الآن
الرئيسية / ثقافة / مواد ثقافية مختارة / معرة النعمان.. مدينة العراقة والطرافة والأدب “1”
هدم المغول جامها الكبير - أحمد الجربان
هدم المغول جامها الكبير - أحمد الجربان

معرة النعمان.. مدينة العراقة والطرافة والأدب “1”

فيصل عكلة/

قالوا عنها أم العواصم وقالوا عنها مدينة الجود والكرم وقالوا مدينة جبر الخواطر إنها مدينة معرة النعمان التي تستلقي على سفح جبل الزاوية الجنوبي من ريف إدلب وتستقبل سهول حماة الشمالية.!

تاريخ طويل ومرير مرت به معرة النعمان تعرضت فيه للكثير من الكوارث لكنها كانت في كل مرة تنهض من جديد، غزاها المغول يوما وقتلوا ما يزيد عن عشرين ألفا من أبنائها حسب بعض المصادر التاريخية ولكنها قاومت الغزاة وتحررت منهم.

عن تاريخ المعرة نستمع إلى ابن المعرة الباحث شريف الرحوم 74 عاما: “تعاقبت على المعرة كوارث عدة غيرت معالمها وشوهت نضارتها، إضافة إلى الزلازل والحروب الضروس التي عاشتها حيث دمرت وشوهت المدينة.. تتالى على المدينة الفراعنة والآشوريون واليونان والرومان ثم جاءها القرامطة في عام 290 هجري وقتلوا قسما كبيرا من أهلها وبعدها دخلها الملك سيف الدولة الحمداني عام 333 هجري ثم احتلها البيزنطيون عام 678 هجري وحرقوا جامعها الكبير. في عام 1027 ميلادي حاصر المعرة القائد الحمداني صالح ابن مرداس زعيم عربي من بني كلاب وسارع المعريّون إلى أبو العلاء لإنقاذهم من الخطر المحدق حيث دلي به بقفة إلى خارج سور المعرة و ذهب إلى صالح حيث رحب به صالح أيما ترحيب وأنشده أبو العلاء أبياتا من الشعر وبعد نجاح سفارته لم يقتحم صالح المدينة.

وبعدها عادت إلى الحكم العربي وأضيفت إلى حماة في عهد أبي الفداء عام 1310 ميلادي وأصبحت مركز البريد ومطارا للحمام الزاجل. ثم هاجمها التتار بقيادة تيمورلنك عام 1401 ميلادي وشدوا عليها الخناق ثم قتلوا منها الكثير حتى وصل العثمانيون عام 1516 ميلادي وبعدهم الفرنسيون إلى يوم الجلاء عام 1947م”.

للمعرة جوها الخاص الذي يأسر القلوب ويدعو كل من زارها مرة لزيارتها مرات ومرات، وقد سرى هذا الحب ليس إلى أهلها فحسب بل تعداهم إلى أهل الريف المحيط بها، وحدثنا محمود الدغيم (55 عاما) أحد أبناء الريف الغربي عن سبب هذا الحب قائلا: “المعرة تعني لي الكثير فهي مديني الأم لتوفر أسواقها ورخص أسعارها وسماحة تجارها وخاصة أنا أتذكر قول الشاعر: “عد للمعرة واشرب ماء آستها.. هاج الحنين و ذاك الشوق يطرن.”

وذات ليلة من ليالي النزوح الحزينة التي ألمت بالمدينة جال أبو إلياس وهو من شعراء المعرة في أزقتها المهجورة وقد أمست خاوية على عروشها رغم أنه لم يغب عنها سوى يومين ومع ذلك اشتاق إليها وكتب قصيدة شوق لها يقول فيها: “تعالي أخية أقرئك اشتياقي على أحجارك الطهر العتاق. على الأسواق أبواب وسقف على الحارات يا بلدي احتراقي. معرتنا أيا أمي وأختي ويا رئتي ويا قدمي وساقي..”

ولم يكن حب المعرة وليد اللحظة بل يضرب جذوره في التاريخ، ترى لما أحب أهل المعرة مدينتهم ومن أين اكتسبت اسمها ذلك ما شرحه لنا الباحث شريف الرحوم من جديد: “لا عجب أن يتغزل بالمعرة الشعراء وكأنها معشوقة فاتنة هام بها هؤلاء عن سواها فهذا أبو العلاء شاعر المعرة العظيم ومن كرخ بغداد يصيح :”فيا برق ليس الكرخ داري   وإنما رماني إليه الدهر منذ ليال، فهل فيك من ماء المعرة قطرة تغيث بها ظمآن ليس بسال”.

وها هو الشاعر والكاتب محمد سليم الجندي يبث شوقه إلى المعرة من دمشق : “ياصيب المزن من سار ومبتكر  حي المعرة في الآصال والبكر. دار قضيت بها عصر الصبا مرحا خلو من الهم والأوصاب والكدر.”

بهذه القلوب المفعمة بالحنين والمكتوية بلوعة الشوق أطلق شعراء المعرة قصائدهم من الأعماق حنينا وشوقا إلى المعرة. وللطرافة حيز كبير في حياة المعريين وسمة بارزة للكثير من أعلام المدينة ومن كل الطبقات.

الباحث شريف الرحوم يروي لنا بعضها : “من الذين برعوا بالطرافة من أبناء المعرة الطبيب والشاعر الراحل أحمد راتب الحراكي المتوفى عام 1994 ميلادي والذي صبغ مهنة الطب بمزيج من الإنسانية والطرافة وما زال أهل المعرة يتندرون بقصصه الطريفة حتى اليوم، وقد وجه رسالة إنسانية إلى ابنه يقول فيها: “ابني إن ينعى إليك حمامي لا تجزعن فقد بليت مقامي. إن قيل رأسك سالما فأجبهم لنفوس العالمين سلامي. تابع خطاي على المكارم إنني أحيا إذا تركت خطاك علامي. هذي الدنا دار لذكر عابر  أما رحلت فعليك مسك ختام. أن هنت مالك بات عرضك سالما ضدان ما وقفا على الأقدام.”

وذات مرة جاءت إليه فتاة متمارضة مع زوجها وبعد أن تأكد أنها سليمة وتبتغي الدلال كتب لها وصفة عبارة عن دربكة للرقص. أيضا شكا إليه أحد المرضى من الذين شك أنه من جماعة الحزب والأمن أنه لايجد في الصيدلية الدواء الذي كتبه له فقال له الدكتور: “اذهب إلى قائد التشرينين تجد دواءك وعلى إثر ذلك دخل سجن النظام وتعرض للإهانة والضرب وخرج وقد كاد أن يفقد البصر في إحدى عينيه.!”

كما قدم إليه يوما رجل يشكو مرض زوجته ورافق الطبيب الرجل إلى بيته وكشف على المريضة وطلب من الرجل كرسي وفنجان قهوة وجلس إلى بركة أرض الدار ومن حوله أحواض الزريعة وطالت به الجلسة ثم طلب فنجانا آخر وعندما هم بالانصراف عرض عليه الرجل الكشفية لكنه رفضها وقال له هذه الجلسة تعدل عندي ملك الدنيا!”

أيضا من طرائف أبناء المعرة أن أحدهم ذهب إلى البدو على حماره وطلبت أحدى البدويات واسمها حبوس استعارة الحمار لكنه رفض لأن الحمار غال عليه ويمكن أن تثقل الحمل عليه ولكنها سرقت الحمار ونقلت عليه وبعد البحث ارتجل هذه الأبيات: “يا قلبي شقدك محتار وصافن عحيطان الدار. وحبوس مرت عطية  وأخدت جحشي مني. يبعتلها لسعة حي ويكون طولها سبع متار. وهاي حبوس الملعونة وصولت عالجحش المونة. ويا خلق لا تلوموني وطول الليل أنا دوار. طول الليل أنا عبدور عخضير وداير مقهور.ويبلاها بأرض بور ويكون فيها شوك ودردار.”

ولما سمعت حبوس بهذه الأبيات وفي دبكة أحد الأعراس ردت عليه بعد أن أحضرت الحمار إلى قرب الدبكة: “شوف شو بدالك ومضيع عقلك مع مالك. وشوف جحشك قبالك   وما بتطس عينيك صغار.”

انضمت المعرة لثورة الحرية منذ أيامها الأولى وأضحت محجة في كل يوم جمعة للآلاف من ثوار المنطقة، حيث يأتيها الثائرون من شتى أرياف المعرة يحملون الأعلام واللافتات ويهتفون ملأ حناجرهم طلبا للحرية والكرامة قبل أن تعود قوافلهم آخر النهار محملة بعدد من الشهداء والمصابين …!!

الحديث عن تضحيات المعرة وأعلامها طويل طويل، وعن الثمن الذي ما زالت تدفعه في زمن ثورة الحرية طويل أيضا وكيف تعيش المعرة الآن ..؟ ذلك هو حديثنا في الحلقة التالية..

شاهد أيضاً

المنشورات العربية في تركيا تتضاعف 6 مرات خلال 10 أعوام

تضاعفت المطبوعات الصادرة باللغة العربية في تركيا 6 مرات في السنوات العشر الماضية، ليبلغ عددها …

“عالم على خيط”: دمى ماري الصغيرة على الخشبة

حتى الثالث من حزيران/ يونيو القادم، يواصل “متحف شالبرن” Shelburne Museum في ولاية فيرمونت الأميركية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

twelve + eight =