الآن
الرئيسية / مواد مختارة / النظام يحاول تصفية ملف المعتقلين “إخفاء للجريمة على طريقته”

النظام يحاول تصفية ملف المعتقلين “إخفاء للجريمة على طريقته”

فريق صدى الشام/

بهدوء ومن دون أي ضجة، بدأ نظام الأسد بتسليم سجلات الشؤون المدنية، قوائم أسماء معتقلين في سجونه، يزعم النظام أنهم توفوا جراء أمراضٍ مختلفة خلال عملية الاعتقال، وسط تأكيدات ناشطين وخبراء في حقوق الإنسان، بأنه هؤلاء قتلوا تحت التعذيب في سجون الأسد.

ومنذ أن سلم النظام سجلات أسماء أول دفعة من المعتقلين الذين قضوا في سجونه في مدينة المعضمية بريف دمشق، أصبح حديث هذه السجلات يتصدر أخبار وسائل الإعلام المحلية والعالمية.

وتظهر هذه الخطوة، محاولة النظام التملص من قتله للمعتقلين تحت التعذيب، كما تخفي خلفها ضغوطات غير مسبوقة على الأسد من أجل حل ملف المغيبين قسريا على طريقته الخاصة، ولا سيما بعد ازدياد الضغوط في هذا الملف.

وترصد “صدى الشام” في هذه المادة، كيف بدأ النظام بتسليم أسماء الضحايا المعتقلين، وسط غليان من قبل ذوي الضحايا، وتنديد من قبل منظمات حقوق الإنسان المعنية بالمعتقلين.

عن الاعتقال

مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الأسد، بدأ الأخير بمحاولة وأد ثورة المدنيين، وذلك عبر اعتقال كل من شارك بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء التظاهر أو التصوير أو التنسيق أو حتى التعبير عن تعاطفه مع هذه الاحتجاجات.

تطور الأمر في وقت لاحق من الثورة، إلى أن أصبحت سياسة النظام في الاعتقال أكثر تنظيما، وباتت عملية ممنهجة، حيث أصبح النظام يدك في سجونه كل من يخالفه الرأي أو يثبت عليه أنه يعارضه أو يتعاطف مع المعارضة حتى بتغريدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وانتعشت خلال سنوات الثورة التقارير الكيدية، وحملات الاعتقال على الهوية وعلى أساس المنطقة التي ينحدر منها الشخص، حيث بات كل سوري داخل البلاد مدانا وعرضة للاعتقال والموت تحت التعذيب.

وبحسب إحصاءات “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” فإن عدد المختفين قسريا ما يزيد عن خمسة وثمانين ألف سوري، معظمهم يتحمل نظام الأسد المسؤولية عن إخفائهم.

وبالمقابل فإن هناك ما يقارب ١١٩ ألف مواطن سوري تعرضوا للاعتقال التعسفي منذ بدء الثورة، ويتحمل النظام المسؤولية عن اعتقال ١٠٤ ألفا منهم، بينما هناك نحو ١٣ ألف سوري قضوا تحت التعذيب معظمهم في سجون نظام الأسد.

ويقدر عضو “مجموعة العمل من أجل المعتقلين السوريين” شيار خليل لـ “صدى الشام” إجمالي عدد المعتقلين بنحو ٣٠٠ ألفا.

وخلال سنوات الثورة الثمانية، بات ملف المعتقلين هو الأكثر تعقيدا حيث نجح النظام بالتملص من هذا الملف سواء خلال مباحثات جنيف التي تعقد منذ أوائل الثورة تحت قبة الأمم المتحدة، أو حتى مباحثات أستانا، التي ترعاها ثلاث دول وهي “روسيا وتركيا وإيران”، أو حتى خلال المفاوضات التي يجريها النظام داخل سوريا بشكل مباشر مع المعارضة السورية، في الاتفاقات المحلية التي تجرى، حيث يعمل النظام على كسب عامل الوقت من أجل إجبار أهالي المعتقلين على التنازل عن طلباتهم.

الاعتقال والقتل تحت التعذيب وسيلة اتبعها نظام الأسد منذ الأيام الأولى للثورة بهدف زرع الخوف في نفوس الثائرين ضده

 

الجيل الأول من الثورة

عاد ملف المعتقلين مؤخرا إلى الواجهة، وذلك بعد أن بدأ النظام بتسريب أسماء جزء منهم على دفعات، ممن قضوا تحت التعذيب، حيث أدى ذلك إلى تحول قسم من المعتقلين، إلى مجرد أسماء على لوائح السجلات المدنية وبشكل مفاجئ، دون الكشف عن جثثهم أو الظروف التي قتلوا فيها.

