الآن
الرئيسية / تحقيقات / النّظام السّوري ينافس الفصائل في جباية الأموال على حواجز الطرق
النظام يجبي المال من جيوب المواطنين

النّظام السّوري ينافس الفصائل في جباية الأموال على حواجز الطرق

تحقيق- أحمد ابراهيم/

نشرت صدى الشام في مارس / آذار الماضي تحقيقًا عن المعابر في سوريا تحت عنوان “معابر سوريّة .. تمويل الحرب من جيوب المواطنين”

واستعرض التحقيق المعابر التي تصل مناطق عدّة تسيطر عليها قوى عسكريّة متصارعة وهي ميليشيا “وحدات حماية الشعب” “الكردية” وفصائل المعارضة السورية المسلحة وتنظيم”هيئة تحرير الشام”، وتحصل تلك القوى من خلال الحواجز “المعابر” على إتاوى، يقول مراقبون إنها تستخدم جزئيّاً في تغذية الإنفاق على الحرب.

وتنشر صدى الشام اليوم الجزء الثاني من التحقيق والذي يستعرض جباية أموال على حواجز أنشأها نظام الأسد على الطرق الواصلة بين المناطق الخاضعة لسيطرته وخاصة بين السويداء ودمشق.

النّظام السّوري ينافس الفصائل

ينقل “أمير” الخضر الطازجة بشكلٍ يومي من مدينته السويداء في جنوبي سوريا إلى العاصمة دمشق، استمر أمير (39 عامًا) بعمله حتّى بعد اندلاع الثورة السورية، إذ لم تصل رياح النزاع إلى مدينة السويداء، الزراعية الصغيرة الهادئة، التي تتميّز بحجارتها السوداء ويسكنها سوريون من الأقلية الدرزية.

لكن عمل أمير تضرّرَ منذ عام 2012، ليس بسبب الحرب المباشرة، وإنما بسبب نشر حواجز عسكرية، في المنطقة التي تسيطر عليها بالكامل القوات الحكومية اعتباراً من أيار/مايو 2017، أدّت إلى خلق ما يُشبه المعابر على الطرق.

كثرت المعابر في سوريا بين المناطق التي تسيطر عليها جهات مختلفة وذلك منذ اندلاع المواجهات المسلحة نهاية عام 2011، لكن معاناة أمير ناتجة عن معابر مقامة على طرق تقع بالكامل تحت سيطرة النظام.

ومنذ عام 2015، كانت الحواجز على طريق دمشق – السويداء، تفرض عليه تحصيل مبالغ مالية مقابل مرافقته بحجّة أن الطريق غير آمنة، وبعد إلغاء الترفيق في أيار/مايو لم تسقط الإتاوات عن شحنات التجارة وإنما أصبح على أمير أن يدفعها في صورة رسوم مرور عن المعابر.

تفرض قوات النظام الإتاوات على التجّار، الأمر الذي يدفعهم إلى تحصيل تلك الإتاوات من جيوب المواطنين.

وبسبب إتاوات المعابر، وغيرها من حيل يستخدمها النظام لجباية الأموال، اتسع الفارق بين سعر السلع على جانبي المعابر لما يصل إلى المثلين أو يزيد حسبما وثقنا في هذا التحقيق.

صباح الخميس، 19 كانون الثاني/ يناير، توجّه أمير بشاحنته المكدّسة بالخضار والفاكهة، إلى منطقة “كراج الست” في دمشق، سارت الرحلة على طريق سريع (أوتوستراد) بين السويداء ودمشق، ومرت بعدّة قرى في ريفي المدينتين.

في العاشرة والنصف من صباح ذلك اليوم، تجاوز أمير بلدة حزم في ريف السويداء الشمالي على الأوتوستراد الدولي ليصل إلى حاجز المسمية، الذي يحرسه مقاتلون من الفرقة الرابعة، إحدى أشرس فرق جيش النظام.

يتطلب المرور من هذا الحاجز فترة انتظار تتراوح بين 10 دقائق وثلاث ساعات “حسب مزاج الحاجز” حسبما يقول أمير، ويكون عليه بعدها دفع “رسم العبور”.

بعد انتظار نحو 40 دقيقة في رتل سيارات يتحرك ببطء، وصل أمير إلى الحاجز، وكالعادة أشار له عنصر أمن للوقوف على الجانب الترابي للطريق، توجّهت مجموعة من العناصر إلى صندوق السيارة الخلفي ليتفحصوا شحنة الخضر، ثم فرض على أمير سداد فاتورة قدرها 35 ألف ليرة سورية (حوالي 70 دولارًا).

دفع أمير المبلغ، وتابع مسيرته نحو العاصمة، ويقول إن هذا الحدث يتكرّر معه ومع جميع السائقين في كل حمولة.

تتركّز معظم المعابر التي فرضها النظام بشكلٍ رئيسٍ، في محافظتي درعا جنوبي سوريا، والريف الشمالي لمحافظة حمص وسط سوريا، الذي توجد فيه عشرات القرى والبلدات المُحاصرة.

البداية من التّرفيق

كانت الحواجز العسكرية للنظام تستخدم أصلاً مصطلح “الترفيق” كغطاء لتحصيل أموال عن مرور الشحنات بين المحافظات السورية، ويقصد بالترفيق أن يرافق أفراد أمن من تلك الحواجز الشاحنة التي تنقل السلعة ضمن المناطق التي يسيطر عليها النظام لحمايتها من أي خطر وكأنه ليس دور الحكومة أصلاً أن تفعل ذلك.

وبحسب فواتير حصلنا عليها من تجّار، فقد فرض النظام “رسوم عبور” على معبرين اثنين في ريف حمص الشمالي، وهما السمعليل والدار الكبيرة.

ومن خلال لافتات ظهرت في لقطات منشورة لمعابر يسيطر عليها النظام، وفواتير منحت لتجار تبيّن وجود شركتي ترفيق، وهما الحصن للترفيق ومؤسسة نور التجارية.

تقدم شركة الحصن لخدمات الحراسة والحماية، ومقرها “ريف دمشق – جرمانا”، الحماية والحراسة للمصارف والاتصالات ومقرات الشركات النفطية بدمشق، بحسب ترخيص صدر من “وزارة الداخلية السورية”، برقم “2 ق.ن” بتاريخ 15 كانون ثان 2014 ولمدة عام.

وتضمن الترخيص أن تمارس الشركة نشاطها في دمشق وريفها ، ويسمح لها باستخدام أجهزة اتصال لاسلكية تحدد وفق الحاجة بقرار لاحق.

كما سُمح للشركة باستخدام سيارات مدنية “بيك آب”، وفان، وجيب دفع رباعي، ومصابيح إنارة، وعصا “مطاطية – كهربائية”، وكاميرات مراقبة، وأجهزة كشف المتفجرات، إضافةً إلى مسدس، وبارودة روسية، تحدد وفق الحاجة بقرار لاحق.

جباة الإتاوات على الطّرق هم مقرّبون من النّظام وحاشيته، ولم يتمكّن الأخير من ردعهم!.

الشركة التي كانت الأولى من نوعها في سوريا، تعود ملكيتها إلى شخصين وهما عمار محمد بن أحمد وسميح عاقل بن علي، ولم يتسن الحصول على معلومات واضحة عن الشخصين، وهو ما يقول نشطاء إنه ربما يُشير إلى انّهما قد يكونان واجهة لشخصية كبيرة في سوريا، وخصوصاً أن الأشخاص الذين يحصلون على ترخيص لمثل هذه الشركات غالباً ما يكونون موثوقين ومقرّبين من النظام.

التفاف على القرارات

في التاسع عشر من أيار 2017، أمرتْ السلطات السورية بإلغاء الترفيق (فوراً) بعد خروج احتجاجات وتعدد الشكاوى من السرقة بحجة الترفيق.

وجاء في القرار الصادر عن “القيادة العامة للجيش والقوات المسلّحة – اللجنة العسكرية والأمنية في حلب” والذي حمل الرقم 6400 أنه “إلى كافة الفروع الأمنية والشرطة المدنية والعسكرية والدفاع الوطني وجمعية البستان الخيرية بناء على التعليمات الشفهيّة الصادرة عن رئيس اللجنة العسكرية والأمنية في محافظة حلب، واعتباراً من يوم الجمعة الموافق 19 / 5 /2017، يوقف العمل بنظام الترفيق للمواد المنقولة داخل حلب وخارجها وكل مخالفة تستوجب المسؤولية”.

وأضاف أنه “يتم استدعاء المسؤولين عن الترفيق في المحافظات إلى اللجنة العسكرية والأمنية فوراً لإبلاغهم الأمر وتلقّي التعليمات”.

جباية الأموال استمرت وإن كان بشكل آخر، إذ إن حواجز عسكرية رديفة “متحالفة” مع جيش النظام صعّدت من عمليات فرض الإتاوات حسبما يظهر من لوائح أسعار فرضها النظام لاحقًا ومن فواتير حصلنا عليها من تجار، ولكن ليس بحجّة الترفيق هذه المرّة وإنما من خلال معابر نظامية وأصدرت لوائح لتسعيرة الضريبة وبدأت تفرض الأتاوات على القوافل التجارية حتى بين المحافظات التي يسيطر عليها النظام، ومن أبرز الأمثلة حاجز “المسمية” على طريق دمشق السويداء الذي يفرض ضرائب على مرور السلع بين المحافظتين، علماً أن النظام يسيطر وحده بشكلٍ كامل على كلتا المحافظتين.

وحصل معد التحقيق على شهادات من سائقين قالوا إن الحاجز الذي تديره الفرقة الرابعة استمر في فرض إتاوات على حركة الشحنات.

ويقول مشير وهو تاجر أربعيني يمر بشكل شبه يومي من تلك المنطقة، حيث يعمل في نقل الخضر الطازجة بين دمشق والسويداء منذ نحو عشر سنوات، إن العملية باتت معقّدة للغاية مؤخرًا.

وأضاف أنه في بداية المطاف كان حاجز “المسمية” يتقاضى الإتاوات من السيارات التي تحمل لوحات أرقام تخص محافظة درعا التي بدأت منها الاحتجاجات السورية عام 2011 ولكن مؤخراً بدأ بتقاضي الإتاوات من كل السيارات حتّى تلك التي تحمل لوحات تخص السويداء.

ولم ترد وزارة الدفاع السورية المسؤولة عن الحواجز على محاولات التواصل معها عبر البريد الإلكتروني للحصول على تعليق.

وذكر أمير أنه في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر كان ينقل بضائع متجهاً إلى السويداء، وأوقفه الحاجز ذاته وطلب منه مبلغ 20 ألف ليرة سورية “نحو 40 دولارًا”، رفض السائق الدفع فتم إنزال كل محتويات السيارة بحجّة تفتيش البضاعة حيث قاموا بتخريب جزءٍ كبير منها، واستمرّوا بإيقاف سيارته لمدّة خمس ساعات، ثم تركوه يعبر بعد أن صادروا أوراق السيارة وطلبوا منه جلب المبلغ حتّى يعيدوا الأوراق له.

وبحسب مشير، أقلع سائقون في محافظة السويداء عن العمل بالمهنة بسبب كثرة الإتاوات ذهاباً وإياباً.

معابر درعا

في أول أيار/مايو 2017، أي قبل 19 يوماً من قرار إلغاء الترفيق، فرضت الحواجز العسكرية التابعة للنظام “رسوم عبور” على معبر “خربة غزالة” في ريف درعا مقابل مرور القوافل من دمشق إلى درعا وبالعكس … (فواتير المعبر هنا)

ردّاً على هذا القرار، أصدرت جماعة مُعارضة مسلّحة تُدعى “قوات شباب السنّة”، بياناً قالت فيه “إنّها شنّت هجوماً بالأسلحة الثقيلة على المعبر لمنع النظام من إقامته”، لكن الهجوم انتهى بمقتل أربعة عناصر من الجماعة المُهاجمة وبقاء المعبر.

وتستورد المناطق الخاضعة لسيطرة النظام في درعا المحروقات، والأدوية والمعدّات الكهربائية من دمشق، وتصدّر إليها الخضر واللحوم.

وفي شباط/فبراير أي بعد نحو من ثمانية أشهر على إقامة هذا المعبر ارتفعت أسعار السلع الأساسية في درعا، عما هي عليه في دمشق بنسب وصلت إلى المثلين حسب الجداول التالية:.

ميليشيات “خيريّة”

وتضمن قرار “إلغاء الترفيق” اسم جمعية “خيرية”، وهي جمعية البستان التي أسّسها رجل الأعمال السوري رامي مخلوف ابن خال رئيس النظام بشّار الأسد، ووفقاً للمعرّفات الرسمية للجمعية على صفحتها الرسمية بموقع “فيسبوك” فإنها تأسّست في العاشر من أيار 1999، على يد مخلوف “بهدف الوصول إلى مكانة رائدة في مجال الأعمال الخيرية”، وللجمعية ذراع عسكرية تعرف محليا باسم “قوات البستان”.

وبحسب شهادات جمعها معد التحقيق من سكّان، ومن “مواطنين صحفيين” في السويداء، فإن نشاط “البستان” ظهر في المدينة مع عام 2012، تحت قناع العمل الخيري، لكنّها تطوّرت إلى أن أصبحت من القوى المسيطرة على المشهد في المدينة، يتواجد عناصرها بشكل كثيف داخل المدينة وريفها، ويُطلق عليها السكّان المحلّيون “جماعة الجوية” وذلك لارتباط قراراتها بفرع المخابرات الجوية مرهوب الجانب.

واعترف عسكريون من النظام خلال تسجيلات بثّتها المعارضة السورية معهم، باشتراك “قوات البستان” في اقتحام المدن والبلدات السورية.

ويقول أمير إنه كان ضمن السائقين الذين احتجوا صباح يوم الأحد 14 أيار/ مايو، على اتاوات الترفيق، أقدم عشرات من سائقي وتجّار محافظة السويداء في ذلك اليوم على الاعتصام وقطع الطريق الدولي “دمشق – السويداء”.

الاحتجاج لم يغيّر شيئًا، انفضَّ الاعتصام وألغي الترفيق لكن ما تزال الحواجز قائمة وكأنَّ شيئاً لم يكن.

و لكي يتمكّن أمير من تعويض خسائره عند الحاجز، يرفع سعر الخضر التي يبيعها، وهو ما ينعكس على مستهلكي هذه المواد بشكلٍ مباشر، فالمواطن يدفع الثمن سواء عند حواجز الفصائل المسلحة أو عند حواجز النظام.

أُنجز التّحقيق من خلال برنامج “سوريا بعمق” Syria in Depth المدعوم من “الجارديان” البريطانية و “IMS” الدنمركية وشبكة “أريج”.

شاهد أيضاً

نازحون في مدينة الضمير - صدى الشام

النظام يجبر نازحي الغوطة على العودة دون أدنى مقومات للحياة

صدحت مآذن المساجد في مدينة الضمير بمنطقة القلمون في ريف دمشق الشمالي الشرقي بنداء يطالب …

“الاتحاد الديمقراطي” من تشويه “القضية الكردية” إلى حضن النظام

لم تقف واشنطن مع حليفها “وحدات حماية الشعب الكردي” الجناح العسكري لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 − three =