الآن
الرئيسية / أخبار سريعة / هل تكفي تعديلات قانون العقوبات السوري لوقف “الجرائم الماسّة بالشرف”؟
صورة كرتونية من حملة "جريمة لا شرف" - انترنت

هل تكفي تعديلات قانون العقوبات السوري لوقف “الجرائم الماسّة بالشرف”؟

صدى الشام - خاص/

خلال شهر تشرين الأول الماضي، كانت مواقع التواصل الاجتماعي في سوريا تغلي تضامناً مع شابّة سورية قتلها شقيقها عبر إطلاق ٣٠ طلقة نارية عليها أمام الكاميرا التي كانت تصوّر المشهد.

ظهر في الفيديو، فتاة تُدعى رشا بسيس، مُلقاة على الأرض في إحدى شوارع قرى شمال سوريا، ويقف بجانبها قريبها بشار بسيس، ومعهم شخص ثالث كان يصوّر الجريمة، حيث طلب من بشّار أن “يغسل عاره”.

ما لبث بشّار أن فرّغ كل ما في بندقيته من رصاص على الشابّة رشا وأرداها قتيلة أمام الكاميرا.

بعد هذه الحادثة، تضامن ناشطون بشكل واسع مع حكاية رشا، وأطلقوا حملة باسم “جريمة لا شرف” في إشارة إلى ذريعة “الشرف” التي استخدمها بشار في عملية القتل، وشهدت الحادثة تعاطفاً واسعاً مع الضحية.

تتبّعت “صدى الشام” ملف رشا لمعرفة ما جرى بالتحديد، ولاحقت قضيتها في المحاكم السورية لمعرفة مصير مرتكب الجريمة.

وأشارت مصادر قضائية اطلعت “صدى الشام” على ملف الدعوى، إلى أن الفتاة رشا من سكّان ريف حماة الشمالي، وغادرت منطقتها نحو مدينة جرابلس.

وأضافت المصادر القضائية، أن القاتل بشار هو شقيق رشا، وأنّه كان مقاتلاً في إحدى الفصائل جنوب إدلب، ولحق بشقيقته إلى جرابلس وعاد بها إلى ريف حماة الشمالي حيث نفّذ جريمته هناك، نافيةً أن تكون الجريمة قد نٌفّذت في جرابلس كما ادعت وسائل الإعلام.

وقال القاضي مصطفى سلطان مستشار محكمة الاستئناف بالراعي لـ “صدى الشام”: إن شقيقها القاتل هو الآن عنصر في فصيل “هيئة تحرير الشام”، مؤكّداً أن التحقيقات جارية في محكمة جرابلس التي فتحت تحقيقاً وأحالت الضبط إلى النيابة العامة، حيث تم تحريك دعوى القتل بحق بشار بسيس.

على أن حادثة رشا شهدت تعاطفاً واسعاً كونها ارتكبت بطريقة وحشية أمام الكاميرات، فإن هناك الكثير من الحالات المشابهة التي لم يسمع بها أحد، ولم تلقَ التسليط الإعلامي اللازم لهذا الموضوع، كونها حدثت بعيداً عن أعين وسائل الإعلام.

عن الدافع الشريف

تحدث هذه الجرائم ضمن ما يُعرف بـ “الجرائم الماسة بالشرف”، وهو مصطلح قانوني يعني الجريمة المدفوعة بـ “الدافع الشريف” لكن قانون العقوبات السوري عرّف الدافع بأنّه “العلة التي تحمل الفاعل على الفعل أو الغاية القصوى التي يتوخاها” غير أن القانون لم يعرّف “الدافع الشريف”، وترك أمر تعريفه وتحديده للقاضي.

تبحث “صدى الشام” في هذا التقرير، في القوانين السورية التي تجرّم “الجريمة الماسّة بالشرف” وآلية التعامل مع هذه الجريمة وعقوباتها، وذلك بالتزامن مع تزايد وقوع الجرائم “الماسة بالشرف” في سوريا.

وعلى هذا الأساس، عرّفت محكمة النقض، “الدافع الشريف”، بأنّه “عاطفة نفسية جامحة تسوق الفاعل على ارتكاب جريمته تحت تأثير فكرة مقدسة لديه بعيدة كل البعد عن الأنانية والأثرة ومنزهة عن الحقد والانتقام وعن كل ما فيه مصلحة فردية أو عاطفة خاصة أو غاية شخصية”.

وقالت المحكمة في اجتهاد آخر: “إن الدافع الشريف هو عاطفة نفسية جامحة تدفع صاحبها إلى ارتكاب جريمته تحت تأثير فكرة مقدسة لديه لا سبيل إلى تجاهلها وإهمالها وطرحها وهي الحفاظ على العرض والزود عنه ويعتبر الدافع موجوداً لمجرد وقوع القتل تحت تأثير اعتداء القتيل على عرض القاتل ولا عبرة في ذلك للزمن طال أم قصر”.

و أخرجت محكمة النقض من شمول الدافع الشريف من يبتغي من جريمة القتل مصلحة شخصية أو إشباع أحقاد أو إطفاء شهوة في الانتقام أو ثورة  لكرامة شخصية لأن الدافع الشريف يجب أن يكون  بعيداً عن الحقد أو الانتقام أو الثأر ، كما أكدت بأنه لا يجوز الأخذ بالدافع الشريف عند انتفاء التلازم بينه و بين فعل القتل وذلك بظهور أدلة أخرى تكفي للدلالة على قيام  حالة معاكسة تنفي وجود هذا الدافع وتؤكد  بأن الفعل وقع نتيجة دوافع أخرى وعلى هذا فإن قتل الأب لابنته بعد قيامه بتزويجها و لأسباب تعود إلى سوء سلوكها قبل الزواج ينفي عنه الدافع الشريف.

ويقول المحامي محمود حمام من نقابة المحامين الأحرار بحلب: “إن هذه الجريمة هي جريمة عادات مجتمع، وتختلف كل ٥٠ عاماً، باختلاف مستوى التعليم والنظرة العامة للمجتمع وتطوّر المجتمع والتقدّم بالعلم والتطوّر وزيادة الوعي، وانتقال المجتمع إلى حالة أكثر مدنية، لكنه أشار إلى أنّه على الرغم من ذلك فإن الحوافز والعاطفة لازالت موجودة في مجتمعنا، وأن إنكارها يعني إخفاء جانب من الحقيقة.

وتابع حمام: “الغيرة والشرف هي أمور لازالت موجودة داخل المجتمع، والرأي العام للمجتمع غالباً ما يكون ضاغطاً في هذه الأمور” معتيراً أن التطوّر القانوني يأتي استناداً لتطوّر المجتمع نفسه، وأنَّ المشرّع يستمع لما يريده المجتمع عند سن القوانين.

من جهته يوضّح القاضي مصطفى سلطان، مستشار محكمة الاستئناف في مدينة الراعي، أنّ كلمة “الدافع الشريف” تعني ارتكاب جريمة من أجل المنفعة العامة والصالح العام، ولكن أغلب هذه الجرائم التي تحدث اليوم هي القتل.

من العذر المحل إلى العقوبة

كان قانون العقوبات السوري، الصادر عام ١٩٤٩، لا يحمّل القاتل في “الجريمة الماسّة بالشرف” أي عقوبات أو تبعات قانونية، فيكفي أن يتضح بأن القاتل ارتكب جريمته “بدافع الشرف” حتى يتم العفو عنه نهائياً، وذلك بموجب ما كان يُعرف بـ “العذر المُحل” الوارد ضمن المادة ٥٤٨ في قانون العقوبات السوري.

استمرَّ العمل في القانون على هذا الحال حتّى جاء عام ٢٠٠٩، الذي شهد تعديل هذا القانون، وجعل “العذر مخفّف” بعد أن كان العذر محلّاً.

التعديل جاء في عام ٢٠٠٩، بموجب المرسوم التشريعي رقم ٣٧، وجاء في تعديل المادة أنّه “نص المادة بعد التعديل: “يستفيد من العذر المخفف من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو ايذاءهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد على ألّا تقل العقوبة عن الحبس مدة سنتين في القتل”.

كما ذكر التعديل في فقرته الثانية، أنّه ” يستفيد مرتكب القتل أو الأذى من العذر المخفف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر”.

يقول المحامي محمود حمام من نقابة المحامين الأحرار في حلب لـ “صدى الشام”: “إن هذا التعديل جاء بعد ضغوطات واسعة من المنظمات النسائية، وتزايد هذا النوع من الجرائم، لافتاً إلى أن تطوّر المجتمع والنشاط النسوي أدّى لاعتبار أنّه ليس هنالك أي عذر محل، بل عذراً مخفّفاً يقوم به الإنسان تحت عاطفة مقدّسة جياشة عندما تُصاب إرادته بالشلل.

جعل هذا التعديل، عقوبة جريمة “الدافع الشريف” سنة في الحد الأعلى إذا لم تؤدٍّ للوفاة، وما بين سنتين و١٥ سنة إذا أدّت إلى الوفاة بحسب المحامي محمود حمام.

لم يستمر العمل بهذا التعديل سوا عامين فقط، ففي عام ٢٠١١، عاد القانون وشدّد العقوبة تجاه هذا النوع من الجرائم، وذلك بموجب المرسوم رقم ١ لعام ٢٠١١، الذي شدّد العقوبة واعتبرها لا تقل عن خمس سنوات ولا تزيد عن سبع سنوات في حدّها الأعلى.

ونصّت المادة ١٩٢ من قانون العقوبات العام، على أنّه إذا تبين للقاضي أن الدافع كان شريفاً فإنّه يخفّف عقوبة الإعدام إلى الاعتقال المؤبّد، ويخفّض عقوبة الاعتقال من الأشغال الشاقّة المؤقّتة إلى المؤقّتة، ويخفّض عقوبة الأشغال الشاقّة المؤبّدة إلى المؤبّد أو السجن ١٥ عاماً، ويخفّف عقوبة الحبس مع التشغيل إلى الحبس البسيط.

كما نصَّ القانون على أنّه “للقاضي فضلاً عن ذلك أن يعفي المحكوم عليه من لصق الحكم  ونشره المفروضين كعقوبة”

تطوّر القانون السوري مع “الجرائم الماسّة بالشرف” – صدى الشام

أرقام

يوضّح القاضي مصطفى سلطان، مستشار محكمة الاستئناف في الراعي، أنّه خلال تنقّله في المناصب في الشمال السوري بين رئيس نيابة وقاضي تحقيق ثم مستشار، مرّت عليه سبع حالات “جريمة بحجّة الشرف” خمسة منها أسفرت عن وقوع إيزاء، في حين تسبّبت اثنتين بالقتل.

في تموز 2016 نقلت صحيفة “الوطن” المقربة من النظام عن المحامي العام لريف دمشق ماهر العلبي، أن “الجرائم الماسة بالشرف” ارتفعت بشكل واضح.

وقدرت الصحيفة بحسب مصدر قضائي، حالات الزيادة أنّه بنحو أربع أضعاف ما كانت عليه سابقاً، ولم تأتي الصحيفة على ذكر الأرقام.

وبحسب البيانات الموجودة لدى وسائل الإعلام المحلية والرسمية، فإن عام ٢٠١٠، شهد وقوع ٢٤٩ جريمة ماسة بالشرف، بينما وقعت في عام ٢٠١٢ ٤٧ جريمة، في حين وقعت في عام ٢٠١٤، نحو ٦٠ جريمة.

ولم تتوفّر بيانات عن الجرائم في أعوام ٢٠١١، ٢٠١٣، ٢٠١٥.

اعتماد القانون السوري

شملت العيّنة التي بحثت بها “صدى الشام” مناطق الشمال السوري الذي تسيطر عليه المعارضة السورية، وهي مناطق “عفرين، الباب، جرابلس، إعزاز، ريف حلب الغربي”.

وبحسب مجموعة قضاة قابلتهم “صدى الشام” فإن هذه المناطق تطبّق القانون السوري، غير أن بعض المناطق تطبّق القانون مع تعديلاته، في حين أن مناطق أخرى تطبّق القانون دون الأخذ بالتعديلات التي وقعت بعد الثورة السورية.

ويشير المحامي محمود حمام، إلى أن القضاة اجتمعوا في محكمة النقض في الشمال السوري وقرّروا اعتماد القانون السوري بالتنسيق مع الجهات التركية.

وبالمقابل فإن محافظة إدلب تديرها “المحاكم الشرعية” التابعة لفصيل “هيئة تحرير الشام” والتي يشكّك حقوقيون بنزاهتها وكفاءة قضاتها، بينما تعتمد “الإدارة الذاتية” التي تحكم شمال شرق سوريا قانوناً خاصاً بها.

ويوضّح المحامي محمود حمام، أن حالة تعدّد القوانين، تُعتبر أمراً غير صحي، وتؤدّي لزيادة الجرائم، مُعتبراً أنّ ذلك يكون عاملاً من عوامل هشاشة الدولة وعدم وضوح البنية القضائية.

وقال أيضاً: “الثورة السورية لديها مشروع تغيير، ومن الضروري أن تكون هي الأقوى من الناحية القانونية وتقدّم نموذجاً حضارياً للشعب السوري وكل العالم.

تعديلات غير مجدية

على الرغم من أن القانون السوري أجرى تعديلات في تعديلي ٢٠٠٩ و٢٠١١، حوّل فيها الجريمة من “العذر المحل” إلى “العذر المخفّف” إلى العقوبة، إلّا أن القاضي مصطفى سلطان  أن القانون لا يزال مقصّراً في ضبط هذه الجرائم، وقال: “لازال القانون يعتبرها جنحة وليست جناية وتتراوح عقوبتها بين خمس إلى سبع سنوات” موضحاً أن ذلك يترتّب عليه أن يتم محاكمة المجرمة أمام محكمة بداية الجزاء وليس أمام محكمة الجنايات، وعلى هذا الأساس من الممكن أن يتم إخلاء سبيله وإجراء المحاكمة، في حين أنّه في محكمة الجنايات يتحاكم خلف القفص.

ويشير سلطان، إلى أنه في الوضع العادي يُحاكم القاتل بالسجن لمدّة ٢٠ عاماً، وقد يخفّفها القاضي بموجب الأسباب المخفّفة إلى ١٢ عاماً، ولكن بالمقابل فإن الجريمة الماسة بالشرف” تكون فيها عملية إزهاق روح مماثلة، وتكون مخفّفة، مضيفاً “الأول ارتكب جريمة قتل والثاني ارتكب جريمة قتل أيضاً”.

وأوضح أن التعديل الأخير فيه ناحية إيجابية، حيث تم تبديل جملة “من وجد أخته” إلى جملة “من وجد إخوته” أي أنّه أصبح ينطبق على الذكور والإناث أيضاً.

من جهته يضّح المحامي محمود حمام، أن التشريع الحالي بعد تعديل ٢٠١١ بات منطقياً ومنصفاً للمرأة والرجل قائلاً: “حقّقنا نقلة نوعية بالانتقال من اللاجريمة إلى الجريمة ثم العقوبة المشدّدة التي باتت خمس سنوات بالحد الأدنى”.

ضرورة إثبات العلاقة في الشريعة

على الرغم من أن الاعتقاد السائد، بأنَّ الدين الإسلامي يحلّل قتل الإنسان المحصّن (المتزوّج) في حال أقام علاقة مع غير زوجه/ زوجته، إلّا أن هذه العملية لها ضوابط كثير.

وفي هذا السياق يؤكّد القاضي مصطفى سلطان مستشار محكمة الاستئناف بالراعي، أنه قبل تطبيق الحكم الشريع ضد من يقيم علاقة في الدين الإسلامي، “إثبات هذه العلاقة”.

ويضيف سلطان، أن الشريعة الإسلامية تتطلّب وجود أربع شهود أو اعتراف طرفي العلاقة لإثباتها، ولكن في حال كانت المرأة محصّنة لا يحق للرجل تنفيذ الحكم الشرعي بحقّها بل يحتاج بعد الحصول على الشهود إلى رفع دعوى في المحكمة التي تتم العقوبة عن طريقها.

وشرح قائلاً: “إذا وجد رجل زوجته في علاقة حميمية مع رجل آخر، وقام بقتلها مباشرةً فإنه يُعتبر قاتلاً بموجب أحكام الشريعة، لأنّه بمجرّد مقتل أحد طرفي عملية العلاقة يصبح من المستحيل أن يتحقّق شرط اعتراف طرفي العلاقة كون أحدهم أصبح متوفياً، وبالتالي يبقى أمام القاتل إيجاد أربع شهود على الحالة، وهو أمر شبه مستحيل ما يعني أنّه خالف أحكام الشريعة، موضحاً أن الشريعة كانت صارمة جداً في التعامل مع قضايا الزنا.

وبحسب سلطان فإنّه حتّى لو حدث الاعتراف، وقبل تنفيذ الحكم الشرعي غيّرت المرأة أقوالها وتراجعت عن الاعتراف فلا يجوز تنفيذ الحكم بحقّها.

تم انتاج هذه القصة الحقوقية بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR وصندوق الأمم لمتحدة لدعم الديمقراطية UNDEF

شاهد أيضاً

استمرار الصراع في سوريا يدمر البنية الاجتماعية والعلاقات الأسرية

كشف بحث حديث أجرته مؤسسة “صدى” للأبحاث واستطلاع الرأي عن أشكال متباينة لتأثر المواطنين السوريين …

تعبيرية

الابتزاز والفصل من العمل.. سبيل النظام للانتقام من المعتقلات الناجيات

لم تكن تعلم هند (اسم مستعار) مدرسة اللغة العربية أنّ اسمها ولقبها سيكون يوما من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 1 =