الرئيسية / مجتمع واقتصاد / مجتمع / مواد مجتمعية مختارة / التعنيف النفسي يلاحق النساء السوريات إلى تركيا

التعنيف النفسي يلاحق النساء السوريات إلى تركيا

صدى الشام

لعل تركيا كانت الوجهة الأفضل للكثير من السوريات للهرب من آلة البطش في سوريا والعادات المجتمعية السائدة، ولكنها وبعد أن كانت ملاذاً للكثير منهن، لاحقتهن تلك العادات ليفاقمها في السنوات الأخيرة تصدر خطاب الكراهية المشهد التركي وتأثيره على السوريين ككل، وكانت النساء السوريات الضحايا الأكثر تأثرا بالضغوط التي خلفها الصراع السياسي في البلاد وانعكاسه على المجتمع.

تقول صفاء محمد البالغة من العمر 30 عاماً، وتقيم في مدينة أضنا التركية لـ ‘‘ صدى الشام ‘‘ : لطالما كنا نعيش كنساء في ما يشبه الأسر لأنّه وبالنسبة للمجتمع كل ما فينا عورة حتى أسمائنا، يخشى الرجال أن يرانا أحد، أو حتى أن يُسمع صوتنا، ولكن وبعد قدومنا لتركيا كان صوت حال جميع النساء ‘‘ لعلنا نجد هنا راحة ‘‘، ولكن الأحلام لم تكن تشبه الواقع، أعيش محاولةً الاختباء من الناس في الخارج، لتجنب أي موقف يمكن أن يقال لي فيه أني سورية وتتكرر الديباجة الشهيرة التي يهاجموننا فيها ولا نملك إلا أن نتلعثم بلغتهم محاولين تبرئة أنفسنا.
وتتابع : رغم كل محاولاتي للنأي بنفسي، إلا أن الخوف يجبرني على التلفت من حولي إن كان هناك من ينظر إلي نظرة الازدراء تلك من قبل المجتمع التركي، وحصلت على نصيبي من المواقف التي جعلت كل ما أسعى إليه الآن هو الفرار من هذا المكان، أحدها حدث لي عندما كنت ذاهبة إلى دائرة الهجرة لتحديث بياناتي وكنت أحمل طفلي البالغ من العمر سنتين، صعدت إلى باص الدولة وكان الناس ينظرون إلي وإلى طفلي باستهجان، انتظرت حتى فرغ مكان وهممت بالجلوس ولكن سيدة تركية صرخت في وجهي ‘‘ ابتعدي من هنا ستجلس ابنتي في هذا المكان ‘‘، حاولت أن أناقشها في الأمر وأوضح أنني أحمل طفلي على يدي منذ وقت طويل وأنّي أشعر بالتعب، ولكنها رفضت بشدة وأصرت على جلوس ابنتها البالغة من العمر سبع سنوات فقط، وبقيت واقفة على الأقدام حتى وصولي منتظرةً أن يبادر أحد الصامتين عن تصرفها لإعطائي مكانه، ولكنهم اكتفوا بعبارة ‘‘ لا تصطنعي المشاكل هنا‘‘.

وتضيف محمد: نخشى المرض، وهذا ليس بسبب أعراضه أو ما قد يسببه لنا من أثار جسدية، إنما خشية الذهاب إلى المشافي التركية، بسبب معاملتنا هناك على أننا بشر من نوع رديء أو أننا عبئ لا يطاق من قبل العاملين أو المراجعين على حدٍ سواء، في أحد المرات ذهبت رفقة والدتي إلى المستشفى لإجراء بعض الفحوص اللازمة، وكان المكان يعج بالمراجعين والمرضى وانتظرنا دورنا ما يقارب الساعتين إلى أن سألتنا امرأة مسنة ‘هل أنتم سوريون؟‘، فجاوبتها بنعم، وبدأ كل من في المكان يلقي ما في جعبته من عبارات توبيخية مثل ‘ لقد انتهت الحرب في بلدكم، لماذا لا تذهبون؟‘ و ‘يجب أن تنتظروا حتى يدخل جميع الأتراك، ثم تدخلون فهذا بلدنا‘ والكثير من العبارات التي أتجنب محاولة تذكرها، فما كان منّا إلا أن تركنا دورنا وعدنا إلى البيت نجر كرامتنا معنا، للبحث عن مركز أو طبيب سوري.

