الرئيسية / منوعات / منوع / البدانة في فرنسا… فتّش عن مستوى المعيشة

البدانة في فرنسا… فتّش عن مستوى المعيشة

في عام 2005، نشرت الكاتبة الفرنسية ميراي غويانو كتاباً بعنوان “الفرنسيات لا يُعانينَ من السمنة”. بدأت فكرة الكتاب بعد عودتها من إقامة عمل طويلة في الولايات المتحدة الأميركية إلى العاصمة باريس. انتبهت إلى الوزن الزائد الذي راكمته في جسدها خلال تلك المدة، إضافةً إلى ملاحظتها أن النساء الأميركيات اللواتي تعرفت إليهنّ كنّ مهووسات بتطبيق الحميات الغذائية بهدف الوصول إلى أجساد نحيفة.

لكن المفارقة كانت بأن هؤلاء أنفسهنّ لم يكنّ بالنساء النحيفات (وفق تعريفهنّ الخاص)، أي إنهنّ لم يصلن إلى الجسد الذي يسعينَ إليه. لهذا قرّرت استعراض تجربتها كامرأة (من أصل فرنسي)، لطالما سئلت عن كيفية محافظتها على وزنها، هي و”جميع الفرنسيات”؛ فاستعانت بالصورة النمطية الراسخة عن كون المرأة الفرنسية ذات جسد نحيف، لتنشر أسرار الحفاظ على الرشاقة.

حقّق كتاب غويانو نجاحاً كبيراً في وقت قياسي، وبيع منه أكثر من 3 ملايين نسخة، فضلاً عن ترجمته إلى 37 لغة حول العالم. نجح الكتاب في فهم متطلبات السوق، خصوصاً أنه لم يتردّد في ترسيخ الصورة النمطية عن الفرنسيات. ولكن، هل هذه هي فعلاً الصورة الواقعيّة؟ وماذا تقول الأرقام عن السُّمنة في فرنسا، البلد الذي في كل حديث تُلصَق كلمة “عود ممشوق” بمواطنيه؟
جاءت نتائج آخر الدراسات معاكسةً لكل ما سبق. السُّمنة والوزن الزائد مشكلة صحية عامة، ترتفع أرقامها بنحو تصاعديّ ومقلق في فرنسا. في نهاية شهر فبراير/ شباط، أعلنت مجموعة من الباحثين نتائج دراسة دورية يقومون بها منذ نهاية التسعينيات لقياس ومراقبة تطوّر السُّمنة وزيادة الوزن عند الفرنسيين. وفقاً لهذه الدراسة، تبيّن أن ما يُعادل نصف عدد الفرنسيين الراشدين (47 في المائة) يتجاوز وزنهم أكثر بكثير ما يوصي به الأطباء. بينما يُعاني 17 في المئة من السُّمنة، أي إنهم تجاوزوا الوزن الزائد، ليصلوا إلى مرحلة أكثر تعقيداً وحساسية. في الخلاصة، في فرنسا من بين كل شخصين، يوجد شخص يُعاني من مشكلة الوزن الزائد.

يتركّز أكثر من 20 في المائة من أصحاب الوزن الزائد في منطقتين فرنسيتين معروفتين بوضعهما الاقتصادي والاجتماعي الصعبين

في أغلب الأحيان، يُحمَّل الأفراد مسؤولية وزنهم الزائد، أو وصولهم إلى مرحلة السُّمنة، وكثيرة قصص التنمّر وعبارات “لا تملكون الإرادة” أو “توقفوا عن تناول الطعام، بسيطة”. ولكن هذه الدراسة، عادت وأكّدت ما طالما أشار إليه الكثير من العاملين في مجال الصحة العامة، وهو الرابط بين زيادة الوزن غير الصحي ومستوى المعيشة؛ إذ يتركّز أكثر من 20 في المائة من أصحاب الوزن الزائد في منطقتين فرنسيتين معروفتين بوضعهما الاقتصادي والاجتماعي الصعبين. وخلال المؤتمر الصحافي الذي عُقد لإعلان نتائج الدراسة، أكّدت آنيك فونتبون، الباحثة في المركز الوطني للصحة والبحوث الطبية الفرنسية، أنّ المشكلة ليست مشكلة إدمان الطعام غير الصحي، ولكن لا يملك كثيرون خياراً سواه، لأنه الأرخص ثمناً. وهذا ما تبيّنه الدراسة في تحليلها طبيعة عمل ومستوى دخل أصحاب الوزن الزائد، العاملين في وظائف إدارية، وهم غالباً ذوو دخل مرتفع، يتبيّن أنهم أقل تضرّراً من مشكلة الوزن الزائد من الموظفين العاديين والعاملين بأجور منخفضة.
كانت الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال قد نشرت، خلال شهر يناير/ كانون الثاني، ورقة بحثية تحتوي على إرشادات شاملة لتقييم السُّمنة ومعالجتها عند الأطفال والمراهقين. أُجريت الدراسة على حوالى 14 ألف شخص، وغالباً ما تحدّثت العائلات التي يعاني أحد أولادها من السُّمنة عن تنمّر الأطباء على الأمهات، والسخرية منهنّ لشرائهن منتجات غذائية مصنّعة بدلاً من شراء الخُضَر الطازجة. وتشير الدراسة إلى أهمية الأخذ بالاعتبار العوامل الاقتصادية والاجتماعية، وحتى العنصرية، بالاعتبار لفهم مشكلة السُّمنة.

في فرنسا، كانت الفئة العمرية الأقل تضرّراً من مشكلة الوزن، فئة الشباب من عمر 18 إلى 24 سنة. ولكن ما يُثير القلق، أن انتشار الوزن الزائد عند هذه الفئة ارتفع من نسبة 2.1 في المائة في عام 1997، ليصل إلى 9.2 في المائة في عام 2020. يُلقي المختصون وعلماء الاجتماع بالمسؤولية على مجموعة من العوامل، منها تحوّلات نمط الحياة والانتقال إلى عالم رقمي لا يتطلّب الحركة أو الجهد الجسدي، وتوافر الطعام المُصنّع والسريع بشكل كبير… وهذه عوامل لم يساعد الحجر الصحي خلال عامين في الحدّ منها، بل على العكس، كان لانتشار الوباء والبقاء في المنازل لفترات طويلة دور كبير في تعزيزها وتكثيفها لتصير نمط حياة.

في هذا الوقت، يتخوّف الفرنسيون من عملية “أمركنة” المجتمع التي تسير بخطى متسارعة.
محلات “الفاست فوود”، التي هي في أغلبها فروع لمؤسسات أميركية، تتزايد أعدادها وتنتشر كثيراً في فرنسا. وفي دراسة أجرتها مؤسسة فرنسية لجمع البيانات عن استهلاك الغذاء خارج المنازل، يتبيّن أن عدد محلات الأطعمة السريعة ارتفعت من 38 ألف مؤسسة في عام 2019، إلى 45 ألفاً في عام 2022.
يشير تقرير الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال، في بداية هذا العام، إلى أن تجارب “وصمة العار، الإيذاء، المضايقات أو التنمّر”، جميعها تحدّيات مركزية يواجهها الأطفال الذين يملكون أجساداً أكبر من غيرهم. وهي تجارب تساهم أساساً في استمرار اضطرابات الأكل، وتترك أثراً على الصحة النفسية. وهذا يطاول أيضاً العاملين في مجال الرعاية الصحية، الذين يُمارسون التمييز تجاه من يعانون من السُّمنة، بنحو يضرّ بجودة الرعاية المقدّمة، ويؤدي إلى أمراض أخطر قد تصل إلى حدّ الموت.

المصدر: العربي الجديد

شاهد أيضاً

لأمعاء صحية وجسم مرتاح.. إليك هذه النصائح

لا شك في أن أمراض المعدة الحساسة باتت الأبرز في عصرنا هذا، لذلك قدم أحد …

“ريزر” تطلق لوحة مفاتيح ميكانيكية لعشاق الألعاب

أطلقت شركة “ريزر” لوحة المفاتيح الميكانيكية “بلاك ويدو في 4 75%” (BlackWidow V4 75%) الجديدة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *