الآن
الرئيسية / مواد مختارة / المعتقلون السوريون في لبنان.. إخفاء قسري ومحاكمة غير عادلة
سجن رومية سيء السمعة - انترنت (2)
سجن رومية سيء السمعة - انترنت (2)

المعتقلون السوريون في لبنان.. إخفاء قسري ومحاكمة غير عادلة

صدى الشام - عمار الحلبي/

على غرار الممارسات الإجرامية التي يعاني منها المعتقلون في سجون نظام الأسد، وما يرافقها من قتل تحت التعذيب وضرب وإهانة وتغييب قسري في ظل عدم وجود قانون، ثمة معتقلون سوريون يتعرضون لظروف انتهاك مماثلة، ولكن المتسبب هنا ليس نظام الأسد، والأفرع الأمنية التي تقوم بهذه الانتهاكات تقع خارج حدود الأراضي السورية.

ويعاني المعتقلون السوريون في السجون اللبنانية، من ظروف اعتقال قاسية، تبدأ هذه الظروف بالتعتيم الإعلامي الشديد على واقعهم، وعمليات الاحتجاز القسرية، فضلا عن منعهم من اللجوء إلى توكيل محام متخصص للدفاع عنهم، إضافة إلى معلومات عن عمليات ضرب وتعذيب، وتغييب قسري، حيث تفيد المعلومات التي حصلت عليها “صدى الشام” من معتقلين خرجوا من السجون اللبنانية، بأن هناك من اعتقلوا بسبب عدم امتلاكهم لوثائق دخول لبنانية، وتم توجيه تهم خطيرة لهم تتعلق بالإرهاب.

ويحدث كل ذلك في ظل صمت تام من قبل “مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” وهي الجهة المخولة بحماية اللاجئين في لبنان، كونهم يخضعون لحمايتها، كذلك في غياب أي “دور دبلوماسي” لنظام الأسد الذي يمتلك سفارة ضخمة على الأراضي اللبنانية، والذي من المفترض أن يطالب بالكشف عن مصيرهم وظروفهم طالما أنهم مواطنون سوريون.

وترصد “صدى الشام” في هذا الملف، الانتهاكات الواسعة التي يتعرض لها اللاجئون السوريون المعتقلون في السجون اللبنانية، وعمليات الاعتقال غير القانونية والحرمان من المحاكمة العادلة لقضاياهم.

 

أكثر من ربع السجناء

في إحصائية يتيمة عن عدد المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية، كشف رئيس مجلس القضاء الأعلى في لبنان “جان فهد” قبل أيام، أن عدد السجناء السوريين في السجون اللبنانية ارتفع خلال السنوات الماضية.

وخلال لقائه الرئيس اللبناني ميشال عون، الأربعاء 8 من آب، قال القاضي “جان فهد” إن عدد السوريين في السجون اللبنانية ارتفع من 18% في نهاية عام 2011 إلى 27% عام 2016، وذلك من مجمل السجناء في لبنان.

وأضاف أن نسبة السوريين ممن ينتظرون محاكمتهم ارتفعت من 33% عام 2012 إلى 51% عام 2017، مشيرا إلى أن أغلبهم يواجهون قضايا معقدة لها علاقة بـ “الإرهاب”.

وبلغ عدد السوريين من مجموع “سجناء الإرهاب” في لبنان نسبة 46% عام 2017، بحسب بيانات القضاء الأعلى في البلاد.

وشهد لبنان موجة لجوء كبيرة مع استقباله ما يقارب مليون لاجئ سوري منذ عام 2011، “ما يشير إلى حجم الضغط والارتباك الذي تسبب به النزوح السوري في المحاكم اللبنانية”، بحسب ما قال رئيس مجلس القضاء الأعلى.

وزعم أن “الجرائم التي يرتكبها هؤلاء النازحون هي نوعية وخطيرة ومعقدة”، كما نقلت “الوكالة الوطنية للإعلام” عنه.

توجه السلطات الأمنية في لبنان تهمة الإرهاب للمعتقلين السوريين في سجونها دون أدلة حقيقية

 

لماذا تم اعتقالهم

بحثت “صدى الشام” في أسباب وظروف اعتقال اللاجئين السوريين في لبنان، والتقت بناشطين وحقوقيين، وذوي معتقلين في السجون اللبنانية، بعضهم خرج من المعتقل وآخرون ما زالوا في المعتقل، وقسمت أسباب الاعتقال في أربع محاور رئيسية.

جاء السبب الأول والرئيسي لاعتقال هذه الأعداد الكبيرة من السوريين في السجون اللبنانية بحجة عدم حيازة أوراق ثبوتية، وأوراق منتهية الصلاحية، والدخول إلى لبنان خلسة بشكل غير قانوني.

وشكل هذا السبب للاعتقال، النسبة الأكبر من عمليات الاعتقال بحق السوريين في لبنان، بسبب كثرة المواطنين السوريين هناك الذين لا يملكون المال الكافي لدفع الكفالة للمواطن اللبناني والمضي قدما بالأوراق القانونية.

وخلال سنوات اللجوء السوري في لبنان، كان الأمن العام اللبناني والقوى الأمنية الأخرى الموجودة في لبنان، تلقي القبض بشكل يومي، على سوريين بحجة عدم حيازتهم على أوراق ثبوتية تقونن وجودهم على الأراضي اللبنانية، حيث لا يوجد عدد دقيق للكم الهائل من السوريين الذين لا يملكون أوراق ثبوتية.

وتكمن المشكلة التي جعلت نسبة كبيرة من السوريين دون أوراق ثبوتية، في أن استخراج هذه الأوراق أمر غاية في الصعوبة، فضلا عن التكاليف الباهظة التي تتطلبها هذه الأوراق، والتي تقدر بنحو ٦٠٠ دولار أمريكي سنويا، والتي يصعب على السواد الأعظم من السوريين في لبنان استخراجها.

وبحسب سوريين مقيمين في لبنان، فإن دوريات الأمن العام اللبناني، ركزت نقاط لها في عدة مناطق في لبنان، من أجل تفتيش السوريين كما قامت بمداهمات للبحث عن سوريين لا يمتلكون الإقامة، أو دخلوا إلى البلاد بطريقة غير شرعية، ما أدى لاحتجاز أعداد كبيرة منهم.

معظم السوريين الذين لجأوا إلى لبنان فقدوا أوراقهم الرسمية والثبوتية نتيجة الهجوم على منازلهم من نظام الأسد

أما السبب الثاني لهذا العدد الكبير من المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية، فيعود إلى ما يعرف بمداهمة مخيمات عرسال واعتقال أعداد كبيرة من السوريين هناك.

وفي أواخر شهر حزيران من عام ٢٠١٧ اعتقلت السلطات اللبنانية مئات اللاجئين السوريين في منطقة عرسال الحدودية، وتوعدت بتكثيف “العمليات النوعية” للقضاء على “التنظيمات الإرهابية”، وذلك بعد تفجير خمسة انتحاريين أنفسهم أثناء مداهمات للجيش في المنطقة.

وتم توثيق اعتقال 337 شخصا من قبل الجيش اللبناني في مداهمة واحدة على المخيمات، وتبعها عدة مداهمات أسفرت عن اعتقال مئات السوريين.

وزعم مصدر أمني لبناني أن المداهمات أسفرت عن اعتقال 350 شخصا بينهم قياديون في تنظيم “الدولة الإسلامية”، وأنه سيطلق سراح من لم تثبت علاقته بالتفجيرات.

وبث ناشطون حينها صورا لعمليات الدهم التي قام بها الجيش اللبناني، حيث ظهر فيها بعض المحتجزين السوريين في ظروف قاسية، وأبدى الناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي استياء من آثار التخريب في خيم اللاجئين جراء المداهمات والاشتباكات.

وتفقد قائد الجيش اللبناني العماد “جوزيف عون” قوات الجيش المنتشرة في عرسال، وقال في بيان وقتها: “إن قرار الجيش بالقضاء على التنظيمات الإرهابية وخلاياها وأفرادها أينما وجدوا على الأراضي اللبنانية حاسم”، وتعهد بأن المرحلة المقبلة ستشهد تكثيف “العمليات النوعية”.

أما السبب الثالث للاعتقال فهو السوريين الذين تعتقلهم ميليشيا “حزب الله” بأوامر من نظام الأسد، ولأسباب سياسية وطائفية، وإما أن تقوم باحتجازهم داخل لبنان أو تسلمهم للنظام.

 

تهمة “الإرهاب”

ما يزال “عبد الكريم”، معتقلا في السجون اللبنانية منذ مداهمة مخيم عرسال، عائلة الشاب “عبد الكريم” البالغ من العمر ٢٢ عاما، انتقلت للعيش في إحدى المناطق البقاعية بعد مداهمة مخيمات عرسال واعتقال مئات اللاجئين من بينهم “عبد الكريم”.

يقول والده في اتصال هاتفي مع “صدى الشام”: “لم يكن لدى ابني أي نشاطات تدينه ليتعرض للاعتقال، فقد كان يمضي معظم يومه داخل المخيم، يبقى مع العائلة ويحاول تلبية احتياجاتها الأساسية من مياه وطعام وشراب، ولم أذكر أنه غادر المخيم أو أقام خارجه، وعلى الرغم من ذلك وجهت لعبد الكريم تهمة الإرهاب، وأنه مرتبط بجماعات إرهابية ضد الدولة اللبنانية.”

يعترف والده بأن كل المخالفة التي ارتكبها عبد الكريم هي عبارة عن عدم حيازته إقامة نظامية لوجوده على الأراضي اللبنانية، أي أنه “كان مخالفا لنظام الإقامة”، موضحا أن معظم القاطنين في المخيم هم لاجئون أحوالهم تعيسة، ولا يملكون أي أوراق ثبوتية أو إقامة، كما أن معظمهم دخل إلى عرسال عبر الحدود اللبنانية السورية هربا من آلة الحرب ولا يملكوا حتى أختام دخول رسمية.

تمنع السلطات في لبنان المعتقلين من التواصل مع ذويهم وخاصة ممن لفقت لهم تهمة الإرهاب

 

ويوضح والد “عبد الكريم” أن ابنه يتعرض لمعاملة سيئة وضرب وإهانة، وتمنع زيارته من قبله، كما تعذر توكيل محامي متخصص ليدافع عن قضيته، بسبب المبالغ الطائلة التي يحتاجها توكيل المحامي في لبنان، والتي يتعذر على والد “عبد الكريم” اللاجئ من ريف حمص أن يؤمنها.

ويطالب والد “عبد الكريم”، الدولة اللبنانية والجهات المعنية، بأن تفرج عن ابنه، كونه شاب عادي ليس لديه أي ارتباطات بـ”الإرهاب”، وكان يعيش حياته الطبيعية سواء في سوريا أو بعد اللجوء إلى عرسال في المخيم.

وبحسب معلومات من ناشطين لبنانيين وسوريين مقيمن في لبنان، فإن نسبة كبيرة من اللاجئين السوريين الذين توقفهم القوى الأمنية اللبنانية، يتم توجيه تهمة “الإرهاب” لهم دون تقديم أي دليل ملموس أو معطيات أولية عن هذا الاتهام، كما يواجهون قضاء غير حيادي وغير عادل لا يحقق لهم شروط التقاضي المنصوص عليها بموجب اتفاقيات حقوق الإنسان.

ووفقا لتصريح سابق للمحامي “نبيل الحلبي”، فإن المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تخول أي إنسان معرض للخطر في بلاده اللجوء لمكان آمن، ولذلك لا يعتبر دخول السوريين للبنان تهمة يحاسب عليها القانون، إلا أن أغلب المعتقلين في السجون اللبنانية، يعتقلون بسبب الدخول خلسة أو لانتهاء مدة الإقامة.

ويضيف أن 20% من الأشخاص الذين تم توقيفهم بتهمة الدخول خلسة إلى لبنان، يتم تحويل التهمة للإرهاب، بالإضافة لختم جواز سفر المفرج عنهم بالإبعاد عن الأراضي اللبنانية، ما يمنعهم من السفر خارج لبنان والتنقل ضمن الأراضي اللبنانية، وتمثل تلك التهمة السبب الرابع لاعتقال السوريين.

 

سجن رومية

يعتبر سجن رومية في لبنان، مكانا مشابها لسجن صيدنايا في سوريا، ويشاركه السمعة السيئة، فهو مخصص للسجناء السياسيين والمتهمين بقضايا خطيرة.

قبل فترة، سرب موقع “جنوبية” اللبناني مناشدة لعدد من السجناء السوريين في سجن رومية الذين صدرت بحقهم الأحكام القاسية بينهم سجين كان قد اعتقل منذ أربع سنوات وهو في عمر الـ14 (أي حينما كان قاصر)، وهو “عبد القادر محاور” المحكوم اليوم بالسجن 15 سنة.

وبحسب التسريب فإن السجناء أطلقوا نداءا عن ملف الأحكام القضائية الصادرة بحق عدد منهم والتي تتراوح مدة عقوبتها بين ١٢ – ١٥ عاما وبعضهم تم الحكم عليه بالمؤبد أو الإعدام.

 

يعتبر سجن رومية في لبنان نسخة عن سجن صيدنايا سيء السمعة الذي يشرف عليه نظام الأسد في سوريا

 

وناشد السجناء، المنظمات الحقوقية المعنية التحرك لأجل قضيتهم، وأكدت مصادر متابعة لهذا الملف في حديث لـ”جنوبية”، أن أغلب المحكومين اليوم هم موقوفون منذ العام 2013، بتهمة الانتماء لـ”الجماعات الإرهابية” ولاسيما “داعش”.

وحصل الموقع ذاته، على رسالة موقعة باسم المعتقلين السوريين في سجن رومية، جاء فيها: “يستمر الإجرام الطائفي لحزب الله اللبناني في مساندة النظام الأسدي بقتل السوريين داخل سوريا وخارجها وملاحقتهم في مناطق النزوح وخاصة منطقة عرسال اللبنانية والخيام التي ألجأهم إليها ما حصل من مجازر بحقهم من قبل الميليشيات الطائفية الشيعية متعددة الجنسيات وعصابات الشبيحة الأسدية وتدمير مدنهم بالبراميل الأسدية والطيران الروسي”.

وأضافت الرسالة “تمّ اعتقال المئات من السوريين من مخيمات عرسال وتم وضعهم في سجن رومية سيء السمعة والصيت وتم ارتكاب كل أنواع الانتهاكات بحق الإنسانية ضدهم بذريعة دعمهم للإرهاب والتعامل مع إسرائيل ومخالفة القوانين اللبنانية وغيرها الكثير من التهم الملفقة لتبرير اعتقالهم”.

وتابعت الرسالة “منذ عدة أيام قام القاضي حسين العبدالله بإصدار عشرات الأحكام بالإعدام والسجن المؤبد ضد السوريين المعتقلين في سجن رومية، من هنا نهيب بكل الاحرار في العالم بما فيهم منظمات حقوق الإنسان العالمية الضغط على الحكومة اللبنانية لمنع تنفيذ هذه الأحكام الجائرة بحق السوريين والعمل على الإفراج عنهم فورا وتأمين انتقالهم إلى أماكن إقامة لائقة وآمنة خارج مناطق سيطرة نظام الأسد والميليشيات الأجنبية وعصابات الشبيحة”.

 

شاهد أيضاً

النظام يعتقل عناصر من “الخوذ البيضاء” أجروا “مصالحة” بحمص

اعتقلت قوات نظام الأسد أحد عشر متطوع سابق في صفوف الدفاع المدني السوري “الخوذ البيضاء” …

دبابات تدخل إلى نقاط المراقبة التركية على الأراضي السورية

دخلت اليوم الخميس تعزيزات عسكرية للجيش التركي تضم دبابات إلى نقاط المراقبة التي أقامها في …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

four × 5 =