأسبوع الماضي “خالية من الإرهاب” وفق زعمه، بعد إتمام إجلاء مقاتلي الفصائل وعائلاتهم إلى شمال سوريا.

وبالتوازي، تتواصل العملية العسكرية التي يشنها النظام على بقية المناطق في جنوب دمشق من نحو شهر ضد تنظيم “داعش” وسط تعثر في هذه العملية التي أحرزت في مرحلة من المراحل بعض التقدم، قبل أن تصطدم قوات النظام والميليشيات التي تقاتل معها بمقاومة قوية من مقاتلي “داعش”.

وفي شرق البلاد، دارت اشتباكات بين ميليشيات “سوريا الديمقراطية” (قسد) وتنظيم “داعش” في ريف دير الزور الشرقي على الجهة الحدودية الواصلة بين سوريا والعراق، تمكنت خلالها “قسد” من السيطرة على قرية الباغور وإطباق الحصار على كافة المناطق التي يسيطر عليها التنظيم شرقي نهر الفرات، وهي هجين، الشعفة، أبو الحسن، السوسة، وبعض الجيوب الاخرى جنوي الشدادي مثل الجبسة وتل الجاير والدشيشة.

وتشن “قسد” عملياتها في تلك المنطقة بالتعاون مع القوات العراقية وميليشيات “الحشد الشعبي”، في مسعى إلى القضاء على “داعش” من جهة الحدود العراقيّة، وقطع التّواصل بين عناصر “داعش” سوريا والعراق، وضرب العمق الاستراتيجي لـ”داعش”.

أحرزت “قسد” بعض التقدم في الحملة العسكرية ضد “داعش” التي تشنها بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن لطرد التنظيم من منطقة شرق الفرات

 

إسرائيل وإيران

وكان لافتا الدخول الإسرائيلي القوي على خط المشهد السوري في محاولة من إسرائيل للإدلاء بدلوها بشأن تصورها لسوريا المستقبلية، وتذكيرها جميع الأطراف بضرورة أخذ مصالحها في الاعتبار عند رسم ملامح المرحلة المقبلة في سوريا من جانب الدول الرئيسية المؤثرة في المشهد السوري.

وفي هذا الاطار جاءت الضربة الإسرائيلية الواسعة للمواقع الايرانية في سوريا إثر إطلاق الحرس الثوري الإيراني نحو عشرين صاروخا على الجولان السوري المحتل، لم تسفر عن أية خسائر بين الإسرائيليين.

وحسب وزارة الدفاع الروسية فان 28 طائرة إسرائيلية من نوع “إف-15″ و”إف-16” شاركت بالهجوم ، وأن الجيش الإسرائيلي أطلق حوالي 60 صاروخا على مواقع داخل سوريا.

شاهد أيضاً

قرار أممي ينهي العزلة عن دمشق ويفتح مرحلة جديدة من الانفتاح الدولي

أنهى مجلس الأمن الدولي واحدة من أكثر الملفات السياسية تعقيداً حين صوّت بأغلبية 14 دولة …

الرئيس السوري أحمد الشرع: رفع العقوبات عن سوريا بداية لمرحلة جديدة من التعافي والبناء.

في كلمة مؤثرة ألقاها الرئيس السوري أحمد الشرع، استعرض تاريخ البلاد المأساوي تحت حكم النظام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *