الآن
الرئيسية / منوعات / مواد منوعة مختارة / معرة النعمان.. مدينة العراقة والطرافة والأدب “2”
القصف دمر متحف المدينة - الأناضول
القصف دمر متحف المدينة - الأناضول

معرة النعمان.. مدينة العراقة والطرافة والأدب “2”

صدى الشام - فيصل عكلة/

حارات هذه المدينة العريقة وأزقتها تبدو هادئة في هذا الصباح البارد من أيام الخريف على غير العادة رغم أن الكثير منها ما زال ركاما بفعل قصف طيران نظام الأسد والمدفعية الثقيلة الذي لم يستثن ولا شارعا واحدا فيها عبر سنوات من التدمير.

لأهل معرة النعمان عاداتهم وحياتهم القديمة كان للمرأة فيها دورا، ويعرفنا بها المؤرخ “شريف الرحوم” ابن المدينة كما يعرفنا بعادات الزفاف هناك.

 

المرأة في المعرة

ويقول “الرحوم” إن المرأة وقفت إلى جانب زوجها في المعرة منذ القدم، ذهبت إلى الحقل وشاركت في الحصاد وجني المحصول كما شاركت في قطف الزيتون كل هذا العمل كان إضافيا إلى عملها في المنزل.

المرأة في المدينة كانت مثال المرأة العربية والشرقية المسلمة تستيقظ في ساعات الفجر وبعد أن تصلي تنظف بيتها وتنظف أيضا أمام بيتها، لأنه من المعيب ألا يكون أمام بيتها نظيفا كما جرت العادات، وذلك ليبدو الحي كله نظيفا.

وتنقل الماء بـ”السطل” ثم بالراوية وتغسل الملابس بيدها قرب بركة الماء في فناء المنزل مستخدمة “الصفوة الافرنجية” والصابون وبعد أن تقوم بتجفيف الملابس تعمل على إصلاحها مستخدمة أدوات الخياطة.

وتضع مونة البرغل بعد أن تنقي القمح من الحصى والتراب وتنظفه بالماء في عملية تسمى “التصويل” وتسلقه في قدر كبير يسمى بـ”الدست” ثم تنشره فوق سطح المنزل، ومن ثم تقوم بعملية “الجرش” حيث يتحول القمح إلى البرغل الخشن الذي يستخدم في صنع أكلة “المجدرة” وغيرها، وبرغل ناعم يسمى بـ”صريصرة” ويستخدم في صناعة الكبة والتبولة.

وكذلك تطحن قسم من القمح للحصول على الطحين المناسب للخبز، كما تطحن العدس وتجرب منه كمية لمعرفة أنه (يدرس) أي يصلح لصناعة أكلة “المصفرة”، و”المصفرة” و”المخلوطة” من أساسيات وجبات الإفطار في المدينة.

وتبدأ المرأة المعراوية يومها مع الخبز في الصباح الباكر وتكون قد حضرت العجين في المساء، تقلب العجين في وعاء يسمى بـ”الطشت” حتى تنضج خميرته، وتقوم بتقطيعه إلى قطع دائرية في عملية تسمى بـ”التقريص”، وتذهب لتوقد التنور على الحطب أو أنواع أخرى، ومن المفترض أن  تنهي عملية الخبز برمتها قبل شروق الشمس كما أن هناك لمة تدعى لمة الخبز والتنور حيث تجتمع العجائز والصبايا حول التنور ويتبارين بالرغيف الأكبر وتقول الأم لولدها – عند ترغيبه بخطبة إحدى البنات -إن فلانة رغيفها (هالوسع) وتفتح يديها لتشير إلى كبر الرغيف وصناعة خبز السمسم وخبز الفليفلة والفطيرة.

الزفاف في المعرة

تغيب شمس المعرة خلال تجوالنا في أنحائها، نحط رحالنا في أحد بيوت المدينة العريقة، نحتسي فنجانا من القهوة ونستمع إلى أم محمد وهي تحدثنا عن عادات المعرة في العرس، وكيف تختار الأم العروس وكيف تكون الخطبة والزفة والطقوس المرافقة لها، والذهاب إلى حمام السوق، حيث تتذكر أم محمد تلك الأيام الجميلة.

وتشرح “أم محمد”: “عندما يجد الأهل أن ابنهما أصبح في عداد الرجال وبعد تدخلات من الأقرباء والجيران بأن ابنكم ما شاء الله عليه وصار لازم تبحثوا له عن بنت الحلال ويطلب الأب من زوجته البحث عن العروس تضع الأم (ملايتها) عليها و تصطحب أختها أو جارتها معها وفي بالها أجمل وأذكى بنت وتنطلق عبر الأزقة والحارات تطرق الأبواب وتسأل عن بنات للزواج إن لم يكن في بالها احدى بنات الأقرباء وفي حال وجود البنات في عمر الزواج في أحد البيوت تدخل الأم  وتجري اختبارا أوليا لزوجة ابنها المفترضة وفي حال أنها نالت إعجابها يطلب أهل البنت بعض الوقت للتشاور والسؤال عن العريس وعائلته.”

وفي حال الموافقة يتوجه وفد من أقرباء العريس إلى بيت أهل العروس لتجري عمليات فصل المهر(النقد) والجهاز وتحديد موعد العرس.

والجهاز في الزفاف هو “الحاجات اللازمة من ملابس وأثاث المنزل”، وكان يقتصر على بعض الأثاث العربي المعروف باسم “المفروشات، اللحف، المد، السبت وهو خزانة صغيرة تضع العروس فيها لباسها وحاجاتها الأساسية.”

أما لباس العروس أو “فستان العروس” فلا يشترى من السوق جاهزا، إنما تذهب النساء لتشترى قطعة من القماش وتذهب بها إلى مركز الخياطة بهدف الحصول على “فستان” بحسب الذوق الخاص بالعروس وبحسب العادة والتقاليد السائدة في ذلك الزمن.

ويستغرق الإعداد للزفاف ما بين شهرين وثلاثة أشهر يتم خلالها تجهيز إحدى غرف الدار للعريس من سجاد وبرادي ومد وعندما يحين موعد العرس تكون البداية مع ليلة الحنا والحمام حيث تجتمع عدد من البنات من صويحبات العروس عندها قبل التوجه إلى حمام السوق ويصطحبن معهن عددا من المأكولات اللذيذة مثل التبولة والكبة أو المشاوي حسب الحالة المادية إضافة إلى الفواكه والحلويات وبعد أن ينتهي وضع الحنا للعروس يعود الجمع ضمن زفَة إلى بيت العروس وفي اليوم الثاني أيضا تعود البنات إلى بيت العروس لعمل النقشة وتسمى سهرة الوداع وترتدي العروس الثياب الجديدة التي فصلتها حتى تراها بقية البنات.

أما رفاق العريس يقيمون له ليلة الحنا أيضا ويتخللها الرقص بصينية الحنا وبدلة العرس بعد أن يستحم العريس  ويسمونها (الجلوة)، ويلبسونه المناشف وسط الرقص والغناء، والتي تبدأ بعبارات مثل “الصلاة على محمد الصلاة عليه وزين زين و سروج الخيل يا غالي وتمختر يالمعراوي..”

وفي ليلة الدخلة وبعد أن تذهب العروس إلى مركز تصفيف الشعر والعريس إلى مركز الحلاقة يتوجه أقرباء وجيران العروس إلى بيتها ويحضر أيضا جاهة كبيرة من أهل العريس وتخرج من بيت أهلها وسط زفة كبيرة ويوصي أهل العروس والد العريس بأنها أمانة وأصبحت بنتكم ويشكر والد العرس أهلها ويعدهم بأنها في الحفظ والصون وتصل العروس وتدخل بيتها الجديد وسط الزغاريد عندها يراها العريس للمرة الأولى.

وفي اليوم التالي والذي يطلق عليه “يوم الصباحية”، حيث يحضر الأقرباء ويتم تجهيز الفطور بالمامونية والقشطة وبعد الظهر تبدأ المباركات ويحضر الأقرباء والأصحاب، وبعد ثلاثة أيام يدعو أهل العروس العروسين إلى بيتهم وهي المرة الأولى التي يدخل العريس بيت أهلها وبعد أسبوع يعود اهل العريس لدعوة أهل العروس والأقرباء والأصحاب و توزع حلوى “الشعيبيات” على الحضور.

 

المرأة في الثورة

وفي عهد الثورة على نظام آل الأسد حملت المرأة في المعرة الهموم والآلام التي أصابت المدينة، حيث رأينا المراة الضحية المصابة والنازحة والفاقدة والمفقودة، ومع ذلك شاركت في كل نشاط يدعو الى الحياة. وازداد دور المرأة في المعرة مع خسارة المعرة لآلاف من شبابها على جبهات القتال، وتفرغ قسم منهن أيضا للأعمال القتالية في حالة نادرة. والكثير منهن أصبحن معيلات بعد فقد أزواجهن في بيئة تعتمد على الزوج وبات عليهن واجب القيام بأعباء الرجل، وعانين مرارة النزوح والتشرد وفقدن العديد من أبنائهن وأهلهن ولكنهن صبرن ونهضن من جديد.

وفي إحدى المراكز المهتمة بالمرأة التقينا المشرفة ثناء والتي تحدثت عن ظروف المرأة خلال الحرب، وتضيف أنها تعمل على تدريب النساء اللواتي فقدن المعيل من خلال المركز.

وتم افتتاح عدد من المراكز التي تقدم للمرأة التدريبات التي تؤهلها لدخول سوق العمل، من أعمال الخياطة والنسيج والتطريز إضافة إلى الإسعافات الأولية، مثل مركز شام الذي يهتم بالإضافة إلى الدورات المهنية للنساء بتعليم الأطفال ومحو الأمية لهم وخاصة أن قسم منهم لم يدخل المدرسة بعد رغم بلوغه الثانية عشر سنة وهو لا يعرف حتى كتابة اسمه.

ويوجد في معرة النعمان مركز مهتم بشؤون المرأة يقدم أيضا الدورات المهنية لكنه لا يقف عندها إنما يساعد النسوة على تأمين عمل لهن بعد إنتهاء دورة التدريب.

أما بالنسبة لمصابات الحرب وذوات الاحتياجات الخاصة والتي تضاعفت أعدادهن في ظروف الحرب تقول “ثناء” إنه “تم تشكيل جمعية أبي العلاء للعناية بذوي الاحتياجات الخاصة والمصابين وتأمين ما يحتاجونه من معدات وعلاج، كما افتتح مركز لتصنيع الأطراف والعلاج الفيزيائي لهن حيث يعمل في المركز العديد من بنات المدينة.”

ونودع المعرة وهي تعود للحياة على أمل التجوال في أسواقها العتيقة والتعرف على مهن امتازت بها المدينة عن غيرها.

شاهد أيضاً

“أمنستي” تحصي عدد الجثث في المقابر الجماعية بالرقة

أحصت منظمة العفو الدولية “أمنستي” عدد الجثث التي تم استخراجها من المقابر الجماعية في محافظة …

صنع في سوريا الحرة - صدى الشام

شاب مهجر يصنع آلة متطورة لتحضير المشروبات الساخنة

حاول الشاب “عبد المجيد” المهجر من داريا إلى إدلب ابتكار شيء يلبي احتياجات المجتمع ويواكب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

two + four =