بينما تعارض تلك العبارات المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تنص على: لكلِّ فرد حقُّ التماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتُّع به خلاصًا من الاضطهاد.

 

المحامية السورية نجلاء حمال

فيما تشير المحامية السورية نجلاء حمال أنه وعلى الرغم من أن القانون التركي عموماً وقانون حماية المرأة من العنف على وجه الخصوص يقدم الحماية للمرأة في تركيا والذي يطبق على المرأة السورية كلاجئة إلا أنها لا تزال تعاني من حالات العنف بكل انواعه لأسباب تتعلق بعدم معرفتها الكافية بالقوانين التي تحميها في تركيا بالدرجة الأولى و بالتالي ضياع حقوقها و لهذا السياق أسباب عديدة، اضافة الى الظروف المتدهورة التي وجدت نفسها فيها والتي ادت الى اضطرارها للعمل بجهد كبير وأجر منهار القيمة ودون حصولها على إذن عمل بسبب عدم امتلاكها للمؤهلات المهنية الكافية للعمل المناسب، وهذا ما جعلها بعيدة عن الحماية القانونية.

وتضيف: أيضاً الزواج غير الرسمي والذي يكون إما بسبب كونها زوجة ثانية أو بسبب نقص في الاوراق وصعوبة الحصول عليها من سورية مما يؤدي الى ضياع حقوقها كزوجة ومواجهتها للعديد من المشاكل المادية والاجتماعية والنفسية، كما أنه في حال تم ترحيل معيلها لسبب ما، هنا وبشكل مفاجئ ستكون مضطرة أن تلعب دور المعيل لنفسها ولأسرتها.

وترفد حمال: لا تزال المرأة السورية تحت ضغط مجتمعي يمنعها من الشكوى في حال تعرضها للعنف وهو ما يعرف بالعنف القائم على النوع الاجتماعي حتى مع وجودها في بيئة مجتمعية حققت نجاحا في هذا المسار.

فيما ترى حمال أن التوعية القانونية إضافة للتوعية الاجتماعية سيخفف الى حد ما من هذه القضايا، والتي تعمل عليها بعض المنظمات، ولكن الامر بحاجة لتضافر الجهود بعمل تشاركي ليحقق النتائج المطلوبة.
وتضيف حمال: يوجد العديد من المراكز التي تعمل بفعالية في سبيل إنهاء العنف ضد المرأة، منها مركز أمل للمناصرة والتعافي الذي يعمل على الدعم القانوني والنفسي، ومنظمة DRC، والعيادة القانونية في انطاكيا.

 

المحامي السوري زكريا الحراكي

وفي حديثه لـ ‘‘صدى الشام ‘‘، يشير المحامي السوري زكريا الحراكي إلى أنه لم يفرد ضمن القوانين السورية قانون أو مرسوم خاص بالعنف النفسي ضد النساء، إنما كان هناك إعداد مشروع تحت مسمى قانون الحماية من العنف الأسري بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة بعام 2007، ولكن الأمر لم يتم.

ويضيف الحراكي: إذ كان العنف النفسي هو كل شكل من أشكال الاعتداء أو الانتهاك العاطفي بحق شخص ما، كالاعتداء اللفظي أو الشتم أو الترهيب والتهديد، فإننا نرى ان هناك الكثير من المواد القانونية ضمن قانون العقوبات السوري التي تجرم من أقدم على أحد هذه الأفعال، وتشدد العقوبات إذا كانت الضحية امرأة أو قاصر ولكن الأمر يحتاج إلى اثبات بكافة الأحوال.
ويتابع الحراكي : ويعاقب  قانون العقوبات السوري أيضاً على الجرائم الواقعة على السلامة العامة بالفصل الثاني التعدي على الحقوق والواجبات المدنية، وجرائم الاغتصاب والتعدي على حرية العمل بفصله الرابع، وبالباب السادس يعاقب على الجرائم التي تمس الدين والأسرة ومن ضمنها الجرائم المتعلقة بالزواج مادة 469 والمخلة بآداب الأسرة مادة  473 والتعدي على حق حراسة القاصر 481، وإهمال واجبات الأسرة مادة 487، وهناك الكثير من المواد في قانون العقوبات التي من الممكن الإستناد إليها لمعاقبة من يمارس العنف النفسي ضد المرأة، كالمواد من489 إلى 508 التي تنص على معاقبة مرتكبي الاعتداءات الجنسية والإكراه على الفجور والخطف بالخداع، والمواد من 469 حتى 488 التي تناهض الجرائم التي تمس الأسرة، وهذه المواد تدعم بالمادة 208 التي تنص على انه: تعد وسائل للعلنية 1- الأعمال والحركات اذا حصلت في محل عام ..2- الكلام او الصراخ سواء جهر بهما او نقلا بالوسائل الاليه.. 3- الكتابة والرسوم والصور اليدوية والافلام والشارات  والتصاوير..وكل هذه في حال حدوثها يعتبر القانون بموجب هذه المادة من عناصر الجريمة المادية، ولكن كل هذه القوانين غير كافية، فهي  تحتاج إلى إثبات (أدلة وقرائن وشهود) على الرغم من وقوف الكثير من القضاة إلى جانب الضحية، امرأة كانت أو قاصر في أغلب الدعاوي، فللقاضي الجزائي سلطة تقديرية واسعة للوصول إلى محاكمة عادلة تضمن فيها للضحية حقوقها وتجبر ضررها وتحميها وتحمي المجتمع من مخاطر الجاني.

أما عن الوضع القانوني لحماية المرأة من العنف في تركيا يقول الحراكي: تعنى تركيا بشكل أكبر بحماية المرأة من جميع أشكال العنف، فهناك قانون خاص للحماية من العنف الأسري “قانون حماية الاسرة رقم 4320 الصادر بعام 1998 المعدل عام 2007، وقد انشات في تركيا مراكز لمراقبة ضحايا العنف من النساء وحتى الجناة، تسمى “مراكز مراقبة الأصفاد الالكترونية” حيث يتابعوا فيها الجناة في حال اقتربوا من الضحايا ويقومون بإبلاغ السلطات الأمنية، و لهم سلطة إبعاد الجاني عن منطقة الضحية.

ويرفد: من ضمن حماية المرأة من العنف في تركيا أنشأت الحكومة مكاتب لمكافحة العنف في الأسرة في الكثير من الولايات، ولتسهل وصول الضحايا المعنفين وحصولهن على الدعم القانوني والنفسي وضعت مكاتب داخل أقسام الشرطة، حتى أنها أطلقت في الفترة الأخيرة تطبيق لدعم المرأة يسمى “KADES”، حيث يحق للمرأة تحميله وحال واجهت أي من أشكال العنف من قبل رجل بمجرد أن تضغط زر تتوجه الشرطة إلى موقعها لحمايتها، كما أن للمرأة أن تتطلق من زوجها عبر القانون في حال تم تعنيفها نفسياً من قبله، في حال تعرضت للشتم أوالتعنيف بالصراخ او التقليل من القيمة أو التخويف، وبالطبع هذه القوانين تطبق على السوريين المقيمين في تركيا  كما الأتراك على حدٍ سواء، وأود ان انوه الى أن تركيا كانت قد وقعت في إسطنبول عام 2001، على ” اتفاقية مجلس أوروبا للوقاية من العنف ضد النساء والعنف المنزلي ومكافحتهما”. والعديد من الاتفاقيات الدولية بهذا الخصوص.

 

الأخصائي الاجتماعي عادي قطف

ومن جهته يصف الأخصائي الاجتماعي عادل قطف في حديثه لـ ‘‘صدى الشام‘‘ العنف النفسي ضد النساء بأنه سلوك متجذر في أيديولوجية بعض المجتمعات الذكورية، وشكل من أشكال المعاملة السيئة، عن طريق بث الخوف في نفس المرأة سواء الزوجة أو الموظفة أو الطالبة، من خلال ممارسة أسلوب نفسي بعزلها عن الآخرين، ومحاولة إخضاعها له، والقيام بأشياء للسيطرة عليها أو تعريضها لسلوك صادم وهز ثقتها بنفسها، وجعلها تشعر بأنها عديمة القيمة طوال الوقت، وهو أكثر أشكال العنف انتشاراً خصوصا في المجتمعات العربية، حيث يعتبر بيت الزوجية أكثر الفضاءات احتضانا لممارسة التعنيف النفسي ضد النساء.

وعن الأسباب والدوافع لاستخدام العنف النفسي ضد النساء، يقول قطف: هنالك العديد من العوامل التي قد تساهم وتشجع على ممارسة العنف النفسي ضد النساء منها:

انتشار الممارسات التقليدية أو العُرفية على مستوى واسع في المجتمعات، مما يخلق بيئة للجوء إلى العنف.

