الآن
الرئيسية / مجتمع واقتصاد / مجتمع / مواد مجتمعية مختارة / العمالة السورية في قطاع الألبسة الجاهزة بتركيا.. ظروف قاهرة وعمل خارج السوق الرسمي

العمالة السورية في قطاع الألبسة الجاهزة بتركيا.. ظروف قاهرة وعمل خارج السوق الرسمي

ديمة شللار

“عندي حلم كبير .. بيقولولي عمرك خمسين او ستين وبدك تحلمي؟ .. وانا بقول لسا بدي أحلم وبعدني بدي حقق انسانيتي وحلمي .. بإني عيش بأمان وشوف ظروف جيدة من حق أي إنسان يعيشها .. كأن أمشي بالشارع بدون خوف”. كان هذا حلم سحر قهوجي العاملة في قطاع الخياطة في اسطنبول التركية. قطاعٌ حقق ازدهاراً ملحوظاً في صادرات الملابس الجاهزة للعام الجاري 2022.

أعلى قيمة تصديرية يحققها قطاع الملابس الجاهزة باسطنبول في 2022

“وصلت صادراتنا من الملابس الجاهزة إلى أعلى قيمة تصدير لشهر كانون الثاني لعام 2022 في تاريخ الجمهورية ، حيث بلغت مليار 596 مليون دولار. نشكر شركاتنا التي تساهم في نمو صادراتنا ، ونفخر بالقيمة المضافة التي نخلقها” رابط
هذا ما نشره الحساب الرسمي لـ “اتحاد مصدري الملابس الجاهزة في إسطنبول” في الثاني من شباط من العام الحالي، وهنا نشير إلى أن قطاع النسيج والملابس الجاهزة يأتي ثالثا ضمن الصادرات التركية، بعد المجوهرات والصناعات الدفاعية.
احتل قطاع الألبسة والأحذية الذي يشمل ورشات الخياطة والتطريز والأحذية القطاع الثاني الأكثر استقطاباً للعمالة السورية بنسبة تصل إلى 23 % بحسب دراسة أجراها مركز الحوار السوري عام 2021.

فما هو دور العمالة السورية في نمو الصادرات في تركيا عموماً واسطنبول خصوصاً؟ وما هي ظروف عملهم القانونية والاقتصادية، وانعكاساتها على حياتهم الاجتماعية والمهنية؟

حلم معلمة سابقة يرافق أصوات ماكينات الخياطة

عملت سحر قهوجي (52 عاماً) مدرسة للتربية الفنية مدة 25 عاماً، إضافة لمهارات تلقتها لمساعدة الأطفال الذين يعيشون ظروف الحروب والنزوح، وتأهيلهم نفسياً لتخطي ما مروا به.
لم تستطع سحر الحصول على فرصة عملٍ ضمن اختصاصها ومؤهلها العلمي، بعد وصولها بمفردها إلى اسطنبول قبل ثلاث سنوات، من مصياف ذات الأغلبية الاسماعيلية التي تنحدر منها قهوجي، إلى إدلب براً، وصولاً إلى تركيا.
بقسمات هادئة وملامح جميلة تقول سحر: “كانت الفرصة متاحة أن أعمل بشهادتي الجامعية وخبرتي ضمن اختصاصي في التربية الفنية، لكن المدارس السورية والعربية في اسطنبول، أغلبها ذات توجه ديني، إحدى الإدارات وافقت على تعيني وتقديم منزل وراتب جيد، لكن بشروطٍ منها ارتداء الحجاب، وزيارة المسجد وحلقات الدين بشكل دوري، فرفضت، وتوجهت للعمل في معامل الخياطة لأحمي نفسي من العوز والفقر، والحفاظ على أفكاري وقناعاتي دون تدخلٍ من أحد”.

سحر قهوجي على رأس عملها في إحدى المدارس داخل سوريا عام 2014

بين قصاصات الأقمشة الملونة، وأصوات الماكينات العالية، بدأت مرحلة جديدة من حياة قهوجي، لم تعتدها سابقاً، 12 ساعة عمل يومياً، مضافٌ إليها ساعات إضافية، مع العمل يوم السبت، الذي يصادف انه عطلة رسمية،  للساعة الخامسة مساء، مقابل 150 دولار شهرياً، أو ما يعادل 2600 ليرة تركية.

الصورة: European Parliament/Flickr

“أشعر أني آلة، لا أستطيع التفكير إلا بالعمل، ليس لدي وقت للراحة، أود الخروج والتعرف إلى شوارع اسطنبول، أو ركوب المواصلات، رؤية هذه المدينة التي يقولون عنها إنها جميلة”، رغبات معلقة لسحر تنطبق عليها المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ونصها:
1. لكل شخص حق العمل، وفى حرية اختيار عمله، وفى شروط عمل عادلة ومرضية، وفى الحماية من البطالة.
2. لجميع الأفراد، دون أي تمييز، الحق في أجر متساو على العمل المتساوي.
3. لكل فرد يعمل حق في مكافأة عادلة ومرضية تكفل له ولأسرته عيشة لائقة بالكرامة البشرية، وتستكمل، عند الاقتضاء، بوسائل أخرى للحماية الاجتماعية.

أكثر من 12 ساعة عمل يومياً

جربت سحر التنقل والسكن في ما يسمى السكن الشبابي مع فتيات يافعات وشابات اصغر سناً، و استطاعت أخيراً استئجار منزل بجانب المعمل تدفع أجرته شهرياً 1000 ليرة، وتحاول الاقتصاد لتتمكن من تسديد الفواتير الشهرية والطعام بـ1600 ليرة.

35 إلى 40 عاملاً في هذا المعمل، يعمل نصفهم وهم من السوريين، بمهام شاقة تتطلب جهداً عضليا، بينما يكون صاحب العمل، والمشرف على العمال من الأتراك، وبقية العمال يتوزعون بين “معلم الماكينة”، وما يسمى الأورطة جي أي من يقوم بالتشطيبات النهائية لقطعة الملابس، بحسب سحر.

صباح أحمد (32) عاماً متزوجة، وأم لطفلتين، وتعمل مسؤولة ماكينة خياطة في إحدى الورش في اسطنبول، وتتمنى تغيير مجالها المهني المتعب، والحصول على فرصة تتطلب مجهوداً أقل، وعائداً مادياً أفضل، وتضيف ” أكثر ما يضايقني في ساعات عملي الطويلة هي عدم قضاء وقت ممتع مع ابنتيّ، أو حضور مناسباتهن الخاصة والاحتفال بيوم صدور نتائجهن في المدارس، أو أعياد ميلادهن”.

ساعات العمل الطويلة ، وعدم حصولها العامل/ـة على حقه/ـا في الغياب المبرر يخالف المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التالي نصها:
1. لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفى لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه.
2. للأمومة والطفولة حق في رعاية ومساعدة خاصتين. ولجميع الأطفال حق التمتع بذات الحماية الاجتماعية سواء ولدوا في إطار الزواج أو خارج هذا الإطار.

المصدر: مركز الحوار السوري

قطاع النسيج يبتلع الشرائح العمرية والاجتماعية

“لا أتمنى الاستمرار في هذا العمل، مكاني ليس هنا في هذه الورشة، أرغب بالالتحاق بالجامعة لدراسة فرع طبي جامعي عن التمريض والإسعاف، أحمد الله أن ظروفي الآن كعامل هي الأقل سوءاً بين السيئين، (المعلم) يعاملني بشكل جيد وكأنني صديق له، كما أنني أتحدث التركية، انا مرتاح في عملي بالمكحتة وهي ورشة مختصة بالجينز، رغم ساعات العمل الاثني عشر الطويلة، والجهد البدني الذي يتطلبه هذا الاختصاص، إلا أن تقدير صاحب الورشة وشركائه لي جعلني سعيداً بعد تجاربي السابقة مع غيرهم، فهم يعطونني 5000 آلاف ليرة كأجرٍ منتظم، ولا يسرقون تعبي، كما أنني عازب أقيم في الطابق الثاني للورشة مع خمسة شبان سوريين، ما يوفر علينا أجرة المنزل، فالحد الأدنى للأجور بالكاد يكفي ثمن الطعام والسكن في حل كان العمل مستمراً بلا انقطاع”.

أحمد سالم 28 عاماً، من يصف نفسه بأنه الأوفر حظاً في قطاع العمالة ترك دراسته الجامعية، وهُجر من حلب ، تنقل خلال خمس سنوات تقريباً بين ثلاث ولايات، آخرها ازمير التي استصدر منها بطاقة الحماية المؤقتة، وانتقل لاسطنبول المدينة الأشهر في قطاع الملابس الجاهزة ومعاملها، ما يجعله من ضمن عمالة ( السوق الأسود) باعتباره لا يحمل إذن عملٍ، حاله كحال سحر قهوجي التي تحمل بطاقة الحماية المؤقتة الصادرة عن ولاية مرسين، وبالتالي مخالفتهم لقانون الحماية المؤقتة المُلزم بالإقامة في ولايات استصدار بطاقة الكمليك، والتعرض للترحيل في حال ضبطه من قبل السلطات التركية، وهو ما شهدناه خلال عمليات الترحيل الأخيرة بداية عام 2022 التي طالت مئات السوريين، ما يخالف المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تقول: ” لكل فرد حق في حرية التنقل وفى اختيار محل إقامته داخل حدود الدولة، ولكل فرد حق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، وفى العودة إلى بلده”.

صاحب العمل وحده له الحق باستخراج إذن العمل

يتقاضى العمال السوريون أجوراً متقاربة، ويعطي القانون الحالي رقم /8375/ لعام 2016 الحق لصاحب العمل وحده باستخراج إذن العمل للعامل السوري، الأمر الذي تهرب منه الكثير من أرباب العمل السوريون والأتراك على حد سواء كي لا يترتب عليهم تكاليف إضافية تُدفع لدائرة الضمان الاجتماعي، ما يجبر العامل على الرضوخ لشروط صاحب العمل بحثا عن لقمة العيش، والعمل لساعات طويلة خلافا للقانون لقاء أجر لا يعادل جهدهم، ولا يقارب الحد الأدنى من الأجور والذي يحدد كل عام من قبل وزارة العمل، والضمان الاجتماعي (4253 ليرة تركية للعام الجاري 2022 ) أسوة بالعامل من المواطنين الأتراك، حسب المحامي عمار عز الدين من رابطة المحامين الأحرار.

يضيف عز الدين: “إن أغلب العمال السوريون أيضاً لا يبدون اهتماماً في الحصول على إذن العمل لأن ذلك يتطلب منهم دفع مبلغ تأمين اجتماعي شهري يعادل الـ 1000 ليرة شهرياً، وهو ما يفوق استطاعتهم”. و ذكر مشروع دعم منظمة العمل الدولية للاجئين والمجتمعات المضيفة في تركيا أن 71٪ من الأسر السورية اللاجئة غير قادرة على الوصول إلى عمل آمن، مقابل 3% فقط يعملون بشكل رسمي في 2020 – 2021 ما يزيد من حدة ارتفاع معدلات البطالة، لا سيما بين الشباب.

ماكينات ونساء وحكايا لا تروى

لم تكن حياة النساء والشابات اللواتي قابلتهن سحر خلال عملها لعامين في معامل وورش الخياطة أفضل حالاً، بل إن النساء الأصغر سناً يواجهن ما هو أسوأ، بعضهن كانوا حملة شهادات جامعية، وبعضهن كن صغيرات، ” لم تسلم الكثيرات من عروض قدمها البترون أو الأوسطة، سواء بزواج مؤقت أو علاقة، فيما تختلف استجابتهن للضغوط حسب ظروفهن وشخصياتهن الفردية”. وهو ما يعتبر بحسب المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ” تدخلاً تعسفياً في حياته الإنسان الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، إذا لا يجوز تعريض أحد لحملات تمس شرفه وسمعته. ولكل شخص حق في أن يحميه القانون من مثل ذلك التدخل أو تلك الحملات”.

ما تتعرض له النساء في العمل من تحرش لفظي او جسدي، تخفيه الكثيرات خشية تعرضهن للتشهير، أو الطرد من العمل، وهو ما أكدته هالة ( 45 عاما.. اسم مستعار)، إذ طُردت من ورشة صغيرة للخياطة بعد 3 أشهر من العمل فيها، وتقول هالة أن صاحب ورشة خياطة عملت فيها تحدث معها صراحةً عن رغبته في إقامة علاقة جنسية معها، وفي النهاية تعرضت للطرد لعدم استجابتها لرغبته. تقول هالة: لو كان معي “سيكورتا” أي تأمين وإذن عمل كنت اتصلت بالبوليس ولا أغادر وأبقى أعمل” تابعت والتأثر باد على وجهها.. “قدام السكرتيرة .. قلي نحنا بنعتذر مافي شغل كتير ووقفت الورشة، والسكرتيرة كانت نظراتها كلها احتقار وكأنها عم تقلي أنتِ سورية منيح شغلناكِ كم شهر”.

حصلت هالة في الورشة على 3000 آلاف ليرة تركية شهرياً، بزيادة 800 ليرة عن راتب سحر، والتي ذهبت معظمها لأجور نقل ومواصلات، إضافة إلى ثمن وجبة الطعام ففي الورش الصغيرة لا يلتزم صاحب العمل بتقديم الطعام والشراب للعمال على عكس المعامل الكبيرة.

المصدر: ILO

مراهقون وقصّر يعملون في قطاع النسيج

أجمع جميع من قابلناهم على وجود قصر تحت سن الثامنة عشرة في ساحات غرف الخياطة التي تضيق بعمالها وعاملتها، أحدهم كان يافعاً في السابعة عشرة من عمره، قدم إلى تركيا بعد 9 سنوات قضاها في مخيمات شمال سوريا، دون حصوله على أبسط حقوقه في السكن الآمن والتعليم واللعب، ليكمل شقاءه في جنبات الورش التي تبتلع كل من يتقدم للعمل، بغض النظر عن عمره، أو جنسه، أو حالته الصحية، “يكفي قبوله العمل مقابل قروشٍ تكاد لا تكفيه ثمن الخبز وشبه سقف وجدران، علّها تحميه مما ينتظره خارجاً، وخاصةً أن كثيراً منهم لا يحمل حماية مؤقتة أبداً”، بحسب سحر.

تمييز على أساس العرق والدين وإنكار متعمد للجنسية والهوية

تقول المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إن “لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حده”. إلا أن سحر تعمدت في كثير من الأحيان إنكار جنسيتها السورية، وهويتها الدينية “يقول لي من أصادف من أتراك في السكن أو العمل أنت تركمانية أو أوزبكية، كما يفترضون أني مسيحية باعتباري لا أرتدي حجاباً، ولا أشبه السوريين بحسب قولهم” ، تضيف ضاحكة “لا أنكر ذلك، أو أصححه، بل استخدمه خشية تعرضي للابتزاز، أو الطرد من قبل صاحب المنزل لعدم رغبتهم تأجير من يحمل الجنسية السورية في الآونة الأخيرة، خاصةً أني وضعي العام غير قانوني. وتضيف “البلد هون متل الوحش.. في اضطهاد.. في تنمر… في احتقار بيحفر بالقلب بكل قسوة.. لازم تختاري طريقك و تكوني قوية قدام هاد الابتزاز الي عايشينه كعمال وعاملات”

تؤكد المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على “حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان لكل إنسان، دونما تمييز من أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر.وفضلا عن ذلك لا يجوز التمييز علي أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو الإقليم الذي ينتمي إليه الشخص، سواء أكان مستقلا أو موضوعا تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أم خاضعا لأي قيد آخر علي سيادته.

وأيضاً تنص المادة /5/ من قانون العمل التركي رقم /4857/ لعام 2003 على اعتبار ممارسة التمييز بين العمال حسب العرق واللغة والجنس والفكر السياسي أو المعتقد الفلسفي أو أي معايير مماثلة محظورة بموجب القانون، ويحظر أيضاً التمييز في الأجور حسب الجنس في الأعمال المماثلة وبالتالي فإن قانون العمل التركي يحفظ حقوق العمالة السورية في حال كانت تعمل بشكل نظامي وفق تراخيص عمل رسمية ويمنع أرباب العمل من استغلالها وهو ما قد يفسر إحجام أرباب العمل عن استصدار هذه التراخيص رغبة في تحقيق أكبر قدر من المكاسب، بحسب ورقة بحثية تناقش النصوص القانونية الناظمة لعمل السوريين في قانون الحماية المؤقتة التركي أعدتها رابط المحامين السوريين الأحرار لهذا التحقيق.

انعكاسات نفسية تؤثر في حياة العمال المستقبلية

باسل نمرة اختصاصي نفسي

الاختصاصي النفسي باسل نمرة يؤكد أن شروط العمل القاسية ينتج عنها عدة آثار واضطرابات أولها فقد الهوية، إذ أن قسم كبير من اليد العاملة السورية كانوا طلبة جامعيين لديهم طموح وأهداف عالية، أو أنهم أرباب أسر كانوا سابقاً يعملون في وظيفة ثابتة، وساعات عمل لا تتجاوز 8 ساعات، وتغيرت نظرته لنفسه مع تغير ظرفه المهني، مع شعوره الدائم بالتقصير أمام مسؤولياتهم العائلية، وهذا ما يؤدي إلى ضياع ذاتي وضياع شخصية، وبالتالي نصل إلى اضطراب فقد الثقة، وعدم تقدير الذات، فبعضهم يرى نفسه أجيراً يتم استغلاله وامتصاص جهده، وأضاف: لاحظنا العديد من الحالات ضمن المساكن الشبابية (15 – 30 عاماَ) لجأت لتناول الأدوية المهدئة لتناسي الواقع محاولة منها لتنسى الواقع، فيما اتجه الكثير من الشريحة العمرية الأكبر للابتعاد عن الحياة الاجتماعية والدخول في عزلة ذاتية، ما يعرضهم لاضطرابات طيف التوحد، بالنتيجة نحن نتجه في المستقبل القريب إلى التعايش مع جيلين عمريين يعانون من اضطرابات نفسية يصعب التعامل معها إذا لم يتم العمل بشكل جدي على حل المشكلة من جذورها.

تعذر الالتحاق بدورات الاندماج والتعايش

لكل فرد حق في الحياة والحرية وفى الأمان على شخصه، بحسب المادة الثالثة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكن خطاب الكراهية المتصاعد من قبل بعض العنصريين من السياسيين والمؤثرين الأتراك خلق حاجزاً بين السوري والتركي، وضخمت وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي من العداء تجاه الأجانب عموماً والسوريين خصوصاً، وبينما يُروج لدورات الاندماج والتعايش من قبل البلديات التركية المختلفة التي تُنظم عملاً بالمادة 96 من قانون الأجانب والحماية الدولية، و تقام في المراكز الثقافية أو مراكز التعليم الشعبي في مختلف الولايات التركية. يتعذر على السوريون والسوريات الالتحاق بهذه الدورات، تعجز سحر عن ترك عملها ولو ليومٍ واحد للالتحاق بدورات الاندماج لما يترتب عليه خسارة أجرها اليومي في عملها، وتضيف إنه في حال تم دفع بدلٍ يومي للالتحاق بمناهج التأهيل، فإنها ستكون مرحبة وتسعى للتقرب أكثر من المواطنين الأتراك، وتعلم لغتهم على الرغم من اعتبارها تركيا محطة عبور للوصول إلى الاتحاد الأوروبي، إذ تعتبر أن حياتها في تركيا غير آمنة ضمن الخيارات القليلة المتاحة لها وتقول: “أنا خائفة، والخوف يحجّم الإنسان، ويحد من طموحه، ويهدم شخصيته وإنسانيته، فكرت لمرات عدة بالانتحار، إلا أني استطعت بمساعدة صديقة والتواصل معها عبر النت من التحسن والتراجع عن قراري، وأنا الآن لا زالت أبحث عن أماني في تركيا وحتى أنني أسعى لخلقه من الصفر، معتمدة على توازني”.

هل تتحمل العمالة السورية مسؤولية حرمان الأتراك من فرص العمل؟

عمار عز الدين – رابطة المحاميين السوريين الأحرار

يقول المحامي عمار عز الدين: إن تعالي أصوات بعض العنصريين الأتراك حول تحميل العمال السوريين مسؤولية حرمانهم من فرص العمل، لا يمكن قبولها بأي حالٍ من الأحوال، لأن أي عامل أو موظف يسعى لأن يكون ضمن الضوابط القانونية لقانون العمل التي تحميه وتحقق له الطمأنينة والاستقرار، والإنصاف في الأجور وساعات العمل، فبينما تشكل العمالة السورية في سوق العمل التركي الرسمي وغير الرسمي 2.9 % من إجمالي العمالة التركية وفقا لتقديرات منظمة العمل الدولية فإن قطاعات الصناعة والتجارة والبناء خاصة مجالات المنسوجات والملابس والجلود والأحذية استقطبت نسبة كبيرة من العاملين السوريين لاسيما في المحافظات الغربية؛ في مهن ترفض العمالة التركية العمل بها، وبالتالي لا تشكل هذه النسبة الضرر الاقتصادي المؤثر للعامل التركي الذي تروج له هذه الفئة.
كما أن عمالة السوريين غير الرسمية دون تصاريح عمل، تفتح باب استغلال عمالٍ دعموا العديد من القطاعات الاقتصادية من خلال زيادة الأرباح، ما حقق نمواً إيجابياً زاد من قدرة صناعات النسيج، والألبسة الجاهزة على المنافسة في التصدير، والمساهمة بنمو الاقتصاد التركي، بحسب عز الدين .
وبحسب مؤشر الضغط للسوريين عام 2019 بلغت نسبة البطالة في تركيا 4.5 مليون مواطن تركي فمن غير المنطقي تحميل هذه النسبة للسوريين و خاصة أن السوريين انخرطوا في الاقتصادي غير الرسمي الذي لا يدخل في تحديد نسبة البطالة.
وهنا يجدر القول إن تعذر الدخول إلى سوق العمل الرسمية، وما يرافقه من حرمان من الاحتياجات الإنسانية الأساسية، يخالف المادة 22 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تقول بوضوح: “لكل شخص، بوصفه عضوا في المجتمع، حق في الضمان الاجتماعي، ومن حقه أن توفر له، من خلال المجهود القومي والتعاون الدولي، وبما يتفق مع هيكل كل دولة ومواردها، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا غنى عنها لكرامته ولتنامي شخصيته في حرية”.

خسارات في عائدات الضمان الاجتماعي التركي

أثّر عمل السوريين في القطاع غير الرسمي على إيرادات مؤسسة الضمان الاجتماعي؛ حيث قُدّرت خسارة هذه المؤسسة سنوياً ب 7 مليارات ليرة تركية من عائدات الضمان الاجتماعي، كما تحملت الحكومة التركية – في الوقت نفسه – أعباء توفير خدمات الرعاية الصحية للاجئين السوريين المنتمين إلى نظام الحماية المؤقتة، بحسب مركز الحوار السوري.

ازدهار في الصادرات، وثبات الأجور الزهيدة
بالعودة إلى نمو صادرات الملابس الجاهزة إلى أعلى قيمة تصدير لشهر كانون الثاني عام 2022 في تاريخ تركيا، إذ بلغت مليار و596 مليون دولار، ونظراً لاستقطاب قطاع الألبسة والأحذية 31.1 % من العمالة السورية، فلا يمكن إنكار مساهمة العمال السوريين في ازدهار هذا القطاع، إذ ساهموا فيه بثلاث نواحي وهي: العمالة، التجارة، وإيجاد منافذ تصريف جديدة، بحسب فراس شعبو الباحث والأكاديمي الاقتصادي.

المصدر: ILO

يؤكد شعبو على أن الكثير من الشبان السوريين العاملين في قطاع النسيج، نقلوا معهم خبراتهم ومهاراتهم السابقة، أو تعلموا مهارات جديدة، أو تحول بعضهم لاحقاً من عمّال إلى أرباب عمل، وساهموا بشكل مباشر في تخفيض قيمة العمالة المالية، ضمن ظروف عملِ وصفها شعبو بالبشعة، ما أدى إلى تخفيض الأجور بشكل واضح وزيادة الإنتاج.

فراس شعبو باحث وأكاديمي اقتصادي

يشير شعبو إلى أهمية رأس المال الاجتماعي الذي جلبه التجار السوريون معهم إلى تركيا، ومساهمته في جذب المستثمرين من دولٍ مثل ليبيا، العراق، الأردن، والخليج، ما فتح منافذ جديدة لتصريف المنسوجات ورفع نسبة الصادرات وبالتالي الأرباح للشركات والورش التركية، الأمر الذي ذكره مستشار رئيس حزب “العدالة والتنمية” الدكتور ياسين أقطاي في 7 شباط من عام 2022، بقوله إن رجال الأعمال السوريين في مدينة غازي عنتاب صدروا بضائع بقيمة 500 مليون دولار في عام 2021 من أصل 10 مليارات قيمة صادرات المدينة ككل، وبينما يتواجد في هذه المدينة نحو 470 ألف سوري، فإنهم لا يؤثرون بأي طريقة سلبية على قطاع التشغيل أو معدل البطالة داخل المدينة، حسب أقطاي.

من جهة أخرى تفيد تصريحات المستثمرين الأتراك بأن العمالة السورية ساهمت بشكل أساسي في تخفيض الأجور، وما يرافقه من تخفيض للتكاليف، زاد الإنتاجية في الداخل التركي.

تمركز العمالة السورية في صناعة المنسوجات والألبسة الجاهزة القائمة على اليد العاملة، وحاجتهم إلى كسب الدخل، ومحدودية القدرة على المساومة، فضلاً عن الافتقار إلى المهارات اللغوية يجعلهم عرضة للاستغلال المستمر، ولا يمنحهم خيارات بديلة، توازياً مع انعدام البيئة الآمنة المصاحبة لحالة عدم الاستقرار، ما يفقدهم حقهم في التمتع بحياتهم الاجتماعية والأسرية، ما يشكل عاملاً ضاغطاً يدفعهم إلى تحمل مخاطر الهجرة بهدف الخلاص من هذا “الجحيم” ، يضيف شعبو.
دور الجهات التركية ومنظمات المجتمع المدني في إيجاد حلول قانونية
تتشابه ظروف العمل بين المشروع الصغير، والمعامل الكبيرة، وتتطابق في ساعات العمل الطويلة، والمكسب المالي بأقل من الحد الأدنى للأجور، إلى جانب مخاطر السلامة والصحة المهنية، إلا أنها تتأثر بفروق فردية بسيطة تعود لشخصية العامل، وسهولة اكتساب المهارات في العمل واللغة، بحسب أحمد سالم.

حالة مستمرة من الخوف من المستقبل القادم تصاحب معظم السوريين، فرغم أن سحر استطاعت بعد عام ونصف من التنقل في الولايات الجنوبية لتركيا من الحصول أخيراً على بطاقة الحماية المؤقتة الصادرة من ولاية مرسين، إلا أنها الآن أمام مرحلة تثيبت النفوس وهو ما تطلبته مديرية الهجرة في تركيا من الأجانب المقيمين على أراضيها عموماً، وحملة الحماية المؤقتة من السوريين خصوصاً، الأمر الذي ينطبق على آلاف السوريين المتوزعين في مختلف الولايات التركية.
ما يستدعي تدخلاً حكومياً، وضوابط قانونية لحماية هذه الفئة العاملة، وضمان تناسب أجورهم مع غلاء الأسعار، بهدف تأمين حياة مستقرة وآمنة طوال فترة إقامتهم على الأراضي التركية. وهذا ما يوافق البند الثاني من المادة 29 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تنص على ” لا يخضع أي فرد، في ممارسة حقوقه وحرياته، إلا للقيود التي يقررها القانون مستهدفا منها، حصرا، ضمان الاعتراف الواجب بحقوق وحريات الآخرين واحترامها، والوفاء بالعادل من مقتضيات الفضيلة والنظام العام ورفاه الجميع في مجتمع ديمقراطي”.

وهنا ترى رابطة المحامين الأحرار أنه من الضروري القيام بالخطوات التالية:
1- إعادة النظر في القوانين الناظمة لعمل السوريين تحت بند قانون الحماية المؤقتة في تركيا والتخفيف من البيروقراطية المصاحبة لاستصدار تراخيص العمل.
2- التشديد على أرباب العمل وإلزامهم باستصدار تراخيص لجميع العاملين لديهم، وتحديد ساعات العمل المطلوبة بما يتناسب مع القانون، وفرض غرامات على المخالفين.
3-على منظمات المجتمع المدني الحقوقية السورية والتركية مسؤولية حماية هذه الشريحة من الاستغلال وتقديم التوعية القانونية بالحقوق التي يفقدها العامل الذي يعمل دون استخراج إذن عمل و تعرضه للمخاطر القانونية
4- البحث عن فرصة عمل عن طريق مؤسسة işkur التي تشكل صلة وصل بين أصحاب الأعمال والعمال، ما يضمن الحصول على تصريح عمل، وساعات عمل وفق القانون، ورواتب مناسبة لا تقل عن الحد الأدنى للأجور، إضافةً إلى الحماية الصحية والقانونية عند حدوث إصابات عمل.

‘تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “JHR”صحفيون من أجل حقوق الإنسان” .

شاهد أيضاً

سوريون يزوجون بناتهم القاصرات في تركية رغم تشديد القوانين

ميس عبد الحميد تسعى خديجة وهي من مدينة حمص لتزويج ابنيها البالغين من العمر ٢٥، …

تحديّات عمل النساء السوريّات المعيلات لأسرهنّ في تركيا

بيان سليم نور واحدة من النساء السوريّات اللواتي أجبرتهنَّ الظروف الاقتصادية في بلد اللجوء تركيا على العمل، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

three × 1 =