الرئيسية / رأي / تنفس اللاجئون السوريون الأمل

تنفس اللاجئون السوريون الأمل

عبد
القادر عبد اللي

من
المؤكد أن السوريين بقدر ما كانوا قبيل الانتخابات العامة يحذرون بعضهم بعضاً من
الإدلاء بآرائهم حول الانتخابات التركية، قد كانوا مهتمين بها أكثر من الأتراك
أنفسهم بكثير. ولعب الخطاب السياسي للمعارضة التركية دوراً رئيساً بهذا الاهتمام.
فرئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال قلتشدار أوغلو، لا يفوّت فرصة إلا ويعد ناخبيه
بطردهم من تركيا، والأخطر من هذا أنه يتعهد بطردهم إلى سورية لعدم وجود مكان
يستقبلهم. إضافة إلى أن موقف رئيس هذا الحزب المؤيد للنظام السوري زاد من مخاوفهم
لأن نجاحه يمكن أن يغلق الحدود بصورة نهائية حتى عن الدعم للمعارضة المسلحة.

من
جهة أخرى، هناك تسريبات وتوقعات كثيرة بأن تقدم تركيا دعماً أكبر للمعارضة السورية
المسلحة من شأنه أن يحدث فارقاً على الأرض يساهم بحل سياسي للأزمة التي زاد التدخل
الروسي من تعقيدها. وهناك أيضاً أمل بتنظيم عبور السوريين عبر المنافذ الحدودية
الرسمية بين سورية وتركيا، لأن إغلاق الحدود تم قبيل الانتخابات الماضية بذريعة
معلومات مخابراتية حول محاولة النظام السوري القيام بأعمال إرهابية من أجل تعطيلها،
وهكذا فإن فوز العدالة والتنمية، سيبطل هذه الذريعة.

لقد
كانت استطلاعات الرأي العام التركي تعطي حزب العدالة والتنمية بين 44% و45%،
وبالطبع فإن هذا رقم حرج جداً، فالأربعة وأربعون نقطة لا تكفي العدالة والتنمية
لتشكيل حكومة بمفرده، والخمسة وأربعون تمكنه من تشكيلها، وهذا ما ترك نتائج
الانتخابات التركية مجهولة حتى البدء بإصدار النتائج، وبقي هذا القلق سائداً حتى
بعد البدء بإصدارها، فعندما رُفع الحظر المفروض على بث النتائج كانت حوالي خمسين
بالمائة من الصناديق قد فُتحت، وهذه نسبة كافية لإعطاء فكرة شبه مؤكدة عن النتائج،
وتبين بأن حزب العدالة والتنمية حقق فوزاً كبيراً في الانتخابات، وعلى الرغم من
هذا كان المتصلون بي جميعاً يسألونني: “هل يمكن أن تتغير النتيجة بعد
ساعات؟”.

بالطبع
لم تتغير، وعاد حزب العدالة والتنمية قوياً كما كان، ويمكنه أن يتخذ القرارات التي
تخدم مصالح تركيا من وجهة نظره، وغالبية اللاجئين السوريين يعتبرون أن هذه
القرارات لا بد من أن تنسجم مع مصالحه هو، فوجود نظام يعادي تركيا جنوبها على طول
الحدود لن يخدم المصالح القومية التركية.

الآن
من المؤكد أن حزب العدالة والتنمية سيحكم تركيا مدة أربع سنوات أخرى، وبهذا سجل
رقماً قياسياً جديداً في التاريخ التركي، فليس في تاريخ تركيا الحديث بعد التحول
من حكم الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية، والتنافس السياسي في الانتخابات عام
1946 أي حزب فاز بثلاث دورات انتخابية متتالية، وكان العدالة والتنمية قد حقق هذا
الفوز. وجاءت انتخابات الأول من تشرين الثاني لتعطي الحزب دورة رابعة، وهذا رقم
قياسي تاريخي، من غير المتوقع أن يُكسر في حياتنا التي نعيشها.

عند
ظهور النتائج، اعترفت أحزاب المعارضة بانتصار حزب العدالة والتنمية، وأعلنت
احترامها للإرادة الشعبية، ولكن حزبي الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي اعتبرا
نفسيهما فائزين، فقد حقق حزب الشعب الجمهوري ما يقارب النقطة متقدماً عن نتيجته
السابقة التي حصل عليها في انتخابات السابع من حزيران، أما حزب الشعوب الديمقراطي
فقد تراجع ثلاث نقط تقريباً، ولكنه اعتبر أن هدف العدالة والتنمية من الدعاية
المضادة له هو نزوله تحت عتبة العشرة بالمائة التي تؤهله للانتخابات، وقد فشل بتحقيق
هذا الهدف، لذلك فهو منتصر.

صحيح
أن الانتخابات حسمت الأمر، وأنهت الجدل القائم، وعلت الضحكة وجوه كثير من السوريين
المقيمين في تركيا واللاجئين إليها، ولكن لا أحد يعرف ما إذا كانت الآمال التي
يعقدها السوريون على حزب العدالة والتنمية ستتحقق أم لا. خاصة وأن حزب العدالة
والتنمية نفسه كان حذراً بتصريحاته التي قدمها، وفضّل رئيس هذا الحزب، أحمد داوود
أوغلو، أن يقدم خطاباً هادئاً تصالحياً على عكس سلفه، ورئيس الجمهورية، رجب طيب
أرضوغان، الذي عُرف بتصريحاته الحادة.

على
صعيد السياسة الخارجية، هناك استحقاقات كبيرة، وتعقيدات أكبر يمكن ألا تسمح لحزب
العدالة والتنمية بأن يحققها. فالدخول الأمريكي الأكثر فاعلية على الأرض، والبدء
بإرسال مستشارين عسكريين إلى الشمال السوري هو قيد جديد أمام تركيا في الشمال السوري.
من المعروف، وحتى شبه الرسمي، أن عناصر من قوات أمريكية كانت موجودة على الأرض قبل
إعلان الولايات المتحدة رسمياً عن إرسالهم، وقد ظهر هذا عندما قصفت الطائرات
التركية بعض مواقع داعش، واحتج الأمريكان على القصف لأنه تم دون علمهم، وكان لديهم
في المنطقة عناصر تعرضوا للخطر. من جهة أخرى، هددت روسيا الدول التي تقدم مضادات
جوية للمقاتلين ضد النظام السوري بعد أن كانت الولايات المتحدة الأمريكية تمنع
وصول هذا النوع من السلاح.

لا شك
أن الدعم إن حصل لن يحصل بشكل علني، وهناك الكثير من تجار السلاح بطرق غير شرعية
يمكن أن يدخلوا على الخط. وفيما لو قررت الحكومة التركية تمرير هذا النوع من
السلاح، لن يقف التهديد الروسي حائلاً دونها.

نعم،
تجنب حزب العدالة والتنمية تقديم وعود حقيقية حول المستجدات السورية، وكل ما هنالك
آمال. وبالطبع ليس أمام السوريين خيار آخر، فالأحزاب الأخرى تهددهم، وتهددهم
بحياتهم، لهذا جاء نجاح العدالة والتنمية الكبير هذا متنفساً لهم، ولكنه متنفساً
بالأمل حتى الآن.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *