شهدت العاصمة دمشق، الثلاثاء، محطة جديدة في مسار العلاقات السورية الفرنسية، مع إشراف الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون على توقيع حزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تؤسس لشراكة استراتيجية بين البلدين، في وقت أعلنت فيه وزارة الداخلية السورية أن التفجيرين اللذين وقعا في العاصمة استهدفا الطوق الأمني المكلف بحماية الرئيس الفرنسي، مؤكدة أن الهجوم لم يحقق أهدافه وأن التحقيقات أحرزت تقدماً في تحديد منفذيه.
وجرت مراسم التوقيع في قصر الشعب بحضور كبار المسؤولين من الجانبين، حيث وقع وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني ونظيره الفرنسي جان نويل بارو إعلان إطار التعاون الشامل بين سورية وفرنسا، إضافة إلى إعلان نوايا للتعاون بشأن استعادة الأموال المنهوبة المنسوبة إلى رفعت الأسد، في خطوة تعكس توجهاً لتعزيز التعاون القانوني والقضائي بين البلدين.
كما وقع رئيس الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية قتيبة بدوي والرئيس التنفيذي لمجموعة “CMA CGM” الفرنسية رودولف سعادة إعلان شراكة استراتيجية في مجالات النقل البحري والجوي والخدمات اللوجستية، بما يمهد لتوسيع الاستثمارات الفرنسية في قطاع النقل والمرافئ، ويعزز موقع سورية كمركز إقليمي لحركة التجارة والخدمات اللوجستية.
وفي الجانب الاقتصادي، أكد وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار أن الحكومة السورية تتطلع إلى حضور فرنسي فاعل في قطاعات الصناعة والنقل والبنى التحتية والتعليم والصحة، مشيراً إلى أن دمشق تبنت نهجاً اقتصادياً يقوم على المنافسة والانفتاح على الاقتصاد العالمي، بما يتيح فرصاً أوسع للاستثمار الأجنبي ونقل الخبرات.
من جهته، وصف رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي اللقاء بأنه يمثل نقطة تحول في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، مؤكداً أن الاتفاقات الموقعة تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكات الاستثمارية، وتفتح الباب أمام مشاريع في قطاعات متعددة.
بدوره، أعلن الرئيس التنفيذي لمجموعة “CMA CGM” رودولف سعادة إعادة تفعيل العمل في مرفأ اللاذقية، مشيراً إلى وجود مباحثات بشأن مشاريع إضافية في مجالات النقل والخدمات اللوجستية، بما يعكس اهتمام المجموعة بتوسيع استثماراتها في السوق السورية خلال المرحلة المقبلة.
وتأتي هذه الاتفاقات في وقت تسعى فيه الحكومة السورية إلى جذب استثمارات خارجية وإعادة تنشيط قطاعات النقل والبنية التحتية، مستفيدة من الانفتاح السياسي والاقتصادي المتزايد مع عدد من الدول الأوروبية والعربية.
بالتزامن مع الزيارة، أعلنت وزارة الداخلية السورية أن التفجيرين اللذين وقعا في دمشق استهدفا الطوق الأمني المكلف بحماية الرئيس الفرنسي خلال زيارته الرسمية، إلا أن العبوات الناسفة لم تتمكن من اختراق الطوق الأمني أو التأثير على برنامج الزيارة.
وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، خلال مؤتمر صحفي من موقع الانفجار، إن التحقيقات التي تجريها قيادة الأمن الداخلي بالتعاون مع الشرطة الجنائية توصلت إلى “رأس خيط” يقود إلى منفذي الهجوم، موضحاً أن العبوات الناسفة زُرعت قبل دقائق من وقوع الانفجار، وأن السلطات تتوقع إلقاء القبض على المتورطين خلال وقت قريب.
وأضاف البابا أن الهجوم استهدف العلاقات السورية الفرنسية أكثر من استهدافه شخصيات بعينها، معتبراً أن توقيته تزامن مع حدث سياسي واقتصادي مهم يعكس تطور العلاقات بين دمشق وباريس. كما أشار إلى أن سورية قد تتعرض لمحاولات إرهابية بسبب دورها في مكافحة الإرهاب، وأن هناك أطرافاً تسعى إلى جر البلاد نحو صراعات إقليمية، مؤكداً أن المواقع السيادية لم تكن هدفاً للهجوم، وأن الانفجار وقع عند أطراف الطوق الأمني.
وأثارت التفجيرات إدانات عربية واسعة، إذ أعربت وزارة الخارجية السعودية عن استنكارها الشديد للهجوم، مؤكدة رفض المملكة لجميع الأعمال الإرهابية التي تستهدف زعزعة أمن واستقرار سورية، ومجددة وقوفها إلى جانب دمشق، مع تمنياتها بالشفاء العاجل للمصابين.
كما دانت وزارة الخارجية الأردنية التفجيرين، مؤكدة تضامن المملكة الكامل مع الحكومة والشعب السوري، ورفضها جميع أشكال العنف والإرهاب التي تستهدف الأمن والاستقرار، مشددة على دعم الأردن لجهود سورية في حفظ أمنها واستقرارها، ومتمنية الشفاء العاجل للمصابين.
وتعكس الزيارة الفرنسية إلى دمشق، وما رافقها من توقيع اتفاقيات استراتيجية وإعلانات استثمارية، توجهاً نحو إعادة بناء العلاقات الثنائية على أسس سياسية واقتصادية جديدة، في وقت تؤكد فيه الحكومة السورية أن تعزيز الشراكات الدولية والانفتاح الاقتصادي يشكلان أحد أبرز مرتكزات المرحلة المقبلة، رغم التحديات الأمنية التي ما تزال تواجهها البلاد.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث