الرئيسية / منوعات / ميديا / مواد ميديا مختارة / صبا العبدو.. موهبة لم تمنعها الإعاقة من النجاح

صبا العبدو.. موهبة لم تمنعها الإعاقة من النجاح

نايف البيوش

لم تتردد الشابة صبا العبدو العشرينية النازحة من قرية تلمنس في ريف إدلب الجنوبي والمقيمة في مخيمات سرمدا شمال إدلب، عن إيجاد فكرة عمل وإظهار إبداعها في خياطة فساتين الحفلات رغم إعاقتها المتمثلة ببتر في ساقها اليمنى جراء القصف الذي طال قريتها أواخر عام 2017.

الظروف الصعبة التي تمر بها مع عائلتها المؤلفة من والدتها ووالدها المريض بالديسك وأخواتها الثلاثة وسط الفقر والغلاء وقلة فرص العمل دفعها للبحث عن مورد يؤمن لها دخل ثابت ويساعدها وأهلها على تغطية بعض النفقات.

خبراتها السابقة والقليلة في الخياطة دفعت صبا لتوظيف مهارتها في هذا المجال، وتطوير ذاتها من خلال البدء بإجراء تجارب على مكنة أمها المتواضعة، لتتمكن بعد المتابعة عبر قنوات اليوتيوب من تطبيق ماتعلمته عبر خياطة أحدث القصات والفساتين المميزة.

روت صبا لصدى الشام أنه كان عليها” الخروج من واقع الإعاقة الذي راح يدمرني يوماً بعد يوم، عدم قدرتي على متابعة دراستي بعد بتر قدمي كان له وقع كبير في نفسي وخاصة وأنني كنت أحلم أن أحقق شيئاً من أحلامي الدراسية التي قضت الإعاقة عليها بلا رحمة”.

مايزال مشهد صعق صبا بخبر بتر ساقها وإصابتها بالعجز وتوقفها عن متابعة مسيرتها التعليمية عالق بذهنها ويمنعها عيش حياتها الطبيعية وخاصة بعد النزوح الذي زاد الوضع سوءاً وأصبح معه الأمر أكثر تعقيداً.

وبين طرق مغمورة بمياه الصرف الصحي وخيم بالية وغير كافية للحماية من عوامل الطقس، وفي خيمتها التي تحيطها الأوحال، ونظرات الجارات المثيرة للشفقة لها، استطاعت صبا أن تخلق عملاً.

لمعت الفكرة في رأس صبا أثناء زيارة إحدى النساء الباحثات عن المهارة والتميز في صنع فساتين الحفلات لمخيمهم، وسارعت صبا منذ ذلك الحين للحصول على رقم التواصل مع السيدة لتفاجئها فيما بعد بإرسال صور وفيديوهات لأجمل الفساتين والموديلات، وهو ماخلق تشبيك وتعاون بين الطرفين وعقود عمل ثابرت صبا على الحفاظ عليها بجهدها وإبداعها.

تقول صبا أن تعلم الخياطة على مكنة قديمة ويدوية بلا دورات سابقة لم يكن سهلاً، ولأنها كانت تملك بعض الأساسيات التي تعلمتها من خالتها أثناء زيارتها لها، استطاعت أن تشق طريقها وتبدأ مشروعها، غير آبهة بإعاقتها ووقوفها في وجه تطوير ذاتها.

حصلت صبا على مزيد من الدعم المالي من عملائها وبدأت بتأمين كافة متطلبات العمل، المؤلفة من أقمشة وخيوط واكسسوارات، ووظفت مهارتها في الرسم بتصميم الكثير من الموديلات الحديثة والمميزة.

إقامة صبا داخل خيمة قماشية صغيرة لا تتعدى الخمسة أمتار وعدم قدرة أهلها المادية على شراء طرف لها شكل تحدي لها بكسر العزلة والخروج من الواقع المؤلم حين بدأت مشروعها الصغير بمساعدة أخواتها وأمها وأبيها، وراحت تحول قطع القماش لفساتين نالت إعجاب الكثيرين.

تقول والدة صبا وتدعى أمل الراشدي الأربعينية أنها كانت عاجزة عن تأمين احتياجات صبا حتى الأساسية منها نتيجة حالة الفقر المدقع التي يعيشونها داخل مخيمات النزوح، وهو ما كان يحز في نفسها طوال الوقت.

وأضافت أنها فوجئت حين رأت صبا تبدع في تعلم مهنة خياطة فساتين الحفلات وهي من أصعب أنواع الخياطة وأكثرها حاجة للدقة والفن والإبداع وتعدد المهارات في التصميم والتطريز، وبدأت عملها باستخدام الأقمشة الغير مهمة في الخيمة ليتركز دورها على تشجيعها وتحفيزها على العمل والمتابعة وعدم الاستسلام للصعوبات التي واجهتها.

وأشارت إلى أن مشروع صبا ساهم في إيجاد فرصة عمل ليس لصبا وحدها بل للعائلة كلها حين تقاسموا الأدوار، وبدأوا بالتعاون عبر تنفيذ المهام الموكلة إليهم من صبا التي راحت تشرف وبشكل تسلسلي على سير العمل ووضع لمساتها عليه.

وأكدت والدة صبا على أن المشروع راح يأمن لهم مصدر دخل رغم بساطته وقلة الإمكانيات المتاحة ، كما مكن صبا من شراء طرف صناعي وبعض اللوجستيات ما ساهم في تحسين حالتها النفسية بشكل كبير.

سارة الأسود ( 42عاماً) تشتري ما تنتجه صبا من الفساتين لتعرضها في محلها التجاري، وتدفع مقابل كل قطعة مبلغاً لا يقل عن (100 دولار) وهي تعلم جيداً أن ما تنتجه صبا يأخذ منها الكثير من الوقت والجهد والدقة.

تسعى الأسود للحصول على أفضل البضائع وتعاملها التجاري مع صبا لا علاقة له بالاستعطاف أو الشفقة لحالها وإنما لحسها الفني وعملها المتقن والجميل على حد وصفها.

من جهتها، قالت المرشدة النفسية والاجتماعية لينا الكردي( 36عاماً)، لصدى الشام إن إعاقة النساء تشكل عاملاً أساسياً للاضطرابات النفسية، بسبب الشعور بالخسارة والفقدان وخذلان المجتمع والعجز عن الرعاية الذاتية، وخاصة في ظروف مأساوية يسودها الفقر والنزوح وقلة الرعاية الصحية والنفسية.

وأوضحت أن من أكثر المشكلات النفسية تأثيرًا على ذوات الإعاقة، الشعور بالنقص، وعدم القدرة على القيام بأي عمل والتوتر الداخلي، وعدم الاتزان الانفعالي، نتيجة سيطرة الإعاقة، والإحساس بالدونية، والانطوائية، وعدم إمكانية الاعتماد على النفس.

وهنا أكدت المرشدة أهمية تفعيل دور الأسرة والمجتمع تجاه ذوات الإعاقة، عبر توفير البيئة التي تناسب إعاقاتهن، والعمل على تنمية مواهبهن والمساعدة في تحقيق طموحاتهن وتأمين برامج علاجية وخلق فرص عمل عبر التمكين والتشجيع المستمر.

وتواجه النساء من ذوات الإعاقة ظروفًا قاسية خلال السنوت الأخيرة، إذ تضاعفت الأعداد جراء القصف وعمليات النظام العسكرية، وزادت احتمالية تعرض الحالات للإهمال.

ولعبت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وتدني مستوى الرعاية الصحية في مخيمات النزوح، شمال غربي سوريا، هي الأخرى دورًا فاقم معاناة المرأة المصابة بالإعاقة، سواء قبل أو خلال الحرب.

ولا تتوفر أرقام رسمية دقيقة تحصي النساء المصابات بالإعاقة في إدلب، لكن القصف الذي تتعرض له المناطق المأهولة، ووقوع جرحى وقتلى، يسهم بالضرورة في زيادة أعداد المصابات.

ووفق ما ذكرته منظمة “هيومن رايتس ووتش” عبر تقريرها الصادر في 8 من أيلول 2022، استنادًا إلى أرقام أممية، فإن لدى نحو 28% من السوريين إعاقة، أي حوالي ضعف المعدل العالمي.

وبحسب التقرير، تتراوح الأسباب بين إصابات الحرب وعدم تلقي الرعاية والخدمات، وغالبًا ما يكافح ذوو الإعاقة في سوريا للفرار من الهجمات، ولا سيما بسبب الافتقار إلى الأجهزة المساعدة، أو التحذيرات المسبقة الفعالة

 

تم إنتاج هذه المادة من خلال مشروع ربط طلاب الإعلام بسوق العمل الحائز على جائزة (ivlp impact) ضمن مشروع الزائر الدولي التابع لوزارة الخارجية الأميركية”.

شاهد أيضاً

مفهوم الشك وعلاقته بالحياة البشرية

الشك هو حالة عدم اليقين أو الريبة التي يشعر بها الشخص تجاه شيء ما، يُعتبر …

الملحق الخاص بسوريا للنسخة الثانية من البروتوكول الدولي لتوثيق وتقصي العنف الجنسي في النزاع

الإعداد تم إعداد البروتوكول من قبل منظمة سينرجي من اجل العدالة بالتعاون المنظمات السورية الشريكة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *