الآن
الرئيسية / مجتمع واقتصاد / مجتمع / مواد مجتمعية مختارة / سوريون يزوجون بناتهم القاصرات في تركية رغم تشديد القوانين

سوريون يزوجون بناتهم القاصرات في تركية رغم تشديد القوانين

ميس عبد الحميد
تسعى خديجة وهي من مدينة حمص لتزويج ابنيها البالغين من العمر ٢٥، و٢٧ عاماً من ابنتي خالتهما مرام ولمى اللتين تعيشان في سوريا وهما فتاتان قاصران تبلغان من العمر ١٥، و١٧ عاماً تروي لموقع صدى الشام عن سبب اختيارها لهاتين العروسين قائلةً: نعيش في إسطنبول منذ أكثر من خمس سنوات لم نختلط كثيراً بالمجتمع التركي، ويعود ذلك لاختلاف العادات والتقاليد في تلك المنطقة عن بلادنا، لذا لم أرغب في تزويج ولديّ سالم وعامر اللذين يعملان في أحد الأفران السورية من فتيات تركيات، كما أنني لم أجد ما يناسبهما لدى العائلات السورية الموجودة في منطقتي من بين معارفي، لذلك قررت تزويجهما من بنات أختي التي تعيش شمالي سوريا، بعد أن هُجرت من مدينة حمص منذ بداية الحرب في سوريا.
وتابعت خديجة: تم الاتفاق بيننا وبين أهل الفتاتين وحصل التعارف بين الأبناء عبر وسائل التواصل الاجتماعي كما تمت رؤيتهما لعدة مرات عبر مكالمات الفيديو مع العائلة، وقد تم القبول من الطرفين، وكان المهر المتفق عليه إخراجهما من المجتمع الذي تعيشان فيه حالة فقر وعدم استقرار على نفقة العريسين على أمل أن تتابعا دراستيهما في تركيا بعد استخراج “الكملك” والاستقرار في بيت زوجيهما.

مهور القاصرات السوريات لا تتعدى حقهن في الحياة

وتابعت: ها نحن نحاول إدخالهما عبر الحدود التركية بأي وسيلة، ورغم صعوبة الأمر وتكاليفه الباهظة فإنه يبقى أقل بكثير من المهور المطلوبة من الشباب في هذه البلاد، إضافةً إلى أن العروسين من نفس العائلة فلن نختلف بالعادات والتقاليد، وقد يلقى كل زوج منهما قبولاً من الآخر ويكوّنان أسرةً سعيدةً.

تختلف الظروف وتتشابه النتائج.

المحامي غزوان قرنفل

حال مرام ولمى كحال كثير من الفتيات السوريات اللواتي يتم تزويجهن في سن مبكرة ضمن الأراضي التركية رغم مخالفة هذا الأمر للقوانين التركية، ورغم ما يسببه من حرمانهن من إكمال تعليمهن ومن حقوقهن وخرق طفولتهن بتزويجهن وتحميلهن المسؤولية في سن مبكرة، إذ كاد أن يصبح حلم أي فتاة سورية أن تخرج من بلدها لتعيش بأمان بعد أن تتنازل عن كامل حقوقها المسلوبة بالأصل، وتبدأ تأسيس حياتها وعائلتها بعيداً عن وطنها وأسرتها العاجزة عن مغادرة البلاد والعيش بأمان. صعوبات الدراسة تدفع للزواج المبكر كما أن الصعوبات التي تواجهها الفتيات في تعديل الشهادة في تركيا وإكمال الدراسة، وقبولهن في جامعات بعيدة عن ولاياتهن تدفع بأهالي الفتيات القاصرات لتزويجهن من دون إكمال تعليمهن.

فتبقى مرام ولمى نموذجاً لكثير من الفتيات اللواتي يحلمن بمغادرة البلاد عن طريق الزواج، إن كان من سوريا إلى تركيا أو الهجرة من تركيا إلى أوروبا، حتى لو كان الثمن سلب طفولتهن وحرمانهن من التعليم.

بدوره أكد المحامي غزوان قرنفل لموقع صدى الشام: أنه لا يحق للزوج عمل لم شمل لزوجته من سوريا إلى تركيا من حيث المبدأ، ولكن يحصل أحياناً أن يغض الطرف حالات نادرة.

طلاق قاصر وأطفال يدفعون الثمن

سوزان البالغة من العمر ١٧عاماً من مدينة إدلب وهي الآن تسكن في ولاية عنتاب تروي والدتها قصة تزويجها لابنتها ومعاناتها بوجود طفلين دون تثبيت زواجها في المحكمة قائلةً: استشهد والد سوزان منذ عدة سنوات وقد كانت في الرابعة عشرة من عمرها ولديّ ثلاثة أطفال غيرها فلم يبقَ لنا معيل، لذلك اضطررنا للعيش مع أهلي بعد أن تخلى أهل زوجي عن مسؤوليتهم تجاه أولاد ابنهم، وعندما تقدم شاب لخطبتها لم أتردد في تزويجها أبداً رغم أنني أعرف عواقب تزويج الفتاة بسن مبكر وآثاره على تربية أطفالها كونها هي في سن لم تكتمل تربيتها وشخصيتها، كما أن عدم إكمالها لدراستها سيجعلها أقل ثقافةً ووعياً.

وتابعت الأم: إلا أن الوضع الاقتصادي وحالة عدم الاستقرار والنزوح التي كنا نعيشها كوني أرملة دفعتني لتزويجها بعد أن تركت المدرسة، وبعد زواجها أنجبت طفليها في سوريا ومنذ سنتين دخلت إلى تركيا برفقتنا أنا وإخوتها وزوجها وطفليها.

وأضافت سكنت ابنتي مع زوجها وطفليها في عنتاب، وحصلت على بطاقة الحماية المؤقتة لجميع أفراد أسرتها، إلا أن زوجها أراد التخلي عن مسؤولياته لصعوبة العيش في تركيا، وعجزه عن تأمين احتياجات المعيشة فقرر الهجرة إلى أوروبا تاركاً وراءه كل الأعباء والمسؤوليات تجاه عائلته على عاتقي، لكنني لم أستطع أن أساعدها لأنني أسكن مع إخوتها في دار للأيتام في عنتاب فاضطرت ابنتي سوزان لطلب الطلاق منه كنوع من الضغط عليه ليتراجع عن فكرة الهجرة إلا أنها لم تنفع معه، وقال لي:”خذي ابنتك وأنا آخذ أطفالي” وبعدها انفصل عنها وأخد طفليها منها بعد أن تنازلت له عنهم مرغمةً، وسافر بهما إلى إسطنبول ليسكن مع بيت أخيه، ريثما يرتب أمور الهجرة.

تثبيت الطلاق عائق أمام تحديث البيانات

وأضافت والدة سوزان: لم تنتهِ قصة ابنتي بالطلاق وخسارة الأطفال، لتقف مجدداً أمام مشكلة تحديث البيانات لـ”لكملك” وتثبيت العنوان، إذ إن مكان السكن قد تغير بعد أن تركت منزلها، وعدم تثبيت الطلاق في المحكمة لا يخولها تثبيت مكان سكنها في دار الأيتام التي نسكنها أنا وإخوتها، فلا تستطيع أن تضع عنوان سكنها الحالي لأنها تعتبر متزوجة ولديها أوراق ثبوتية عند الحكومة التركية كعائلة، ولكون أن القانون لن يقف لصفها لأن زواجها غير مثبت في المحكمة وليس لديها حقوق محفوظة لا تستطيع المطالبة عن طريق القانون بتثبيت الطلاق إلا بموافقة الزوج، وهي الآن تتعرض لمشكلة إذ قد يتم ترحيلها وإبطال “الكملك” إذا لم يتم تثبيت الطلاق وتغيير العنوان، كما أن زوجها لا يريد فعل أي شيء من أجلها بعد كل هذه الخلافات، فقد أصبح عمر ابنها سنتين ولم ترَه حتى الآن بعد أن أخذه منها وهو رضيع فكيف إذا كان الأمر متعلقاً بأوراقها.

“تنص الفقرة ٢ من المادة ٢٥ للإعلان العالمي لحقوق الإنسان: للأمومة والطفولة الحق في مساعدة ورعاية خاصتين وينعم كل الأطفال بنفس الحماية الاجتماعية سواءً أكانت ولادتهم ناتجة عن رابط شرعي أو بطريقة غير شرعية”.

من جهته أكد قرنفل: أنه إن كان الزواج تم في سوريا بشكل قانوني (مسجل رسمياّ بالمحكمة والنفوس) أو تم بعقد شرعي ولكن يوجد أولاد يؤكد سنهم أنهم ولدوا في بلدهم، ثم جاؤوا لتركيا، فلا تطبق العقوبات عليهم بموجب القانون التركي لأن الواقعة تمت خارج أراضي الدولة التركية، ومن مواطنين غير أتراك.

باسل نمرة أخصائي ارشاد نفسي و مجتمعي

فيما أكد “باسل نمرة” اختصاصي إرشاد نفسي ومجتمعي: أن الآثار النفسية والاجتماعية على القاصر كبيرة وخطيرة جداً، لأن الفتاة غير ناضجة نفسياً، ولا اجتماعياً، وغير مدركة ماذا يعني أنها أصبحت مسؤولة عن أسرة، وعن تربية أطفال، حيث إن الرجل يخرج إلى عمله من الصباح إلى المساء، والأم القاصر هي من ستكون مسؤولة عن تربية طفل فكيف ستقوم بذلك وهي لم تنضج بعد، ولم تأخذ خبرات الحياة لأنها ما زالت طفلة، بمعنى: طفل يربي طفل.

وتابع: هذا خطير جداً سوف يخرج جيل بفراغات نفسية كبيرة وبشخصية ضعيفة.وأضاف نمرة: وعند الولادة تكون القاصر في بعض الحالات بوضعية إنكار لهذا الكائن الجديد، وأنها لا تعرف من هو ولا تريده وأنها هي ما زالت بحاجة الأم كيف سوف تعطيه حقوقه. مبيناً أنه إذا لم يتم التدخل وتقديم الدعم النفسي المطلوب سوف تدخل مرحلة اكتئاب حاد.
أما سامية البالغة من العمر ١٦عاماً فتروي والدتها لموقع صدى الشام عن قصة تزويجها لابنتها من ابن أخيها الذي يعيش في تركيا قائلةً: تقدم ابن أخي لخطبة ابنتي سامية التي منعها والدها من الذهاب إلى المدرسة كأختيها اللتين تكبرانها بحجة الخوف عليهن من الفوضى التي تعاني منها المنطقة في شمال غربي سوريا، الأمر الذي دفعني لتزويجها في سن مبكرة لأنه كما هو معروف في بلادنا كلما كبرت الفتاة تقل فرص الزواج لديها لأن الشباب يتزوجون في سن مبكر، ويجب أن تكون الفتاة أصغر منهم سناً.

وتابعت الأم: وافقنا على مجيئه من تركيا في إجازة العيد وإتمام زواجهما في سوريا، على أن يأخذها معه في أسرع وقت ممكن، وبعد انتهاء الإجازة عاد إلى تركيا لمتابعة عمله، ومضى على زواجهما أكثر من سنة، وحتى الآن لم يستطع أخذها للعيش معه أو عمل لم شمل لها لأنها تحت السن القانوني كما حاول أخذها عن طريق التهريب ولم تستطع الدخول. هذا بالإضافة لخوفه من القوانين في تركيا وتعرضه للمساءلة والعقوبة القانونية لأن الزواج من قاصر ممنوع في تركيا ويعاقب عليه القانون، بحبس الزوج ووالد الزوجة فلم يعد لديهما خيار سوى أن ينتظرا ليصبح عمرها مناسباً ليستطيع عمل لم شمل وتثبيت زواجهما في المحكمة التركية، والعيش معاً.

بدوره أكد المحامي غزوان قرنفل: أنه لا يرتب القانون السوري أي عقوبة مانعة للحرية بسبب زواج القصر إلا عقوبة الغرامة المالية البسيطة .. بينما لا يعتبر القانون التركي ذلك زواجاً أصلاً بالمعنى القانوني وإنما يعتبره اعتداءً جنسياً على قاصر، ويترتب عليه توقيف (الزوج) البالغ للسن القانوني ووالد (الزوجة) القاصر، وإحالتهما للقضاء، وعقوبة تلك الجريمة تتراوح بين 4 و15 سنة سجن، وتملك المحكمة السلطة التقديرية لفرض العقوبة بين هذين الحدين.فيما أشار “نمرة” إلى أن المجتمع السوري الذي تهجر إلى تركيا قسم كبير منه انتقل من مناطق ريفية ضمن عاداتها وتقاليدها تزويج البنات بعمر مبكر، وللأسف مازال يحمل ذات العقلية رغم أن القانون التركي يمنع ذلك، لذلك يلجؤون إلى الزواج على يد شيوخ الدين بعقد خارج نطاق القانون.

وأكد قرنفل: أنه لا مشكلة بشأن الأطفال ثمرة زواج مع قاصر حتى لو ولد الطفل بتركيا فتعطى الأم التي تلد الطفل ورقة من المشفى التي ولدت بها بوقوع الولادة متضمنة اسم الطفل واسم أمه وأبيه وبموجب ذلك يتم تسجيل الطفل في سجل المواليد السوريين بالنفوس التركية ويتم منحه “كيمليك”، ويعتبر الوالدان هنا والدين عازبين إن كانت واقعة الزواج تمت بتركيا لأنه كما قلنا لا يعتبر زواجاً بنظر القانون .. كما أن (تسجيل الطفل بالنفوس التركية لا يمنحه الجنسية) وإنما هو مجرد قيد رسمي مؤقت ليحصل المولود بموجبه على وثيقة قانونية لإقامته هنا ولتسجيله في بلده بموجبها.

وعن أسباب زواج القاصرات والآثار النفسية والاجتماعية يقول “نمرة”، يعد العامل الاقتصادي والبيئة الاجتماعية من أهم أسباب الزواج المبكر حيث إن أفراد المجتمع السوري الذين انتقلوا إلى تركيا كلاجئين تردى وضعه الاقتصادي بشكل كبير وهذا أدى إلى تفكير قسم منهم بتزويج بناتهم لتخفيف العبء المادي عنه، وخاصة أن قسماً منهم لم يجد عملاً مناسباً أو وجد عملاً بدخل ضعيف.أجرت صدى الشام استبياناً بسيطاً حول رأي السوريين في تزويج القاصرات شمل عينة من خمسين شخصاً فوق سن الأربعين بينهم ٢٥ من النساء، و٢٥ من الرجال، وجاء بنتيجة الاستبيان حسب الجدول المرفق.

“تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR” صحفيون من أجل حقوق الإنسان”.

شاهد أيضاً

تحديّات عمل النساء السوريّات المعيلات لأسرهنّ في تركيا

بيان سليم نور واحدة من النساء السوريّات اللواتي أجبرتهنَّ الظروف الاقتصادية في بلد اللجوء تركيا على العمل، …

العمالة السورية في قطاع الألبسة الجاهزة بتركيا.. ظروف قاهرة وعمل خارج السوق الرسمي

ديمة شللار “عندي حلم كبير .. بيقولولي عمرك خمسين او ستين وبدك تحلمي؟ .. وانا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

three × 3 =