الموروث الثقافي السائد في المجتمعات المتمثل في القيم والعادات والتقاليد والأعراف السائدة، والتي تؤكد المكانة الاجتماعية المتدنية للمرأة مقارنة بمكانة الرجل.

لجوء الذكور إلى السيطرة على صنع القرار واحتكاره لهم.

افتقار المجتمعات العربية خصوصا للمساحات الآمنة للنساء والفتيات التي تتيح لهن التواصل بحرية، بالإضافة إلى قيام البعض بتبرير العنف على أنه مرتبط بالإجهاد والغضب والدوافع الجنسية.

تحميل الذنب إلى النساء لعدم إجرائهن أي فعل لمنع إيذائهن.

أما اسباب انتشار ظاهرة العنف بين الأزواج، فإن غياب التناسب والتوافق النفسي والاجتماعي والاقتصادي بين الزوجين هو الدافع الأساسي لتولّد العنف بينهما، ما قد يخلق تنافراً بين الشخصيتين يؤدي بدوره إلى العنف، كما يلعب اختلاف البيئة التي نشأ بها، ومراحل الحياة والتعليم والثقافة والقيم والطباع وأسلوب الحياة دوراً أساسيا في العنف النفسي في الأسرة.

فيما يرى الطبيب النفسي نهاد محمد في حديثه لـ ‘‘صدى الشام‘‘، أن العنف النفسي هو كل ما يتعارض مع حقوق الإنسان من أقوال وأفعال أو ردود فعل وتصرفات مسيئة جسدياً ونفسياً للمرأة، وتتعلق أسبابه بالشخص المعتدي والمجتمع من سرعة انفعال وقلة الانضباط وتقلبات المزاج وكل أنواع اضطراب الشخصية، إضافة إلى الثقافات والعادات الاجتماعية لذلك يكثر في المجتمع الفقير الذي تنتشر فيه المخدرات والانحطاط الاجتماعي.
ويضيف محمد: قد يكون تأثير هذا العنف جسدي نتيجة الاعتداءات الجسدية أو نفسية من عدم الثقة بالنفس والشعور بالدونية وعدم تحمل المسؤولية، وعدم اللجوء للمساعدة والقانون ينعكس بشكل عميق على الأطفال من خلال نشوء جيل يمارس العنف النفسي بكل أشكاله وقسم آخر يتحمل هذا العنف دون تذمر أو احتجاج.

أما سمارة كنان (باسم مستعار) البالغة من العمر 24 عاماً، تخرجت حديثاً من جامعة كريكالة بالقرب من أنقرة، بعد أن عاشت حياة جامعية غلب عليها الخوف من الآخرين أو ما يعرف بالرهاب الاجتماعي، حيث تقول في حديثها لصدى الشام : أصبحت أخشى حتى نفسي حين أتحدث التركية !، تراودني الكثير من الكوابيس ليلاً بأنني أهرب في مدينة كبيرة من جميع الناس، كلهم يريدون إيذائي، وأركض حتى أستيقظ منهكة، وصلت إلى المرحلة الجامعية وكان علي مفارقة أهلي والانتقال للعيش وحيدة في مدينة جديدة بغرض الدراسة، ولكن الواقع كان مختلفاً عما رسمت في مخيلتي، بدأ الأمر حين كنت في الـ‘‘رينك‘‘ وهو الباص المخصص لنقل الطلبة بين الكليات في الجامعة وكان الوقت متأخراً لدراستي ضمن القسم المسائي، استطاعت مجموعة من الشبان تمييزي على أنّي سورية من لباسي، فبدأوا بالنظر إلي والضحك فيما بينهم وقد شعرت بالخوف في نفسي بسبب نظراتهم، ثم اقترب احدهم منّي من بين الزحام بمساعدة أصدقائه محاولاً لمسي، فحاولت الابتعاد ظناً منّي في البداية أن الأمر كان عن طريق الخطأ، ولكنه عاد ليحاول لمس مناطق حساسة من جسدي، لم أكن قادرة على الصراخ أو الاستغاثة خوفاً من ردة فعل الناس أو أن يقفوا ضدي لأنّي سورية فطلبت النزول وهربت من بينهم لأعود سيراً على الأقدام، أذكر أنني بكيت في ذلك اليوم حتى الصباح من الشعور بالعجز والخوف، دون أن استطيع أن أخبر أحد بالأمر.

صورة تعبيرية (الانترنت)

فينا تنص المواد الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على:
المادة 2: لكلِّ إنسان حقُّ التمتُّع بجميع الحقوق والحرِّيات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أيِّ نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدِّين، أو الرأي سياسيًّا وغير سياسي، أو الأصل الوطني، أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أيِّ وضع آخر. وفضلاً عن ذلك لا يجوز التمييزُ على أساس الوضع السياسي، أو القانوني، أو الدولي للبلد، أو الإقليم الذي ينتمي إليه الشخص، سواء أكان مستقلاًّ أو موضوعًا تحت الوصاية أو غير متمتِّع بالحكم الذاتي أم خاضعًا لأيِّ قيد آخر على سيادته.

المادة 3: لكلِّ فرد الحقُّ في الحياة والحرِّية وفي الأمان على شخصه.

وتتابع سمارة: وفي وقت لاحق من نفس العام ذهبت للعمل في أحد المقاهي بالقرب من سكني، ولكن ما أن باشرت بالعمل حتى بدأ صاحب العمل بالتحرش بي ببعض الكلمات والنظرات السيئة، وبدأ يرسلني إلى قسم مغلق من القهوة مخصص للعب الورق حيث يجلس أصدقائه، وشعرت حينها أنّه يتعمد ذلك وأني لست في مكان آمن، فطلبت أجري بعد أن أبديت رغبتي في ترك العمل، ولكنه سرعان ما بدأ بالصراخ والتهجم عليّ حتى أنه امسك برقبتي وكاد أن يخنقني، فهربت من المكان واتصلت بالشرطة والذين بدورهم جاءوا وأخذوني إلى مركز الشرطة وأدليت بإفادة عن الحادثة، فأخبروني أنهم سيهتمون بالأمر وأنهم سيقومون بمنعه من الاقتراب حتى من البناء الذي أسكن فيه، ولكنهم لم يعاودوا الاتصال ولم يدفع أحد لي أجرة عملي.

وفي حديثه لـ ‘‘صدى الشام‘‘ عن الجهود والاتفاقات الدولية للحد من العنف على النساء، يقول الحراكي: أعتقد أن الجهود الدولية لإنهاء العنف ضد المرأة غير كافية أبداً، في حال استعرضنا الكم الهائل من الاتفاقيات والبروتوكولات التي تم إعلانها من أجل المرأة كالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صدر في عام 1966، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في عام 1979 وبروتوكولاتها الاختيارية ال99، والتوصيات الصادرة المعنية بالعنف ضد المرأة في اتفاقية الأمم المتحدة والتي صدرت بروتوكولاتها في العام 1989 واتفاقيات الأمم المتحدة لحقوق ذوي الإعاقة في عام 2006، ومنها أيضاً نظام روما الأساسي بالمحكمة الجنائية الدولية، وغيرها الكثير. كلها حضت على منع العنف ضد المرأة وإدانته، لكن فشلت في حماية المراة السورية من ظلم التي تتعرض له من قبل نظام الأسد، وعلى الرغم من وجود مكاتب الأمم المتحدة على مسافة كيلومترات قليلة من معتقلات النظام لم نرى على ارض الواقع نتائج ملموسة لهذه الاتفاقات ينصف المراة، و ينتج عنها إخلاء سبيل المعتقلات لديه، بل على العكس لاتزال السجون مليئة بالأطفال والنساء اللواتي يتعرضن يومياً للاغتصاب والتعذيب والعنف الجسدي والنفسي، ولا زلنا نعيش قهرالظلم والعجز، حتى فقد الكثير من الشعب السوري الثقة والمصداقية بالامم المتحدة والمجتمع الدولي التي لم تحقق اتفاقياته ولا قراراته ولو بجزء بسيط مما ذكر فيها، فيراها البعض ذات أثر سلبي، واخرين يعتقدون انها داعمه بل وشريكة لجرائم نظام الأسد على شعبه.


وعن المعوقات أمام المرأة في للجوء إلى القانون لحمايتها من أشكال العنف، يضيف الحراكي: الهاجس الأكبر الذي يمنعهن هو الخوف، أوعدم الثقه بإمكانية الحصول على حقوقهم، كما وإن الجهل بالقانون او عدم المعرفة به سبب هام، ولهذا فإن الثقافه والتوعية القانونية تعتبر مسألة مهمة جداً، ونحن نعمل جاهدين، من خلال وسائل التواصل الالكتروني أو عن طريق المحاضرات الفيزيائية، مع بعض الزملاء على التوعية القانونية، بنشرالقوانين التي تهم العموم والحث عل ضرورة امتلاك الثقافه القانونية في المجتمع ليعلم الجميع حقوقه وما عليه من واجبات، فلا جهالة في القانون.

فيما يوضح الأخصائي الاجتماعي عادل قطف تأثيرات العنف النفسي القريبة والبعيدة على النساء والمجتمع، إذ يقول: تكثر الآثار السلبية للعنف النفسي بشكل خاص وللعنف بكافة أشكاله ضد المرأة فجميعها تتشارك في ترك أثر سلبي وتساهم في التقليل من شعورها بقيمتها الذاتية وبالتالي تُضعف من ثقتها بنفسها، ممّا يؤثّر سلباً على صحتها العقلية من خلال تشتيت قدرتها على التفكير السليم، وقد يسبب ذلك القلق أو الاكتئاب المزمن باضطراب ما بعد الصدمة، ما قد يدفعها إلى الجنون أو محاولات الانتحار.

كما أنه قد يؤثر سلبا على السلوك الصحي مثل شرب الكحول أو الإدمان على الأدوية أو تعاطي المخدرات، وعواقب على العلاقات العائلية والاجتماعية مثل الانفصال والعزلة وقطع تلك العلاقات.

ويضيف: بينما تأثيره على المجتمع، فينعكس ذلك العنف سلباً على قدرة المرأة في التصرف بشكل مستقل وتأثيره على نمط الحياة والعمل ما يدفعها إلى تقديم الاستقالة أو تبديل مكان العمل أو وقوع المشاكل في العمل وزيادة خطر الوقوع في الفقر وفقدان السكن أو التشرد، كما يؤدي إلى خلل في قيام المرأة بأدوارها، خاصة في تنشئة الأجيال نظراً للاضطرابات النفسية التي تفرزها التنشئة الخاطئة للأم المقهورة والمعنفة المحبطة، فهي تلجأ إلى أبنائها للتنفيس عن حالتها النفسية مما قد يدفعهم إلى خيارات فاسدة، بالإضافة إلى الأثر السلبي للعنف على المدى القصير على تعليم وصحة ومشاركة المرأة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مما يؤثر مباشرة على تقدم المجتمع.

وعن عدم لجوء أغلب النساء إلى القانون على الرغم من تعرضهن للعنف بكافة أشكاله يقول قطف: باعتقادي أن اهم أسباب عدم لجوء المرأة التي تعرضت للعنف إلى القضاء، هو أن بعض مرتكبي العنف ضد المرأة يستخدمون تكتيكات غامضة، تتلاعب بأفكارهم ومشاعرهم، حتى لا يدركوا أنهم قد تأثروا بعلاقة مسيئة او تعرضوا للعنف، والعادات المجتمعية والتقاليد التي نشأت عليها، محدودية مؤسسات المجتمع المدني التي يمكن أن يلجأن إليها، والخوف من تدخل هيئات الخدمة الاجتماعية في حياة الأسرة، والامتناع عن تقديم شكوى خوفاً من المزيد من العنف، أو من إمكانية نبذهن، وعدم قدرة الأجهزة القضائية والجهات الامنية في الدول العربية على استيعاب حالات العنف الأسري، إضافة إلى خوف بعض النساء من المساءلة الأسرية والتي يمكن أن تنهي حياتها بلجوئها إلى السلطات، ويمكن اتهامها بمسائل مثل الشرف والعفة.

من خلال ما سبق نجد أن العنف ضد النساء متأصل في بعض المجتمعات، ويحتاج إلى خطوات جدية تبدأ من التوعية الاجتماعية لدى أفراد المجتمع وتوعية أفراده بسبل الوصول إلى الحماية عن طريق القانون من جهة وبالعقوبات من جهة أخرى، وحث الجهات الحكومية على تنفيذ التوصيات والاتفاقات الدولية بشكل فعال.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR“ صحفيون من أجل حقوق الإنسان

 

شاهد أيضاً

قصص نجاة .. فتيات سوريات تحدين زواج القاصرات وبنين مستقبلهن

ريما العبد في ظل المجتمعات العربية، تُعد ظاهرة الزواج المبكر واحدة من أبرز التحديات التي …

صعوبات العلاج تفاقم ألم مريضات السرطان السوريات في تركيا

حسام جبلاوي معاناة مضاعفة تعيشها مريضات السرطان السوريات في تركيا، فرضتها قيود التنقل بين الولايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *