الآن
الرئيسية / مجتمع واقتصاد / مجتمع / مواد مجتمعية مختارة / تحديّات عمل النساء السوريّات المعيلات لأسرهنّ في تركيا
لاجئات سوريات في تركيا يصنعن الملابس - المصدر : الانترنت

تحديّات عمل النساء السوريّات المعيلات لأسرهنّ في تركيا

بيان سليم

نور واحدة من النساء السوريّات اللواتي أجبرتهنَّ الظروف الاقتصادية في بلد اللجوء تركيا على العمل، وذلك بعد فقدان المعيل أو عجزه عن تأمين مستلزمات الحياة اليومية، وسط مصاعب وتحديّات كبيرة ليس أقلّها حرمانها من الحقوق القانونية.

اجور بنصف تكاليف المعيشة

اضطرت نور. س (28 سنة) للعمل في صناعة الخضروات بمنزلها الواقع في ولاية هاتاي التركية، إضافة إلى التطوع مع منظمات إنسانية، وذلك بعد إصابة بليغة تعرّض لها زوجها في قدمه، وبطنه، وظهره، وأفقدته جهاز المثانة، نتيجة قصف جوّي على مدينتهم إدلب قبل سنوات، وهي اليوم أمٌ لأربعة أولاد (3 إناث وذكر) وليس لهم معيل غيرها.

تقول نور (فضلت عدم ذكر اسمها الكامل) لصحيفة “صدى الشام”: إنَّها لا تستطيع تأمين جميع احتياجات أطفالها الصغار، موضحةً أنَّ دخلها الشهري لا يتجاوز ألفين وخمسمئة ليرة تركية، وهو مبلغ قليل جدا قياسا بتكاليف المعيشة التي ارتفعت كثيرا، موضحة أنها تحتاج ضعف هذا المبلغلكفاية عائلتها، بالحد الأدنى للمعيشة .

أما أم محمد (29 سنة) فقد عملت في مجالات كثيرة في مدينة إسطنبول، منها: “معلمة روضة، وبائعة في محل ألبسة، ومندوبة مبيعات في إحدى شركات”، حيث تعيش مع طفلها بعد طلاقها من زوجها الذي لم يعطها صداقها، ولا حتى نفقة الطفل كون زواجها غير مثبت قانونياً، ما يضطرها لدفع ما لا يقل عن ألف ليرة تركية شهرياً لأجار المنزل وفواتير الماء والكهرباء إضافة إلى مصروف طلفها من حليب وحفاضات وغذاء بقيمة ١٥٠٠ ليرة تركية، فهي تحتاج لـ 2700 ليرة شهرياً ما عدا مصروف اللباس والدواء وغيره من الاحتياجات.

فيمّا العشرينية بلقيس الموجودة في منطقة هاتاي، فهي لا تختلف كثيراً عن سابقيتها من حيث قلة الأجور وساعات العمل المرهقة نسبةً مع غلاء الأسعار المستمر، فعائلتها تحتاج ما بين الخمسة إلى ستة آلاف ليرة تركية شهرياً، حسب ما ذكرت لـ”صدى الشام” (مفضلة الحديث دون ذكر كنيتها).

ورغم ظروف دراستها في جامعة تورنتو الكندية قسم القانون الدولي، إلا أنَّ مرض والدها الخمسيني بالقلب وتوقف عمل أخيها بسبب إغلاق المطعم الذي كان يعمل فيه، اضطرها للعمل في مجالين بذات الوقت، إذ تعمل مدرّسة في روضة أطفال براتب 1000 ليرة تركية، وتتقاضى المبلغ ذاته من قبل منظمة أخرى تعمل فيها.

المرأة أمام القانون

حسب المادة 7 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإنَّ “الناس جميعاً سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حقّ التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حقّ التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان ومن أي تحريض على مثل هذا التمييز”.

لكن ورغم كثرة القوانين التركية الناظمة للعمل، إلا أنَّ هذه القوانين لا تُطبّق على المرأة السورية، لأنَّ معظم أرباب العمل لا يرغبون بإعطائها التأمين الصحي (سيكورتا)، وهناك حالات أخرى لسوريين يفضلون عدم تفعيل التأمين الصحي لضمان استمرار الذي يحصلون عليه من الهلال الأحمر التركي والذي يترواح بين 700 و800 ليرة تركية حسب عدد الاولاد.

المحامي مجد طباع

ووفق المحامي السوري المقيم في تركيا، مجد الطباع، أنَّ “المرأة السوريّة بسبب جهلها بقانون العمل الأجنبي (التركي) لا تستفيد من القانون، وعندما تشتكي للجهات المختصّة تواجه بعض التصرّفات العنصرية، ما جعل هذه المرأة تحت ضغوط كثيرة”.

ويقول الطباع لـ”صدى الشام”: إنَّ القوانين العربية تكون فيها ساعات عمل المرأة أقل من ساعات عمل الرجل بسبب التزامات إضافية للمرأة، أمَّا المرأة الأجنبية في القانون التركي لا تُراعى مثل المرأة التركية، مثل موضوع الأمومة والرضاعة فالمرأة التركية لها أولويات أكثر من السورية، وبالتالي المرأة السورية لا تستفيد من التعويض عن أيام العطلة وخاصّة أنَّ معظم السوريين يعملون بدون سيكورتا.

ويؤكد الطباع، أنَّ ظروف الحرب السورية، حوّلت المرأة إلى رجل، ونحن كمجتمع شرقي نعرف أنَّ الرجل هو المسؤول عن مصروف المنزل، لكن في ظلّ غياب الرجل أو مرضه وإصابته اضطرت المرأة لتأخذ الدورين، فهي تكون رجلاً في الخارج وسيّدة في الداخل، ما أفقدها الكثير من حيوتها وجعلها سيّدة مضغوطة نفسياً ومادياً وبالتالي أهملت أنوثتها ورعاية نفسها.

   ويدعو المحامي الطباع، القانونيين في تركيا إلى المطالبة بإقرار قانون خاص بعمل المرأة السورية، لأنَّ القانون التركي الحالي لا يساوي بينها وبين الرجل فهي تُعطى نصف قيمة راتبه الشهري ولها نفس إجازاته رغم أنَّها تحتاج لإجازات أكثر من الرجل، ونلاحظ أنَّ القانون مع المرأة فقط يقتصر على تقويتها على الرجل في بعض الحالات.

تحديّات عمل المرأة

ومن وجهة نظر الطباع، فإنَّ أبرز التحديّات التي تواجه المرأة السوريّة بسوق العمل التركيّة هو موضوع نظر صاحب العمل لها، إذ ينظر إليها صاحب العمل التركي على أنّها “فريسة” فهو يستغلّها ويعطيها أجراً أقل من غيرها.

ويضيف المحامي: أنَّ سبب استغلال أصحاب العمل للعاملات السوريات هو تساهل القانون مع الكثير منهم، فأغلب النساء لا يكونن مسجلات في التأمينات (سيكورتا)، لذلك يتم سرقة جزء من رواتبهنّ، وهذا الراتب لا يتناسب مع ساعات العمل.

من جهتها، مديرة مكتب الدعم النفسي الاجتماعي لمناهضة العنف الجنسي في رابطة المحامين السوريين الأحرار، ملك العبيد، تشير إلى أنَّه لم يتم مطالبة الجهات الرسمية بسنّ قوانين، قائلة: إنَّ المرأة السورية تتعرّض للعديد من الضغوطات والتميّز وصعوبة إيجاد فرصة عمل لحاملي بطاقة الحماية المؤقتة حيث أنَّ أغلب الوظائف تتطلب وجود إقامة أو جنسية.

وتلفت العبيد في حديثها لـ”صدى الشام” إلى أنَّ متوسط الرواتب لم يعد كافياً بعد انهيار الليرة التركية مقابل الدولار مقارنةً بارتفاع أسعار المواد مع بقاء الرواتب على حالها بدون زيادة.

وتؤكد المادة 24 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أنَّ “لكل شخص حقّ في الراحة وأوقات الفراغ، وخصوصاً في تحديد معقول لساعات العمل وفي إجازات دورية مأجورة”.

وتواجه معظم النساء العاملات في تركيا المعاناة ذاتها، إذ تعاني نور من عدّة مشاكل نفسية ناتجة عن العديد من الصعوبات التي يعدّ أبرزها العمل مع أناس يستغلون وضعها الاقتصادي، مضيفة: “أعمل لديهم بمبلغ قليل جداً، وأسوء ما حصل معي أنّني اضطررت للعمل شهراً كاملاً من الساعة الثامنة صباحاً حتى السادسة مساءً مقابل 500 ليرة تركية، لأنّي كنت محتاجة لها بالفعل، أيضاً تعرّضت للكثير من المواقف المحرجة التي أبكتني”.

ومن صعوبات العمل، تذكر أم محمد (فضلت الحديث باسم مستعار) لـ”صدى الشام” أحد المواقف التي حصلت معها بقولها: “احتجتُ لإجازة ساعية كي آخذ طفلي من الروضة، ولم يقبل صاحب المحل إعطائي، فليس لدي أحد يعتني بطفلي، لذلك تركتُ العمل وذهبت لطفلي بسرعة”.

ووصفت أم محمد، أمر ابتعادها عن طفلها ليوم كامل بأنَّه “أمر محزن وشاق”، فهي تراه في وقت المساء فقط”، لافتة إلى تعرّضها لحالات نصب واحتيال خلال عملها، إضافةً إلى التعب الناتج عن ساعات العمل الطويلة وقلّة الراحة نظراً للأجر القليل.

وتشير المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في بندها الثاني إلى أنَّ “للأمومة والطفولة حقَّ في رعاية ومساعدة خاصّتين، ولجميع الأطفال حقّ التمتع بذات الحماية الاجتماعية سواء ولدوا في إطار الزواج أو خارج هذا الإطار”.

وفيما يخصُّ التحديّات اليومية في عمل بلقيس، تلخصّها بـ “الذهاب والإياب من العمل لأنَّ تعرفة المواصلات مرتفعة، ما يضطرها في بعض الأحيان أن تغادر المنزل في تمام الساعة السابعة صباحاً، ومن التحديّات أيضاً التعب والإرهاق أثناء العمل ومنها صعوبات بالتعامل مع الأطفال والتعامل مع الإدارة في الروضة، فضلاً عن العنصرية التي تواجهها من زملائها ومن ذوي الأطفال. حسب وصفها.

وتنوّه بلقيس إلى أنَّ ما يؤرقها هو “عدم فاعلية سيرتها الذاتية” نظراً للمحسوبيات والواسطات وقد يقتصر اختيار الفتاة للوظيفة على شكلها الخارجي، وذكرت أحد المواقف التي حصلت معها وتصفها بـ”الأسوأ” قائلة: “إنَّ الموقف كان تأثيره النفسي كبيراً، ففي أحد أيام الدوام في العمل وتحديداً عند الساعة الثالثة عصراً شعرت بالإغماء ونُقلتْ إلى المستشفى، وبعدها بيومين كان موعد استلام الرواتب فتفاجأتُ بخصم يوم”.

وتتابع بلقيس: “وعندما سألت المديرة قالت إنّي كنت غير مركزة بذلك اليوم وغادرت إلى المستشفى قبل انتهاء الدوام”، واصفة ذلك أنَّه “من أصعب اللحظات التي حصلت معي ومن المستحيل نسيانها، فالفكرة التي تؤذيينا نفسياً تتلخص عندما يفكّر الإنسان بك كأنّك عبد عنده!”.

الحلول للحدّ من صعوبات عمل المرأة

تنصّ المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أربعة بنود ومنها أنَّ لكلَّ شخصٍ حقّ في العمل، وفي حرية اختيار عمله، وفي شروط عمل عادلة ومرضية، وفي الحماية من البطالة. كذلك لجميع الأفراد، دون أي تمييز، الحق في أجر متساوٍ على العمل المتساوي، إضافة إلى أنَّ لكلِّ فرد يعمل الحقّ في مكافأة عادلة ومرضية تكفل له ولأسرته عيشة لائقة بالكرامة البشرية، وتستكمل، عند الاقتضاء، بوسائل أخرى للحماية الاجتماعية.

فاطمة عبدالعزيز مسؤولة الهيئة النسائية في مركز الكواكبي

وتتفق معظم المسؤولات عن شؤون المرأة على عدم وجود إحصائيات للنساء العاملات في تركيا، وذلك حسب مسؤولة الهيئة النسائية في مركز الكوكبي، فاطمة عبد العزيز، لأنَّ معظم السوريين بمن فيهم النساء يعملون خفيةً بلا تصريح عمل (سيكورتا)، وبالتالي لا يمكن إجراء إحصائية لهنَّ.

وعن دور منظمات المجتمع المدني، توضح عبد العزيز في حديثها مع “صدى الشام” أنَّ دورهم يكون في “التوعية القانونية” للنساء، فلا يحقّ للمنظمات التدخل في شؤون أو شروط العمل إلا الإشارة للانتهاكات القانونية، مثل: “تشغيلهم لساعات عمل أطول أو عدم حصولهم على الحدّ الأدنى من الأجور الذي يعدّ منخفضاً وغير كافٍ، أو عدم استخراج إذن عمل لهنّ”.

وتصف عبد العزيز ظروف عمل السوريين عموماً بأنَّها “سيئة” لأنَّهم خارج الحماية القانونية لغياب إذن العمل الذي يمتنع أرباب العمل عن استخراجه لهم، بالإضافة إلى تشغيلهم ساعات عمل أطول بأجور أقل وعدم وجود ضمان صحي أو اجتماعي ضد إصابات العمل.

وتقترح إيجاد بدائل من خلال توفير سبل عيش وإقامة مشاريع عمل تستطيع استيعاب عدد من النساء وفق الشروط القانونية للعمل، بدلاً من هدر الأموال على الإغاثة العينية، وكما يقول المثل: “علّم الناس اصطياد السمك بدلاً من تقديمه لهم جاهزاً”.

بدورها، القانونية ملك العبيد، تؤكد لـ”صدى الشام” أنَّ أحد الحلول هو “العمل على تخفيف الإساءة، ووضع خطط لتمكين السيّدات وتحقيق دخل اقتصادي خاص بهنَّ، كذلك، تمكين السيّدات لفتح مشاريع خاصة وإعداد دورات تدريبية ومهنية متخصصة، بالإضافة إلى تقديم دورات تدريبية عن آلية التسويق لمشاريعهنّ الخاصة”.

أمّا عن توقعات النساء حول مستقبل عملهنَّ في تركيا، فتُجمع معظم النساء المُعيلات لأسرهنَّ على “عدم وجود مستقبل لهنَّ”، إذ تقول أم محمد: “لا مستقبل لي هنا، لأنّي أرى نفسي في رجوع دائم إلى الخلف -مع الأسف- لا يوجد مستقبل واضح، لا حياة اجتماعية أو عائلية أمامي”، وبالنسبة لمستقبل نور، فهي تؤكد بقولها: “لا أجد مستقبلاً لي، لكن ممكن أن يكون مستقبلاً لأولادي إن أكملوا تعليمهم”.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR” “صحفيون من أجل حقوق الإنسان”

شاهد أيضاً

سوريون يزوجون بناتهم القاصرات في تركية رغم تشديد القوانين

ميس عبد الحميد تسعى خديجة وهي من مدينة حمص لتزويج ابنيها البالغين من العمر ٢٥، …

العمالة السورية في قطاع الألبسة الجاهزة بتركيا.. ظروف قاهرة وعمل خارج السوق الرسمي

ديمة شللار “عندي حلم كبير .. بيقولولي عمرك خمسين او ستين وبدك تحلمي؟ .. وانا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

fifteen − five =