الآن
الرئيسية / منوعات / فن / حال الدراما السورية اليوم بعيون الفنان نوار بلبل
الدراما السورية أداة بيد السلطة
الدراما السورية أداة بيد السلطة

حال الدراما السورية اليوم بعيون الفنان نوار بلبل

صدى الشام - عمار الحلبي/

بعد نحو ثماني سنوات من الثورة في سوريا، تغير وجه الدراما السورية كثيرا، وبات هناك الكثير من التغيرات التي طرأت عليها، والتي أدت إلى انحدارها لمستوى غير مسبوق سواء بالإنتاج أو النصوص الدرامية أو المواضيع التي تعالجها.

وتأثرت الدراما السورية بجملة عوامل جاء على رأسها التضييق الأمني الذي تعاني منه في مناطق النظام، وهجرة الفنانين المحترفين، وبالمقابل، لم تجد الدراما عند المعارضة السورية تجربة مشرقة، لعدة أسباب جاء على رأسها عدم وجود تبن واضح وغياب الإمكانات عن هذه الدراما.

كما أثرت التحزبات السياسية، في نقل مواضيع الدراما السورية من معالجة مواضيع اجتماعية لكنها لا تنصب في أولوية مشاكل السوريين، مثل تجارة المقررات الجامعية ومرض الإيدز وإشارات المرور، إلى دراما تروي النزاع في البلاد من وجهة نظر أحادية.

في هذا التقرير تحاور “صدى الشام” الفنان السوري نوار بلبل، للوقوف على واقع الدراما السورية بعد الثورة والتحديات التي تواجهها.

نوار بلبل، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل في عام 1998، وحصل على جائزة أفضل ممثل لـ 4 مرات في عدة مهرجانات دولية، وحصل على جائزة أفضل عرض أيضا.

وأنجز بلبل قبل اندلاع الثورة عرضا مسرحيا تحت مسمى “المنفردة” وتجاوز حينها، إلى حد ما، الخطوط الحمراء التي كانت مفروضة على كل الشعب السوري.

 

الفنان نوار بلبل
الفنان نوار بلبل

 

قبل الثورة

يشرح بلبل عن وضع الدراما السورية قبل الثورة قائلا: “الدراما السورية كمن شارك بسباق مع نفسه وكانت النتيجة أنه فاز بالمركز الثاني، الدراما السورية تتسابق مع المصرية لأن المصرية هي الوحيدة اليوم التي يمكن اعتبارها محل مقارنة مع الدراما السورية”.

وقال: “على الرغم من أن الأتراك قريبين جغرافيا وثقافيا من سوريا، ولكن الدراما التركية سبقت السورية بأشواط، ولم يتورطوا بالموسمية، لذلك غزت الدراما التركية عدة دول وأبعدت الدراما السورية عن المنافسة نهائيا على الرغم أن الدراما التركية لا تمتلك عراقة ولكن مواضيعها مفتوحة أكثر” لافتا إلى أن الدراما السورية كانت سابقا هي عبارة عن تنفيس لا أكثر مثل مسلسلات دريد لحام وبقعة ضوء وغيرها، لذلك اليوم لا أعترف بالدراما السورية إطلاقا”.

وأوضح أن الدراما السورية كانت قبل الثورة تعمل بسقف منخفض جدا، وتقوم على مواضيع خارج مشاكل المجتمع لأن المجتمع كان منهارا ومفككا ومفروض عليه قبضة أمنية شرسة.

وتابع أيضا: “أعلم جيدا كيف كانت النصوص تتعرض للرقابة من قبل المخابرات قبل التصوير، وتضييق الرقابة على الدراما ومنعها من طرق مواضيع جريئة جعلها دراما مشوهة، تماما كالطفل الذي يمنع من التعبير عن رأيه بالمجتمع ويتم كبته فيخرج مشوه نفسيا”.

وبحسب بلبل، كان النظام يستخدم الدراما كسلاح لتسويق نفسه سياسيا وقال: “عندما كنا نعمل على مسلسل أهل الراية، في الجزء الأول كانت العلاقات غير واضحة بين النظام وتركيا، وكان النظام يسوق داخل المسلسل بأن الأتراك محتلين وقتلة ومجرمين كما سوقهم في عدة مسلسلات أخرى، ولكن خلال العمل على تصوير الجزء الثاني من المسلسل، كانت العلاقات قد عادت إلى نصابها بين تركيا وسوريا، وفتحت الحدود بين البلدين، فكانت صورة تركيا في الجزء الثاني من المسلسل مغايرة تماما للصورة بالجزء الأول، حيث كان التسويق أن الأتراك إخوتنا وأحبابنا ويشتركون معنا في التاريخ والدين، وتم استقدام ممثلين أتراك في هذا الجزء، لذلك فإن النظام كان يستخدم الدراما حسب علاقاته السياسية، حيث كان يهاجم الفرنسيين في باب الحارة ويتوقف عن هذا الهجوم استنادا إلى تواتر علاقاته مع فرنسا”.

 

نوار بلبل:  الدراما السورية كانت قبل الثورة تعمل بسقف منخفض جدا، وتقوم على مواضيع خارج مشاكل المجتمع.

 

التضييق بعد الثورة

“حتى تصنع دراما حقيقية يجب أن تكون فنان حر، ولديك سقف مرتفع جدا لتتمكن من عمل فن حقيقي ومنتج درامي راقي” بهذه الكلمات يشرح نوار بلبل أكبر المشاكل التي عانت ولا تزال تعاني منها الدراما السوري وقال: “عندما يكون السقف منخفض لن تنتج دراما حقيقية، وفي سوريا كان سقف الحريات أمام الدراما منخفضا جدا، ثم انخفض أكثر بعد الثورة، وباتت الأعمال في معظمها تشيطن الثورة أو تعيش حقبة ما قبلها، وفي أفضل الأحوال يقولون من خلال مسلسلاتهم إن سوريا فقدت اللحمة الوطنية مثلا”.

ويسرد الفنان إحدى القصص التي جسدت القمع ضد صناع الدراما: “في الأسابيع الأولى للثورة، كانت المظاهرات تزداد في درعا وبانياس وريف دمشق وحمص، في حين أن التلفزيون السوري لم يكن يعترف بهذه المظاهرات إطلاقا، لكن بثينة شعبان حصلت على موافقة من القصر الجمهوري، من أجل إعداد مسلسل يتم من خلاله الحديث عما يجري في سوريا وتسمية الأشياء بمسمياتها، وخلال تلك الحقبة”.

 

الدراما السورية لم تلامس هموم الشعب
الدراما السورية لم تلامس هموم الشعب

 

وأكمل بلبل: “تم التواصل معي، وكنت حينها أقوم بإنهاء الموسم الفائت، وكان الجميع يعرف تأييدي للحراك ومظاهرات المدنيين، المسلسل الذي تم إنتاجه كان اسمه “فوق السقف” وهو عمل درامي متصل منفصل يشبه بقعة ضوء، وأخبروني أنني سوف ألعب دور البطولة في إحدى حلقات المسلسل، ولكن كانت كل حلقة يتم فلترتها في أفرع المخابرات حتى تفقد مضمونها قبل أن تعرض أمام الجمهور، وبعد أن تم تصوير الحلقة ١٦ تم إيقاف المسلسل بشكل نهائي من قبل المخابرات، هذا المثال هو أبرز الأمثلة على انخفاض سقف الحريات في سوريا، فالمخابرات والقصر الجمهوري حينها، هي كانت صاحبة فكرة هذا العمل الدرامي، وهي ذاتها لم تحتمل استمراره وقامت بإغلاقه على الرغم من أنه فكرتها بشكل رئيسي، وتبريري لذلك بأن النظام لا يستطيع أن يعطي الشعب السوري الحرية ولا حتى بنسبة واحد٪، لأن هذه النسبة الضئيلة كفيلة بإسقاطه بعد ساعات، ولا يمكن إنجاز دراما بهذا القمع والسقف المنخفض.”

نوار بلبل: النظام لا يستطيع أن يعطي الشعب السوري الحرية ولا حتى بنسبة واحد بالمائة.

 

دراما الثورة

ويعتبر بلبل، أن المشكلة الرئيسية في دراما الثورة، هي أن القنوات الخليجية الكبيرة التي تصل إلى جمهور عربي واسع ترفض عرض أي عمل درامي يتحدث عن الربيع العربي، وهم يريدون عدم إيصال أي فكرة لها علاقة بالثورة.

وقال: “يريدون مسلسلات شامية مثل باب الحارة وغيرها من المسلسلات التي لا تحمل أي قيمة إنسانية أو فكرية”. ويتحدث نوار عن هذه الفكرة من خلال موقفٍ حدث معه: “في عام ٢٠١٤، تم دعوتي إلى مهرجان للشباب في إمارة الشارقة، وكان مسؤول المهرجان يحدثني حول إعداد ندوة حول المسرح والشباب العربي، فعرضت عليه أن نقدم ندوة حول المسرح العربي والشباب بعد الربيع العربي، فرفض حينها بشكل عنيف وقال إنه لا يريد أن يتحدث بأي كلمة حول الربيع العربي، حينها كنت أمام خيارين إما أن أنسحب أو أن أتحدث عن رأيي فاخترت الخيار الأخير، وخلال تقديمي الندوة بدأت بعنوانها “المسرح العربي والشباب في ظل الربيع العربي” فبدأت الناس بمغادرة القاعة، هذه الدول تسيطر على القنوات العربية القوية التي يمكن من خلالها الوصول إلى الجمهور العربي وترفض بأي شكل من الأشكال أن تعرض أي مسلسل له علاقة بالثورة”.

نوار بلبل: القنوات الخليجية الكبيرة رفضت عرض أي عمل درامي يتحدث عن الربيع العربي.

 

النصوص

ويرى بلبل، أنه لا يمكن للنصوص أن تصنع دراما حقيقية وهي لا تملك أي سقف حرية، فمع غياب أي سقف للحرية، والحاجة لإخراج دراما، خرجت مسلسلات سورية – لبنانية تدافع عن مجرم وتاجر مخدرات وسلاح مطلوب للعدالة، حيث قاموا بإنتاج مسلسل “الهيبة” بعد صرف أموال هائلة عليه وجلب ممثل له شعبية كبيرة ليدفع بنا إلى التضامن مع هذا المجرم.

 

 

تجارب في ظل الثورة

وبعد تحرير أجزاء من مدينة حلب من أيدي قوات النظام، ظهرت تجارب درامية سورية لإمكانات محدودة، أبطالها مدنيين عاديين وأطفال من تلك المناطق.

من أبرز هذه المسلسلات، هو مسلسل أم عبدو الحلبية، وهو أول مسلسل سوري يصور في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة داخل مدينة حلب، ويروي قصة الثورة بآلامها وآمالها وبتضحيات الشعب السوري من أجل نيل الحرية.

إضافة لذلك يوجد مسلسل “ميغ” الذي يعرض الواقع عبر حلقات كوميدية تعايش الواقع السوري بإسلوب ثوري وأبطاله شبان سوريين.

وثمة أيضا مسلسل “منع في سوريا” الذي يعتبر الأشهر، حيث قام هذا المسلسل على ثلاث أجزاء، اعتبارا من عام ٢٠١٤، إلى أن وصل لكل السوريين بجميع خلفياتهم السياسية.

ويقوم المسلسل على عرض “سكيتشات” تلامس واقع المواطنين السوريين وهمومهم، كما واجه المسلسل عملية التهجير من حلب، واضطر الممثلون إلى خلق مساحة في تركيا تشبه شوارع وكوادر التصوير في سوريا.

وعرض المسلسل حلقات عن الفساد في المؤسسات السورية الموالية والمعارضة، ولامس هموم المواطنين، كما عرض برنامجا قائما على المواهب الفنية الدرامية.

ويعتبر الفنان السوري “نوار بلبل” أن ما هو جميل في هذه التجارب هو أن هذه التجارب تمثل الوجه الجميل للثورة السورية وتعبر عن نوار بلبل، كونها فجرت الطاقات الكامنة لدى السوريين بعد أن كانت غير معروفة.

وقال بلبل: “خلال الثورة خرج شباب، بعضهم لا يملك أي خلفية درامية وقاموا بصنع منتج درامي، وهذا بحد ذاته نجاح كبير” لافتا إلى هذه الأعمال حققت انتشارا لطيفا ومتابعة معقولة في ظل غياب أي مقوّم درامي.

وأوضح بلبل، أن الدراما صناعة تحتاج إلى فني محترف ونص محترف ومكان محترف وممثل محترف وديكور محترف، موضحا أنه كان هناك أعمال درامية وصلت كلفتها إلى مليون ومئتي ألف ليرة سورية، وبالمقابل فإن السوريين تمكنوا من إنجاز أعمال درامية دون أي من هذه الإمكانات.

ومن بين هؤلاء، ضرب بلبل مثالا على مجموعة شباب يعملون في سراقب ويصورون أعمالا درامية هناك، حيث يطرحون قضايا مهمة في بيئة غير آمنة وظروف عمل معدومة وصلت إلى التصوير  بكاميرا الهاتف المحمول.

نوار بلبل: هناك تجارب درامية تمثل الوجه الجميل للثورة السورية وتعبر عن نوار بلبل

 

تفاؤل بمستقبل الدراما السورية

وينظر الفنان نوار بلبل نظرة تفاؤل نحو مستقبل الدراما السورية قائلا: “بعد الثورة أصبح هناك سقف مرتفع للممثلين والفنانين الذين ثاروا، وباتوا محررين من الرقابة” لافتا إلى أن الحرية هي من تصنع الدراما.

وقال أيضاً: “الدراما السورية والدراما عند الأنظمة العربية كانت لخدمة السلطان او الزعيم أو الملك باختلاف الأنظمة، ولكن يوما ما ستتحول هذه الدراما عند نجاح الربيع العربي، إلى دراما حقيقية تعبر عن المجتمعات مضيفا أنه عندما تسقط الأنظمة العربية المهترئة فإن الشعوب العربية وتحديدا الشعب السوري  لديهم طاقات جبارة.. انتظروا منه الكثير ويوما ما سترون هذه الشعوب رقم واحد بالسينما والمسرح والدراما والتلفزيون والنحت وكل الفنون والمجالات الأخرى.

 

تم انتاج هذه القصة الحقوقية بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR ومؤسسة دونر الكندية Donner Canadian Foundation .

شاهد أيضاً

“أمنستي” تحصي عدد الجثث في المقابر الجماعية بالرقة

أحصت منظمة العفو الدولية “أمنستي” عدد الجثث التي تم استخراجها من المقابر الجماعية في محافظة …

صنع في سوريا الحرة - صدى الشام

شاب مهجر يصنع آلة متطورة لتحضير المشروبات الساخنة

حاول الشاب “عبد المجيد” المهجر من داريا إلى إدلب ابتكار شيء يلبي احتياجات المجتمع ويواكب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

6 + 10 =