الآن
الرئيسية / مواد مختارة / “رؤى مرعي”: أيتها الحرة المحررة ابقِ قوية

“رؤى مرعي”: أيتها الحرة المحررة ابقِ قوية

صدى الشام - مجد أمين/

“بتتخيل إنه تكون لحظات انتقالك من فرع تعذيب لفرع تعذيب تاني هي حلم عندك، بس لحتى تحس إنك بعدك عايش، وقدران تسمع صوت الناس، وزمامير السيارات، وصيحات البياعين بشارع الثورة بنص الشام”.
بهذه العبارات روت “رؤى مرعي”، وباختصار الأحلام الصغيرة الكبيرة التي كانت تراودها خلال فترة اعتقالها في الفرع 215 بدمشق، أحد أكثر الأفرع الأمنية وحشية في سورية، والمسؤول بشكل مباشر عن تعذيب ومقتل الآلاف
من السوريين.
 
رؤى المتحدرة من منطقة القلمون في ريف دمشق، والتي أتمت منذ أيام عامها السابع والعشرين، استذكرت لـ”صدى الشام” الأيام المريرة التي قضتها رهن
الاعتقال في ما أسمته “مسالخ الأسد”، والفترة التي تلت تلك المرحلة.
 
وبنبرة صوت توحي لك بحيوية رؤى وثقتها بنفسها حدثتنا عبر السكايب لتبدأ الحكاية منذ لحظة الاعتقال.
 
هكذا بدأ درب العذاب
تقول رؤى: ” كان يوم الأحد 8 نيسان من عام 2012، من المفروض أن يمر علي بشكل عادي ككل الأيام، ولم أكن لأهتم لهذا التاريخ أو لأحفظه لو لم يكن من أكثر ذكرياتي المؤلمة التي مررت فيها بحياتي”.
 
تأخذ رؤى نفسا عميقاً لتكمل “كنت في طريقي لكلية التربية في منطقة البرامكة، حين أوقف الميكروباص الذي كنت أستقل حاجز عسكري، طلب أحد عناصره الهويات لتفييشها، ليعود بعدها ويطلب مني النزول لبعض الإجراءات، لتكون تلك بداية مرحلة تمتد لسنة وشهور من اللاحياة”.
 
مسالخ بشرية
رؤى فضلت عدم الحديث والإسهاب في شرح ما يجري في معتقلات نظام الأسد، فمن وجهة نظرها أن العالم بأسره بات يعرف ويدرك ما يحدث داخل تلك الغرف المظلمة المشبعة بالظلم والقهر والتجبر اللامحدود، مختصرةً وصف تلك المعتقلات بأنها مسالخ بشرية، كل شيء فيها مباح ولا حدود للإجرام هناك، ولا يُنظر للإنسان فيها إلا كرقم.
 
مجتمعي تقبلني
لم يكن للبيئة المحيطة برؤى والمجتمع القريب رد فعل سلبي اتجاهها، بل كان مساندا لها وفخورا بها بحسب رؤى التي ترى أيضا أنه ثمة مبالغة وتضخيم لبعض الحالات الفردية التي تصادف بعض المعتقلات المحررات اللواتي تعرضن للنبذ من قبل محيطهم.
 
وعن ما بعد الإعتقال، تقول: “لا شك كانت لحظة خروجي من المعتقل ولادة جديدة بكل معنى الكلمة، تعرفون شهقة المولود وجرعة الأوكسجين الأولى التي يتنفسها فتصدر بكاءً، نعم، أنا أخذت الجرعة الأولى من جديد، وصرخت باكية عند رؤية الشمس ورؤية أمي وأبي من جديد”.
 
وتكمل “في المنزل كان الجميع بالانتظار، الأهل، الأقارب، وكثير من الأصدقاء، استقبلت بالزغاريد، وبكل نظرات المحبة والشوق، ولم يسألني أحد ذلك السؤال المقيت المرتبط بالمرأة ( حدا قرب عليكي شي) تلميحاً للاعتداء الجنسي الذي بفضل الله لم اتعرض له، ولا أنكر وجوده في تلك المسالخ وفقت روايات لسجينات كن معي”.
 
ثم استدركت رؤى ” المواقف السلبية، واللمز، وحتى الشتم أحياناً، كوني معتقلة سابقاً تعرضت له فقط من بعض الأشخاص، وذلك بسبب موقفي السياسي المعارض لحكم آل الأسد، وليس لكوني أنثى، فهذه الفئة تعاديك لمجرد رأيك، وموقفك، لا بسبب جنسك”
 
ابقِ قوية
وكرسالة خاصة لكل معتقلة محررة، تقول رؤى: “كثيرة هي الأيام التي أمضيتها بلا شمس، وبلا حتى ضوء، وضجيج لا يتوقف من أصوات المعذبين والمعذبات، وكثيرة هي الآلام الروحية والجسدية هناك في تلك الغياهب، والأكثر منها الكوابيس التي ستبقى ترافقك بعد خروجك حيّة إن قدّر الله، كل ذلك كفيل بأن يفقدك عقلك إن لم تتخذي قرارك بأن تبقي قوية كي تواجهي السجان في الداخل وكل ما بعد ذلك، استمري في الكفاح، وانتقمِ من ظالميكِ عبر استمرارك على قيد الحياة، و بإنجازات أرادوها أن لا تكون لك.”
 
أطلق سراح رؤى عام 2013 بعد عملية تبادل جرت بين الجيش الحر والنظام، لتعود لجامعتها المنقطعة عنها سنتين، وتكمل سنتها الدراسية الأخيرة، ثم ليستقر بها المطاف اليوم في دولة السويد، حيث رُزقت بطفلتها الأولى “شام”، بعد زواجها بمعتقل سابق، عاين بجسده وروحه عذاب السجون وتبعاته فيما بعد، مما جعل العلاقة بين رؤى وزوجها هادئة ساكنة ومتينة، فهم من جمعهم الحب والألم معاً.

شاهد أيضاً

نجت أجسادهن لكن ذاكراتهن بقيت هناك.. من معتقلات النظام إلى الضغوط النفسية

“وكأنني ما زلت هناك لا يزال جسدي مقيداً عندهم، أستيقظ يومياً متعبة من كثرة المطاردة …

بجسد متعب ومقعد.. خرجت “أم خالد” من السجن وبقيت آلامها

على أحد حواجز مدينة معضمية الشام بريف دمشق بدأت رحلة المعاناة لدى “أم خالد” ذات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 − thirteen =