الآن
الرئيسية / محليات / مركز دابق الصحّي.. شح بالأدوية وعيادة نسائية دون طبيبة!
المركز الصحي في دابق (صدى الشام)

مركز دابق الصحّي.. شح بالأدوية وعيادة نسائية دون طبيبة!

صدى الشام – خاص

استمرّت الالتهابات في التمدّد بجسد الخمسينية أم عماد لأسابيع مستمرّة، لكنّها بقيت دون علاج، ودون تلقّي الأدوية المناسبة، ما زاد في تفاقم حالتها الصحّية.

الخمسينية أم عماد، توفّي زوجها منذ عامين وترك خلفه ستّة أولاد، جميعهم باتوا حملا اقتصاديًا ثقيلًا عليها، ولا سيما مع الارتفاع الملحوظ في الأسعار وضعف القيمة الشرائية، ما جعلها تعمد للعمل بأعمال يدوية منزلية لمحاولة سد ما يمكن سدّه من رمق أولادها.

قبل نحو شهرين، عانت المرأة من أوجاع مستمرّة، ولم تتوقّف إطلاقًا، ما دفعها لزيارة المركز الصحّي في مدينة دابق.

فوجئت أم عماد عندما لم تجد طبيبة نسائية في المركز، فاضطرت لتحمّل نفقات كبيرة للتوجّه إلى مستشفى في مدينة أعزاز، يبعد عنها نحو ٣٠ كيلو مترًا، لتكتشف هناك أنّها تعاني من التهابات في الرحم.

بعد الكشف عنها منحها المركز عبوة دواء مقاومة للالتهاب، وطلب منها الاستمرار به فضلًا عن حمية في الأطعمة والمشروبات.

انتهت العبوة بعد أيام، فحاولت اللجوء إلى المركز الطبّي في دابق، من أجل الحصول على عبوة جديدة، لكنها لم تحصل على غايتها، هناك تم إبلاغها بعدم توفّر الدواء المناسب، فلم يكن أمامها سوى خيارين، الأول هو العودة للمستشفى في أعزاز، والثاني شراء الدواء على حسابها، وفي كلتا الحالتين سوف يُفرض عليها تحمّل أعباء مادية هي غير قادرة أصلاً على تحمّلها.

رحلة الحبو خلف عبوة الدواء

تقع قرية دابق في منطقة اعزاز في محافظة حلب، وتتبع القرية إداريًا ناحية أخترين، على بعد حوالي 35 كم شمال شرق مدينة حلب.

سيطر تنظيم “داعش” على قرية دابق، قبل أن يُطرد منها بعد معارك شنّتها المعارضة السورية المدعومة من تركيا.

وبعد عودة الأمان للمدينة، شكّلت المعارضة السورية مؤسّسات مدنية داخلها تعليمية وصحّية وغيرها من المؤسّسات التي تعمل تحت راية المجلس المحلي.

غير أن الوضع الصحّي في القرية ليس بأحسن حالاتها، ولا سيما أن المركز الصحي الوحيد في المدينة، الذي يخدّم نحو ١٨ ألف مدنيًا من ١٣ ألف من السكّان والنازحين خمسة آلاف من النازحين يخدّمهم مركز صحّي متواضع يخض للمجلس المحلي.

ويوجد في قرية دابق الكثير من النساء اللواتي لا يمتلكن معيلًا، بعضهنَّ لديهنَّ أمراضًا مزمنة، ولا يمكنهنَّ الاستمرار بالعيش من دون الحصول على الأدوية المناسبة، والتي غالبًا ما تكون دورية ومستمرّة.

توضّح أم عماد، أنّها مضطرة لدفع ١٨ ألف ليرة شهريًا (نحو ٣٥ دولار أمريكي) ثمن الأدوية المختلفة بما فيها أدوية الالتهابات وأدوية أخرى لاستمرار علاجها، موضحةً أنّها غير قادرة على تأمين هذا المبلغ شهريًا، لأنّه تعيل أسرة كاملة.

تلقي المرأة باللوم على المركز الطبّي، الذي يُعتبر تأمين الأدوية دورًا أساسيًا له، وقالت: “من البديهي أن يكون المركز الطبّي على علم مسبقًا بحال المدنيين والنازحين هنا في دابق، وهو يعلم أيضًا أن الغالبية الساحقة من السكّان غير قادرين على تأمين الأدوية باهظة الثمن، لكنه على الرغم من ذلك لم يؤمّن هذه الأدوية منذ مدّة طويلة حتّى الآن.

وثيقة تكشف جذر المشكلة

حصلت “صدى الشام” على وثيقة صادرة عن المجلس المحلّي في دابق، جاء فيها بعض الإجابات على المشكلة التي طرحتها أم عماد وغيرها من سكّان المنطقة.

وجاء في الوثيقة الصادرة عن المكتب الطبي في بلدة دابق، المركز الصحي بتاريخ ١٨ تموز ٢٠١٩، أن المركز الصحي يخدم حوالي ١٣ ألف نسمة من بلدة دابق بالإضافة إلى ٥٠٠٠ نسمة من ثلاث قرى مجاورة ليصبح العدد الإجمالي ١٨ ألف مخدم وهو المركز الوحيد في البلدة”.

ويتضمّن المركز عدّة أقسام، ومنها صيدلية وعيادة داخلية تستقبل بمعدّل ٤٠ معاينة يوميًا، وعيادة أطفال تستقبل نحو ٥٠ معاينة يوميًا، وعيادة نسائية تستقبل ١٠ معاينات يوميًا، وقسم إسعاف أولي بنظام ٢٤ ساعة.

المجلس قال في الوثيقة ذاتها: “إن المشكلة التي تواجه المركز قلة الادوية وصعوبة تأمينها وهذا ينعكس سلبًا على فئة النساء الأرامل اللواتي لا يملكن دخل مادي ثابت”.

توضّح هذه الوثيقة عدّة جوانب من المشاكل التي يعانيها المركز الصحّي في بلدة دابق، ومنها قلّة أو انعدام وجود الأدوية، وهو ما يؤثّر على أصحاب الدخل المحدود، حيث تأتي النساء الأرامل أو اللواتي لا يمتلكنَ معيلًا على رأس قائمة المتضرّرين، وذلك بسبب عدم توفّر معيل يقدّم الدعم المادي لتلك النساء، ما يجعلهنَّ أمام مغامرة للحصول على عبوة أدوية.

سوء تنسيق مع الصحة التركية

في سؤالنا للمركز الطبّي عن سبب عدم توفّر الأدوية، قال الصيدلاني علي مصطفى مدير المركز الصحي في دابق: “إن هناك خللًا في عملية صرف الأدوية.

وشرح مصطفى لـ “صدى الشام” المشكلة قائلًا: “في السابق كانت المنظّمات غير الحكومية هي المسؤولة عن عملية تأمين الأدوية، وتقوم بتوفير كل متطلّباتنا من الأدوية الإسعافية والأدوية الخاصة بالعلاجات المزمنة، وكان كل شيء على ما يرام”.

ولكن بحسب المصطفى، فإنّه عندما تحجّم عمل المنظّمات، وبات المركز الطبّي يتبع لمديرية الصحة التركية، بدأت المشاكل والخلل في عملية تأمين الأدوية الضرورية.

يبيّن الصيدلاني أن المستوى الصحّي في تركيا أفضل مما هو عليه في سوريا من ناحية الفرق في الأدوية وطريقة صرفها للمرضى، ففي تركيا هناك شروطًا محدّدة مقابل الموافقة على صرف الأدوية مثل وصفة رسمية من طبيب والتعريف بنفسه ومسؤوليته عن صرف هذا الدواء وهو الأمر الذي ليس موجودًا في سوريا.

وفي سؤالنا عن سبب عدم تواصل المجلس مع الصحة التركية قال المصطفى: “لدينا تواصلًا دوريًا ومستمرًّا معهم ونخبرهم بكل ما لدينا من نقص في الأدوية ولكن عندما نطلب أدوية معيّنة نحصل على أدوية أخرى لا علاقة لها إطلاقًا بالأدوية التي طلبناها”.

وأشار إلى أنّه يتم إرسال الأدوية حسب ما هو متوفّر في مستودعات الصحّة التركية وليس حسب احتياجات المركز الصحّي والمدنيين ما يجعل المركز دون الأدوية التي يحتاجها.

أمّا عن أبرز الأدوية المفقودة في المركز، فأوضح مصطفى أن المركز يحتاج بشكل مستمر لأدوية مضادات الالتهاب ولا سيما في فصل الشتاء لكنّه لم يحصل عليها، كما يعاني المركز الصحّي من نقصٍ حاد بالأدوية المزمنة لمرضى السكّري والأنسولين الذي يوجد عليه طلب كبير ولكن لا يتوفّر منه إلّا القليل، وبحسب المصطفى فإن الكثير من المدنيين يطلبون أدوية الأنسولين ولكن الكمية الواردة قليلة، ما يجعل نسبة قليلة من مرضى السكّري يحصلون عليها.

إضافة إلى ذلك يعاني المركز من شح في أدوية الضغط بأنواعها المختلفة وأبرزها خافض الضغط.

أما النقص الأبرز فهي الأدوية النسائية وتحديدًا تلك الموجّهة للحوامل كالفيتامينات ومضادات الالتهابات الفطرية، والتي تُعتبر غاية في الأهمّية لكنّها غير متوفّرة إطلاقًا، إضافة إلى نقص حاد في أدوية الأطفال وأبرزها مضادات الالتهابات ومطهّرات الأمعاء.

عيادة نسائية دون طبيبة!

ميساء ٣٢ عامًا، من الغوطة الشرقية، هُجّرت إلى الشمال السوري مع عائلتها، واستقرّت في منزل متهالك مستأجر في قرية دابق، بعد وصولها مع زوجه وابنتها الوحيدة، حملت ميساء بابنها الثاني، ولكن على الرغم من وصول حملها إلى شهره الثامن، لكنّه لم تلقَ طيلة هذه المدّة أي رعاية صحّية من المركز.

تقول ميساء لـ “صدى الشام”: “وضعت ابنتي الأولى دون أي رعاية صحيّة وعن طريق قابلة متمرّسة ولكنّني لم أشكُ من ذلك بسبب ظروف الحصار في الغوطة الشرقية حينها”.

وتوضّح أنّها بعدما وصلت إلى ريف حلب الشمالي الذي لا يعاني من أي حصار أو ظروف حرب كانت تأمل في الحمل بظروف صحّية جيّدة تتغلّب فيها على الأمراض المرافقة للحمل، وتتمكّن من الاطمئنان الدوري على جنينها، وهذا ما لم يحدث أيضًا.

خلال حملها الحالي أُصيبت ميساء بالحصبة الألمانية (Rubella) وهي عبارة عن فيروس يصيب الحوامل بشكل اعتيادي مشاكل صحية بعيدة المدى ولكن، عندما تصاب امرأة حامل بفيروس هذا المرض خلال فترة يعرّضها لآلام شديدة.

عندما زارت ميساء المركز الصحّي فتفاجئت بعدم وجود أجهزة للكشف عن الحمل وعدم وجود طبيبة نسائية، لم تجد سوى قابلة تعتني بالحوامل بشكل بدائي وتمنحهنَّ بعض الفيتامينات والمقوّيات، ما أدّى لتفاقم حالتها الصحّية حتّى اضطرت لقطع مسافة طويلة من أجل مراجعة مستشفى في مدينة الباب وهناك تم الكشف عن مرضها.

يوجد في المركز الصحّي في مدينة دابق أربع عيادات، من بينها عيادة متخصّصة في الأمراض النسائية، غير أنّ الصدمة تكمن بأن العيادة لا يوجد فيها طبيبة نسائية، بسبب عدم قدرة المركز على تأمين طبيبة للعمل لديه.

الصيدلاني علي المصطفى مدير المركز الصحّي أوضح أن المركز لا يوجد فيه سوى طبيبن فقط، كل منهم يعمل ثلاثة أيام أسبوعيًا بدوام معاكس من أجل تغطية جميع أيام الأسبوع.

يُرجع مصطفى السبب في ذلك إلى عدم توفّر الكوادر الطبّية في الشمال السوري، واتجاه معظمهم للعمل في المستشفيات التي يتوفّر فيها ظروف عمل أفضل.

وقال: “كان لدينا في السابق عدّة طبيبات إناث، لكن معظمهنَّ اتجهن نحو العمل في المستشفيات، ولم يعد هناك كوادر فاستعنّا بقابلة للعناية بالحوامل”.

لا تكمن المشكلة هنا وحسب، بل إن العيادة النسائية في المركز لا يوجد فيها جهاز إيكو للكشف عن الحمل، فبحسب مصطفى، فإن جهاز الإيكو يوجد شروط لاستجلابه للمركز وهي أن يكون هناك طبيبة نسائية قادرة على التعامل معه، وبسبب عدم وجود طبيبة لا يوجد جهاز إيكو، كون القابلة ممنوعة من استخدامه.

وتابع: القابلة بحكم خبرتها قادرة على العمل في مجال تنظيم صحّة الأسرة والعناية بالحامل ومنحها فيتامينات وأدوية وهذا هو دورها في المركز ولكن في حال كان هناك مرضًا فعلى المريضة مراجعة إمّا مستشفى الراعي الذي يبعد ٣٠ كيلو مترًا، أو مستشفى مارع الذي يبعد ٢٠ كيلو مترًا.

في هذا السياق تقول الخمسينية أم عماد، أن كل أملها في المستقبل هو أن يتوفّر الدواء، بحيث عندما تصاب أي امرأة غير قادرة على شراء الدواء بمرضٍ ما، تكون قادرة على الحصول على عبوة أدويتها بشكل مجاني، ولا سيما أن هناك مركزًا  صحّيًا حكوميًا من المفترض أن يؤمّن هذه الأدوية.

أما ميساء التي اضطرت للسفر إلى مستشفى أعزاز أربع مرّات للكشف عن جنينها ومرضها، فتأمل بأن يتم وضع المزيد من الخدمات داخل المراكز الصحية قائلةً: “المستشفيات في الشمال السوري غالبًا ما تتركّز في المدن الكبرى، لذلك فإن المرضى من القرى الصغرى يصبحوا مضطرين للسفر من أجل الحصول على الخدمة الطبّية”.

وترى ميساء أنّه في حال تزويد المراكز الصحّية بالكوادر الطبّية والمعدّات اللازمة، فإن هذا الأمر يسهّل المهمّة على المرضى في القرى الصغيرة ولا سيما النساء في الحالات الإسعافية

تم إنجاز هذه القصة الحقوقية بدعم من منظّمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR وصندوق الأمم المتحدة لدعم الديمقراطية UNDEF

شاهد أيضاً

أسعار المحروقات في الشمال السوري ترتفع على وقع أحداث “شرق الفرات”

صدى الشام – ياسين المحمد ارتفعت أسعار المحروقات خلال الأيام القليلة الماضية بشكل لافت في الشمال …

انتشار “المقالع” في الشمال السوري.. خطر على البيئة وإزعاج للمدنيين

صدى الشام – ياسين المحمد تنتشر عشرات المقالع مؤخّرًا في ريف إدلب الشمالي، على أطراف العديد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

fifteen − 3 =