الرئيسية / تحقيقات / إغلاق مخيم الهول لم يُنهِ أزمته.. السوريون أمام اختبار ما بعد المخيم

إغلاق مخيم الهول لم يُنهِ أزمته.. السوريون أمام اختبار ما بعد المخيم

لم يُنهِ إغلاق مخيم الهول في شمال شرقي سوريا ملف آلاف السوريين الذين عاشوا فيه لسنوات، بل نقل جزءاً من أزمته إلى مخيمات أخرى ومناطق العودة، وسط تحديات تتعلق بالسكن والوثائق والتعليم والعمل وإعادة الاندماج.

وبحسب دراسة أعدتها الباحثة هانية الضمور في معهد السياسة والمجتمع الأردني، فإن إغلاق الهول خفف المخاطر الناجمة عن تجمع عشرات الآلاف في مساحة واحدة، لكنه لم يضع حداً للمشكلات الإنسانية والأمنية والقانونية المرتبطة بسكانه السابقين.

وتشير الدراسة، التي نشرها المعهد في 11 آب/أغسطس، إلى أن هذه المشكلات توزعت بعد إغلاق المخيم بين مخيمات ومجتمعات محلية ودول وأنظمة قضائية مختلفة، مع بروز الحالة السورية بوصفها أحد أبرز الاختبارات في مرحلة ما بعد الهول.

من الهول إلى مخيم آخر

شهد ملف مخيم الهول تحولاً كبيراً مطلع عام 2026، بعد انتقال السيطرة عليه إلى القوات الحكومية السورية إثر انسحاب قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، وفق الدراسة.

وكان المخيم يضم في 19 كانون الثاني/يناير 2026 نحو 23 ألفاً و407 أشخاص، موزعين على 6639 عائلة، بينهم 6280 شخصاً من رعايا أكثر من 40 دولة.

لكن أعداد السكان تراجعت بصورة سريعة بعد انتقال السيطرة، إذ أُعلن لاحقاً إخلاء المخيم وإغلاقه.

ولم تكن مغادرة السكان مساراً واحداً، بحسب الدراسة، إذ شملت عودة تلقائية لبعض الأسر، وخروجاً خلال فترة الاضطراب، وعمليات نقل منظمة، فضلاً عن حالات لم تكن وجهاتها النهائية موثقة بصورة كاملة.

وفي الحالة السورية، لم تعنِ مغادرة الهول انتهاء حياة المخيم بالنسبة إلى جميع الأسر، إذ نُقلت عائلات سورية كانت ضمن آخر المقيمين فيه إلى مخيم آق برهان في منطقة أخترين بريف حلب.

وتشير بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى تسجيل 972 عائلة تضم 3864 شخصاً في المخيم حتى 26 آذار/مارس 2026.

وترى الدراسة أن انتقال هذه الأسر إلى مخيم آخر يكشف أحد أبرز تحديات سياسة إغلاق المخيمات، إذ إن إنهاء موقع الهول لا يعني بالضرورة إنهاء حالة النزوح أو الاعتماد على المساعدات.

وتحذر من أن نقل الأسر إلى مواقع جديدة من دون تأمين السكن المستقر والوثائق والخدمات وسبل العيش وحرية الحركة قد يحول إغلاق المخيم إلى مجرد نقل للهشاشة الإنسانية من مكان إلى آخر.

الخروج من الهول لا يعني انتهاء الأزمة

واجه السوريون الذين غادروا الهول، حتى قبل إغلاقه، مسارات مختلفة للخروج، شملت التهريب، والكفالات العشائرية، والطلبات الرسمية التي كانت تخضع لتدقيق أمني.

لكن امتلاك القدرة على مغادرة المخيم لم يكن يعني انتهاء المشكلات.

وتشير الدراسة إلى أن العائدين واجهوا نقصاً في السكن، وفقدان الوثائق المدنية، وصعوبات في تسجيل الولادات والزواج، وقلة فرص العمل والتعليم، ونقص الدعم النفسي، فضلاً عن وصمة اجتماعية لاحقت بعض الأسر بعد عودتها.

وبحسب الدراسة، فإن قياس نجاح العودة لا ينبغي أن يعتمد على عدد الأشخاص الذين خرجوا من المخيم، وإنما على قدرتهم على الحصول على الوثائق والسكن والخدمات والعمل والقبول الاجتماعي والاستقرار.

وتحذر الدراسة من التعامل مع جميع سكان الهول باعتبارهم فئة أمنية واحدة، مشيرة إلى أن النساء والأطفال شكلوا نحو 90 بالمئة من سكان مخيمي الهول وروج، بينما شكل الأطفال قرابة ثلثي السكان، وفق تقديرات اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تستند إليها الدراسة.

“لا مخيمات 2026”.. هل تتحول السياسة إلى عودة دائمة؟

وتتناول الدراسة سياسة الحكومة السورية “لا مخيمات 2026″، التي تهدف إلى الانتقال من النزوح طويل الأمد داخل المخيمات إلى السكن المستقر والخدمات وسبل العيش في مناطق العودة والاستضافة.

وترى أن هذه السياسة يمكن أن تشكل تحولاً مهماً إذا قادت إلى حلول دائمة، لكنها تحذر من تحولها إلى مجرد إغلاق إداري للمخيمات، إذا نُقلت الأسر إلى مواقع أخرى أو تركت من دون أوراق ثبوتية أو مساكن مناسبة.

وتوصي الدراسة، في الحالة السورية، بالحفاظ على سجلات سكان المخيم وتوثيق المغادرين والمنقولين، وحماية الملفات والوثائق والأدلة، ومنع حالات الاختفاء والاتجار بالبشر، وضمان عدم تحول إغلاق المخيم إلى نزوح قسري جديد أو شكل آخر من الاحتجاز غير المستند إلى أساس قانوني.

كما تدعو إلى إنشاء سجل موحد يربط بيانات الهول وروج ومراكز الاحتجاز ومراكز استقبال العائدين، مع متابعة الأسر بعد العودة من حيث السكن والتعليم والعمل والخدمات والاندماج.

العراق.. عودة أكثر من 21 ألف شخص

على الجانب العراقي، تصف الدراسة مسار العودة بأنه الأكثر تنظيماً بين مسارات الخروج من الهول وروج.

وبين أيار/مايو 2021 وشباط/فبراير 2026، عاد إلى العراق أكثر من 21 ألفاً و500 شخص عبر 35 عملية نقل منسقة.

وخضعت عائلات كثيرة لمراكز استقبال وتأهيل، بالتزامن مع إصدار وثائق مدنية وتقديم دعم قانوني ونفسي واجتماعي.

لكن العودة لم تخلُ من التحديات، إذ واجهت الأسر مشكلات تتعلق بتسجيل الأطفال والتعليم والوثائق، إضافة إلى رفض بعض المجتمعات استقبال عائلات يُنظر إليها على أنها كانت مرتبطة بتنظيم “داعش”.

وترى الدراسة أن التجربة العراقية تؤكد أن إعادة المواطنين إلى بلادهم ليست سوى الخطوة الأولى، وأن التحدي الحقيقي يكمن في منع تحول العائدين إلى مجموعات معزولة اجتماعياً واقتصادياً.

5704 محتجزين.. ملف مختلف

وتفصل الدراسة بين سكان المخيم وبين الأشخاص المحتجزين في سجون ومراكز احتجاز منفصلة في شمال شرقي سوريا.

وبحسب الأرقام الواردة فيها، نُقل 5704 محتجزين من 61 جنسية إلى العراق خلال عام 2026، بينهم 467 عراقياً و4253 من مواطني الدول العربية، من ضمنهم 3543 سورياً، إضافة إلى 983 أجنبياً غير عربي.

وترى الدراسة أن نقل المحتجزين خفف مخاطر اقتحام السجون أو فرار المحتجزين، لكنه نقل في المقابل العبء إلى النظام القضائي العراقي، وفتح أسئلة تتعلق بالاختصاص القضائي والأدلة وضمانات المحاكمة العادلة.

وحتى الأول من آب/أغسطس 2026، كانت إجراءات التحقيق والمساءلة قد استُكملت في 4872 ملفاً فردياً، من دون إعلان رسمي شامل عن الأحكام النهائية بحق جميع أفراد المجموعة، بحسب الدراسة.

إغلاق المخيم لا يعني إغلاق الملف

تخلص الدراسة إلى أن إغلاق الهول لم يُغلق أزمته، وإنما نقلها من موقع واحد إلى مجموعة من الملفات الموزعة بين سوريا والعراق ودول أخرى.

وفي الحالة السورية، تبدو قضايا الوثائق والسكن والتعليم والعمل والخدمات والاندماج من أبرز التحديات التي ستحدد ما إذا كانت سياسة “لا مخيمات” ستقود إلى عودة مستقرة، أم ستنتج أشكالاً جديدة من النزوح.

وبذلك، فإن نجاح إغلاق المخيم لا يقاس باختفاء الخيام أو انخفاض أعداد سكان الهول، وإنما بما إذا كان الخارجون منه قد انتقلوا فعلاً إلى حياة مستقرة وآمنة، مع امتلاكهم الوثائق والمسكن ومصدر الدخل والخدمات الأساسية.

فالاختبار الحقيقي لمرحلة ما بعد الهول، وفق خلاصة الدراسة، ليس **إغلاق المخيم فقط، بل إغلاق ملف النزوح المرتبط به بصورة نهائية.

شاهد أيضاً

40 مليون ليرة قسط بعض المدارس الخاصة في دمشق.. التعليم يتحول إلى عبء على الأسر

تصل أقساط بعض المدارس الخاصة في دمشق إلى نحو 40 مليون ليرة سورية سنوياً للطالب …

استثمارات جديدة تنعش التجارة الإلكترونية في سوريا.. هل يصبح الاقتصاد الرقمي محركاً للنمو؟

يشهد قطاع التجارة الإلكترونية في سوريا اهتماماً متزايداً في ظل توجه البلاد نحو تعزيز الاقتصاد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *