الآن
الرئيسية / مواد مختارة / نجت أجسادهن لكن ذاكراتهن بقيت هناك.. من معتقلات النظام إلى الضغوط النفسية

نجت أجسادهن لكن ذاكراتهن بقيت هناك.. من معتقلات النظام إلى الضغوط النفسية

حسام الجبلاوي/

“وكأنني ما زلت هناك لا يزال جسدي مقيداً عندهم، أستيقظ يومياً متعبة من كثرة المطاردة والتعذيب، خرجت من المعتقل لكن روحي بقيت معهم “.

لا تتوقف آثار الاعتقال على الجسد كما تؤكد المعتقلة السابقة في سجون النظام “ابتسام” بل تترك آثار عميقة في النفوس لا يمكن معها لأي معتقل أي يعود كما كان في السابق.

تسرد ابتسام بعض ما يعانيه المعتقلون بعد خروجهم من المعتقل حيث ” تتكرر الكوابيس وتصبح بديلة للأحلام الجميلة، تشعر بالخوف جراء أي صوت ضعيف، تفقد الثقة بكل من حولك، وحتى تتغير مع أقرب الناس إليك جميع تلك الأعراض تعكس الحياة اللاصحية لنفسية المعتقل وهي شيئ لا شعوري لا يمكنك التحكم مهما حاولت”.

تكمل ابتسام باسهاب حول ما شعرت به بعد خروجها من السجن “عانيت طويلاً من رسم الابتسامة على شفتي كنت أشعر بزوجي كان يريد أن ينسيني ما تعرضت له، لكن لم يكن أي من هذه الضحكات حقيقية، تشعر وأنّ وحشا كبيرا داخلك لا يزال ممسكا بك، يهددك دائما، كنت أشعر بضجر كبير من زيارات الأقارب والأصدقاء، وأميل إلى العزلة والإنطوائية”.

ورغم مرور ثلاث سنوات على نجاتها من المعتقل ولجوؤها مع زوجها إلى ألمانيا ترى ابتسام أن الشعور بالأمان هو كل ما يبحث عنه من خاض هذه التجربة، وتختم حديثها بالقول “ساعدني الابتعاد عن سوريا في نسيان بعض هذه الذكريات، لكنّ بمجرد بدء تذكرها أشعر بأطرافي ترتعد”.

“ابتسام” ليست الحالة الوحيدة للأزمات النفسية التي يعاني منها المعتقلون والمعتقلات في سوريا بعد خروجهم من رحلة العذاب المضنية بل تفرض الضغوط الاجتماعية والخوف من إعادة التجربة والذكريات المؤلمة نفسها على الكثير من هؤلاء، ويتعرض بعضهم لصدمات كبيرة.

ووفق طبيبة الأمراض النفسية “نهى الأحمد” المقيمة في مدينة أنطاكيا بتركيا فإن أعراض الانفصام بالشخصية هي واحدة من أكثر الأمراض شيوعاً بين المعتقلين الناجين من سجون النظام التي رصدتها خلال عملها الفترة السابقة.

وانفصام الشخصية كما تشرح عنه الطبيبة المختصة هو مراحل متسلسة  يصل إليها المريض تباعا في حال عدم معالجتها، وتأتي بعد جملة من الأحداث السيئة التي مرت به، والتي تجعله يعيش في عالمه الخاص، وتظهر آثارها في عدم رغبة الشخص بالطعام والشراب، والخروج  مع الآخرين، والكلام والتواصل والاجتماع بهم كمرحلة أولى. ومع مرور الوقت يصاب الشخص بالمرحلة الذهانية حيث يتخيل الكثير من الأشياء السيئة، وقد يسمع أصواتا، ويتهيأ أمامه حركات يعتقد أنها حقيقية، ويمر بحالة يأس تجعله يشعر بعدم حاجته للبقاء على قيد الحياة.

أما المرحلة الأخيرة من هذا المرض وأخطرها فهي مرحلة ما يطلق عليه” الذهان الإكتئابي”، وفيها يشعر المريض أنّ الجميع متآمر عليه ويكرهونه، فينعزل عن محيطه، ويفكر بالانتحار، ويهمل حياته بالكامل، ويعتكف في غرفته. لكنّ الأحمد في الوقت ذاته تؤكد أنّ “ظهور أحد هذه الأعراض لا يعني بالضرورة إصابته بالانفصام كاملاً، وإنما هي حلقات ضمن سلسلة تتطور باستمرار”.

من خلال تواصلها الدائم مع حالات المعتقلات والمعتقلين رصدت الطبيبة جملة من المشاكل النفسية الأخرى الشائعة تتعلق بظروف الاعتقال، أهمها العزلة الاجتماعية، والخوف والقلق الدائم، والتوتر من أي صوت عنيف أو مشهد قاسي .

وحول علاج هذه الحالات ومتابعتها ترى الأحمد أنّ “شعور المريض بحاجته للتعافي وشعوره بالمشكلة هي بداية الحل، ثم يأتي لاحقا تواصله معنا، واكتساب ثقته. ويحمل العلاج شقين أحدهما طبي من خلال الأدوية ومضادات الاكتئاب، والثاني هو إعادة ثقة المريض بنفسه ومحيطه، وهذا لا يتم إلا بتعاون عائلته والمقربين منه معه”.

وختاماً تؤكد الأحمد أنّ الظروف التي عايشها المعتقلون ليست سهلة أبدا، ويجب على الجميع أن يفهم أي تغييرات يمر بها المعتقل بعد خروجه، ويكون سندا له ،لأنّ الناجون من سجون النظام وإن كانت أجسادهم قد خرجت فعلا، إلا أنّ ذاكرتم ما تزال تحتفظ بالكثر من هذه الصور البشعة وتلاحقهم أينما حلوا”.

شاهد أيضاً

ستتم إعادة تجهيز خط دمشق بغداد (ماهر مؤنس/فرانس برس)

سكة الحديد بين إيران وسورية: مسعى لتكريس نفوذ طهران

العربي الجديد كثّفت إيران في الأيام الأخيرة من جهودها للإسراع ببدء مشروع خط السكك الحديدية …

تعزيزات تركية وسط تواصل قصف النظام السوري على إدلب

وصلت تعزيزات عسكرية من الجيش التركي صباح اليوم الثلاثاء، إلى ريف حماة الشمالي المتاخم لريف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 − one =