الآن
الرئيسية / Uncategorized / بلدة “حاس”.. تاريخ عريق.. وشوق للحرية
تضم البلدة المئات من حملة الشهادات الجامعية والدراسات العليا

بلدة “حاس”.. تاريخ عريق.. وشوق للحرية

فيصل عكلة/

بلدة هادئة من ريف ادلب الجنوبي تغفو على سفح جبل الزاوية الجنوبي و تلتمس الدفء من أختيها الكبيرتين كفرنبل من الغرب و كفرومة من الشرق، تحيط بها الآثار الرومانية من أكثر من اتجاه “خربة حاس وشن شراح والربيعة من الشمال ومن الشمال الشرقي خربة فارس و من الجنوب الشرقي بساتين حناك الأثرية.

ذكرت حاس في معجم البلدان لياقوت الحموي و ذلك بعد تحرير المنطقة من التتار والمغول وقد ورد ذكرها في معرض تهنئة أحد الشعراء للأمير : إذا زرت حيشا أنخ النياق في حاس.. قوم لهم في المجد نعم اساس / طربت برجعتها فكأنما شربت..من خندريس حناكها أو حاس.

وتعود تسمية “حاس” كما يقول أهلها إلى معدن النحاس الذي كان يستخرج من أراضيها كما تعتبر بلدة حاس من البلدات القليلة التي كانت مأهولة بالسكان منذ القدم إلى جانب مزرعة الهناجاك التي تجاورها من الشرق و الدليل وجود معاصر العنب المنتشرة في غير مكان من البلدة وقد غطيت بطبقات ترابية متعددة تدل على قدم العهد كما تحوي البلدة العديد من المدافن والقبور الرومانية والتي تعود إلى ما قبل العصر الإسلامي.

ولبلدة حاس تجربة قديمة في استضافة النازحين كما يردد أهلها فقد استقبلت العديد من نازحي المعرة إبان الغزو المغولي للمعرة.

ويوجد في بلدة حاس عدد من الأديرة و الكنائس القديمة التي تشير إلى تتابع الحضارات المتنوعة على هذه المنطقة كما تم العثور على عدد من معاصر الزيتون ومعاصر العنب وتصنيع الخمور حيث يقول أهل البلدة أن تلك الخمور كانت تنقل من بلدة حاس إلى جزيرة جاوة الإيطالية مركز القساوسة والبطاريك.

يعمل أبناء البلدة في الزراعة، حيث تحيط بها حقول الزيتون والتين والعنب كما يحيط السوار بالمعصم ويزرعون الحبوب وبعض الخضار التي تعيش على مياه الأمطار لافتقارها إلى المياه الجوفية.

وتشارك المرأة في حاس الرجل في أعمال الأرض من زراعة و جني المحاصيل وعمل الخضار الصيفية إضافة إلى عملها الأساسي في البيت والعناية بالأطفال وقد فقد الكثير من بنات حاس المعيل في هذه الظروف الحالية و بدأن العمل لتأمين لقمة عيش كريمة لأطفالهن.

منازل دائرية

يقول الحاج حسن ( 82) عام : كانت منازل حاس قديما على شكل دوائر و لكل دائرة باب واحد يطل على الساحة، و داخل كل دائرة مجموعة من البيوت التي تصطف إلى جوار بعضها البعض وهي الطريقة التي تستخدم كنوع من الاحتراز من اللصوص وللاستئناس ببعضهم البعض. حتى أن اصطبلات الدواب أو ما يسمونه القبو كان مدخلها عبر بيت العائلة أي أن الابقار و الدواب تمر داخل بيت العائلة في طريقها إلى القبو و ذلك زيادة في الحرص على الرزقة من اللصوص.

وتابع الحاج حسن أن الساحة التي تنفتح عليها أبواب الحواري ينتصب على جوانبها دكات حجرية يجلس عليها رجال الحارة يتبادلون حكايا الماضي وهموم الحاضر وكان أهل حاس من يوم يومهم يحبون السياسة ويتناقشون بها ويسألون عن الفرنساوي والعصملي والإنكليز والشريف حسين والملك فيصل بل كان الشيخ فلاح وهو معلم أطفال البلدة ورغم أنه أعمى كان يضرب الأرض بعكازه فرحا وهو يقول أن هتلر دخل التشيك حسب ما سمع من الراديو و من محطة لندن.

وكانت سهرات اهل حاس في ليالي الصيف على سطح المنزل يبدأ “أبو خالد” بسرد الحكاية السيادية والديابية والمعارك التي تنشب بينهم وينقسم الحضور بين مؤيد لهذا ومؤيد لذاك وتتوتر الأجواء في بعض الأحيان ويضطر “أبو خالد” إلى للتغيير في السرد أو وقفه لتنتهي السهرة على خير.

يعيش في بلدة حاس ما يزيد عن عشرين ألف نسمة إضافة إلى ما يقرب من نصف هذا العدد نازحين من المناطق المجاورة و من الذين هجروا قسريا من أرياف المحافظات السورية.

ونتيجة لضعف مواردها الطبيعية اتجه أبناؤها نحو الدراسة لتأمين مستقبلهم وفيها عدد من المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية كما فيها عدد من الروضات ومراكز تأهيل الطفل وتدريب المرأة.

هناك الكثير من أبناء حاس في بلدان الاغتراب يرسلون مساعدات لأسر الشهداء والفقراء وهناك الكثير من أبناء البلدة يعيشون في مخيمات النزوح هربا من الموت أو بحثا عن الرزق.

وتضم البلدة المئات من حملة الشهادات الجامعية والدراسات العليا ومن كافة الاختصاصات وقد وصلت إلى نسبة قياسية على مستوى الجوار.

و في الفترة الماضية وقبل اندلاع الثورة ظهر تحول نوعي في اهتمام الأهالي نحو الصناعة وتم افتتاح عددا من معامل البرادات والبلاستيك ومواد البناء الأمر الذي منح أبنائها رخاء اقتصاديا مقبولا.

ويتميز أبناء البلدة على العموم بالالتزام الديني والرزانة والهدوء والدقة في اختيار الألفاظ والحسافة في التصرف حتى ضرب بهم المثل من الجوار.

ويسكن بلدة حاس عدد من العوائل المتعاونة فيما بينها و يقول الأستاذ أسعد ( 66 عام ) من أهالي البلدة لـ”صدى الشام” إن العائلة الأولى التي قدمت إلى حاس من العوائل الحالية هي عائلة آل شرتح وتبعها آل كامل وآل فرحات وآل الضعيف وآل النجار و أخيرا آل قلعجي كما يقطن البلدة بعض العوائل الصغيرة مثل آل أعرج و آل مصري و آل شرف الدين و تعتبر حاس مثالا للتعايش السلمي بين مكوناتها المختلفة.

في عهد الحرية

ومع بداية ثورة الحرية كان للبلدة شأن آخر حيث شاركت مع انطلاقة الثورة وكان لها سبق الصيحة الأولى ومع أول مجزرة يرتكبها النظام في الشيخ مسكين بدرعا، خرج ثلة من أبنائها  في الثامن عشر من الشهر الثالث من عام 2011 ليصدحوا بملء حناجرهم : بالدم بالروح نفديك يا درعا … بالروح بالدم نفديك يا شهيد.

وتابع أبناء حاس حراكهم السلمي، يخرجون في كل جمعة من مسجدها الكبير وهم ينشدون للحرية ويحملون أغصان الزيتون ولافتاتهم الجميلة ويتوجهون إلى كفرنبل، يلتقون مع أبنائها ومن يحضر من ريفها الغربي وينحدر الجمع الهادر كالسيل العارم يصدحون بالحرية والكرامة وأن الشعب السوري واحد.

وحاس كغيرها من بلدات الجوار دخلتها قوات النظام وبدأت تعيث فيها فسادا من قتل وتدمير واعتقال وتشريد وبدأت المعاناة و توقفت حركة الحياة فيها حتى أتى فجر التحرير وطرد الثوار حواجز النظام من المنطقة في الشهر الثامن من عام 2012 وقد دفعت القرية ثلة من زهرات شبابها بين قتيل ومصاب ثمنا للحرية.

وبدأت مرحلة جديدة وعنيفة من القصف الجوي والصاروخي على البلدة الثائرة الأمر الذي أدى إلى تدمير قسم كبير منها ومقتل وإصابة العديد من أبنائها و نزوح القسم الأعظم من أهلها.

كما شارك أبناؤها في تشكيلات الجيش الحر والأعمال القتالية التي جرت في المنطقة و في كل الجبهات على امتداد أرض سوريا، وكان لهم الأثر الطيب والسمعة الحسنة في تلك المواجهات.

وأثناء نزوح بلدات الجوار احتضنت البلدة آلاف النازحين وشاركوا أهلها السكن ولقمة العيش حتى وصل الأمر ببعض أبناء البلدة الى ترك مساكنهم بما فيها للضيوف النازحين و راح إلى أقربائه يشاركهم في السكن.

وتعرضت بلدة حاس كغيرها من البلدات المجاورة إلى موجة من القصف الجوي كان أبرزها مجزرة المدارس التي راح فيها ما يقرب من خمسين ضحية ما بين طفل و مدرس و مسعف كما دمرت معظم مدارس البلدة جراء ذلك القصف الهمجي من نظام الأسد.

ويقول أهل حاس : “اننا ونحن نذكر بعض التضحيات التي قدمتها حاس الصمود فإننا لانمنّ على أحد ونعتبر أن ما قدمته جزء من واجبها وأنها ستبقى بإذن الله اسم على مسمى صامدة ومستمرة في تقديم التضحيات مهما عظمت حتى ترفرف راية السلام و الحرية و الكرامة خفاقة في سماء الوطن  كل الوطن”

 

شاهد أيضاً

مجلة بريطانية: انتصار الأسد في سوريا “أجوف”

اعتبرت مجلة “إيكونوميست” البريطانية، أن الانتصارات التي يحققها بشار الأسد في الشمال على حساب المعارضة،  …

اعتقال سوريين أعادهم لبنان “قسرًا” إلى بلدهم

قال تقرير دولي صادر عن منظمة “هيومن رايتس ووتش”: “إن النظام السوري اعتقال مدنين سورييين، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − three =