وبدأ الأمر، من خلال تلقي دائرة النفوس في مدينة المعضمية بريف دمشق، في الخامس والعشرين من حزيران الماضي، قوائم تضم أسماء 165 مدنيا معتقلا في سجون النظام قتلوا تحت التعذيب، من مجمل 700 معتقل من أبناء المدينة، بينهم 40 سيدة.

وبحسب ناشطين، فإن اللوائح تشمل أسماء المعتقلين ممن هم من “الجيل الأول للثورة السورية” الذين كانوا يتظاهرون بشكل سلمي ويطالبون بالتغيير والإصلاحات السياسية والاجتماعية وحرية التعبير.

وبعد أيام، تلقت دوائر النفوس في مدينة حماه، قوائم مشابهة لتلك التي تم طرحها في نفوس المعضمية، ولكن عدد المعتقلين الذين تم تصفيتهم هنا بلغ 120 معتقلا، قتلوا في سجون النظام، وتبع قائمتي “المعضمية وحماة”، وصول قائمة مشابهة، إلى سجلات النفوس في مدينة الحسكة، تضم أسماء نحو 500 معتقل، ماتوا في سجون العاصمة دمشق، في أعقاب نقلهم اليها.

أما محافظة حمص، فتلقت قوائم عن تصفية 300 مدني بينهم عدد من النساء، داخل أفرع الأمن التي يديرها نظام الأسد.

وذكر ناشطون من محافظة حمص، أن عددا كبيرا من العائلات علمت من خلال النفوس أنه تم تصفية أبنائهم، من قبل النظام الذي طالبهم بمتابعة إجراءات استخراج “شهادة وفاة”.

سلم النظام قوائم المعتقلين إلى دوائر النفوس في المعضمية وحماة وحمص والحسكة وطلب من ذوي المعتقلين استخراج شهادة وفاة

 

تغيير أسباب الوفاة

في جميع القوائم التي تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي اطلعت عليها “صدى الشام”، فإن النظام لم يذكر أي ظروف أو تفاصيل حول وفاة هؤلاء المعتقلين، كما أنه لم يحدد تواريخ مثبته، وإنما اكتفى بكتابة سبب وفاة كل جثة، زاعما أن السبب إما أزمة قلبية أو دماغية أو غيرها من الأمراض.

لكن هذا الواقع دفع ناشطين لاتهام النظام، بأنه قتلهم تحت التعذيب في أفرع أمنه الوحشية، واستند هؤلاء إلى عدة وقائع تسلسلية جرت في سوريا، أبرزها تسريب قيصر وما تبعه من ظهور أعداد كبيرة من المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب، إضافة إلى وحشية أفرع الأمن التي يديرها الأسد، وشهادات المعتقلين الناجين عن فظاعة ما يجري هناك، وأخيرا أن النظام لم يقدم أي دليل أن الأزمات القلبية هي فعلا السبب الحقيقي للوفاة.

ووفقا لـ  “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” وهي منظمة غير حكومية، أصدرت قبل أيام تقريرا قالت فيه إن عدد السوريين الذين قضوا تحت التعذيب في سجون النظام يبلغ 13066 معتقَلا، بينهم 163 طفلا و 43 سيدة، فيما لا يزال مصير 121829 معتقَلا مجهولا.

وقال مدير الشبكة فضل عبد الغني: “يتلاعب النظام.. بالسجل المدني والوفيات وبالمختفين قسريا، وبجثث القتلى والملكيات العقارية، وهذه التصرفات البربرية ما كان عليه الحال في زمن العبودية”.

وأضاف أن “إيقاف هذا الإرهاب وتهديد استقرار الشعب السوري لعقود هو من صلب مسؤولية المجتمع الدولي والجمعية العامة ومجلس الأمن التاريخية والأخلاقية والقانونية”.

من جهته يوضح عضو “مجموعة العمل من أجل المعتقلين السوريين “شيار خليل”، أن هؤلاء المعتقلين على الأرجح تم تصفيتهم من قبل النظام، وأضاف خليل لـ “صدى الشام”، أن النظام قام بتصفية أعداد كبيرة من المعتقلين، ويحاول اليوم إيجاد تسويغ لقيامه بهذه التصفية.

وأوضح أن سجن عدرا المركزي بدمشق، يحتوي على نحو عشرة آلاف معتقل، في حين يوجد بضعة آلاف من المعتقلين موزعين على الأفرع الأمنية بدمشق، والبقية تم تصفيتهم من قبل نظام الأسد.

النظام لم يقدم أدلة حقيقية تثبت وفاة المعتقلين بسبب الأمراض في سجونه ويحاول إخفاء مقتلهم تحت التعذيب في فروعه  الأمنية الوحشية

 

الدليل المدفون

ويؤكد “شيار خليل” أنه لا يوجد أي دليل ملموس يدين النظام ويثبت أن هؤلاء المعتقلين المتوفين لم يموتوا جراء أزمات قلبية أو غيرها من الأمراض، موضحا أن الدليل يتمثل بالحصول على الجثة، ومن خلال الجثة يمكن إجراء فحص طب شرعي وتحليل للوصول إلى أدلة تثبت أن هؤلاء الأشخاص تم تصفيتهم تحت التعذيب والعنف، ودون وجود الجثث من الصعب إثبات قيام النظام بتصفيتهم.

وتابع خليل: “إن المطالبة بجثث المعتقلين الذين يزعم النظام أنهم توفوا بأمراض مختلفة، هي جزء من حقوق ذوي المعتقلين”، داعيا إياهم للمطالبة بجثث ذويهم والكشف عنها بخبرة الطب الشرعي لمعرفة سبب الوفاة الحقيقي.

وفي هذا السياق بين خليل، أن زوجة المبرمج الفلسطيني السوري باسل خرطبيل الصفدي تقوم حاليا بالعمل على المطالبة بجثة زوجها من أجل الوصول إلى دليل يحقق العدالة ويدين النظام الذي قام بإعدامه.

وقال: “غالبا فإن النظام وضع جثث المعتقلين الذين تم تصفيتهم بمقابر جماعية بمناطق بعيدة عن الأعين، وتردنا معلومات عن وجود عمليات حرق للجثث”.

تقول معلومات إن النظام وضع جثث المعتقلين في مقابر جماعية بعيدا عن الأعين كما قام بحرق الكثير من الجثث

 

تغيير سبب الوفاة

وكان موقع إخباري يدعى “باجار نيوز” قد نقل عن مصادر وصفها بـ “الرسمية” قولها: إن أجهزة مخابرات الأمن السورية التابعة لقوات النظام، قامت بإرسال قوائم لأسماء مئات المعتقلين من الذين قتلوا تحت التعذيب إلى إدارة السجل المدني في مدينة دمشق وريفها، إضافة إلى سجلات المحافظات الثانية.

وأكد المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه أن النظام يسعى إلى تثبيت وفاة المدنيين والناشطين تحت التعذيب على أنهم قد توفوا بسبب أزمة قلبية وتثبيت ذلك على الأوراق الثبوتية وإزالة كل المؤشرات حول اعتقالهم وتعذيبهم من قبل أجهزة الأمن التابعة للنظام.

ونقل الموقع عن محامي يدعى أنس قوله: “إن النظام يسعى إلى مسح كل الأدلة التي تثبت تورطه في قتل وتعذيب المعتقلين السوريين داخِل سجونه، بعد محاولات الدول إلى إعادة إنتاج شرعيته”.

وأضاف المحامي أنس: “أغلب الأسماء التي تأتي من دائرة النفوس، هي أسماء لمعتقلين اتهموا بجرائم إرهابية عديدة قتلوا تحت القتل والتعذيب، وجلهم من المحكومين بحكم الإعدام لدى النظام”.

وفيما يخص طريقة وصول الأهل لمعرفة وفاة أبنائهم، أشار المحامي للموقع المذكور إلى أنه “لا تعمل دائرة النفوس على إبلاغ جميع الحالات لذوي المعتقلين، بل تحاول أجهزة الأمن بطرق غير رسمية إبلاغ بعض العوائل بمراجعة دائرة النفوس الخاصة بمنطقتهم لمعرفة مصير أبنائهم، فتخبرهم دائرة النفوس أن الحالة المدونة لديهم متوفية بسبب أزمة قلبية أو مرض عضال معين، وليس بسبب الاعتقال والتعذيب، أو حكم الإعدام”.

وختم الموقع أن النظام يعمل عن طريق بعض العوائل في تعميم أخباره وترويج ما يريد، لتبدأ العوائل مراجعة الشرطة العسكرية في دمشق بحكمها المسؤولة عن معتقلي سجن صيدنايا، أو مراجعة الجهة القانونية في القصر العدلي بدمشق، وإما مراجعة دائرة النفوس الخاصة بكل مواطن في نهاية المطاف، والتعرف على مصير أبنائهم.

 

الملف الأخير

ويرى “شيار خليل”، عضو مجموعة العمل من أجل المعتقلين السوريين، أن هذه الحركة التي انتهجها النظام جاءت بعد ضغوطات دولية كبيرة، بما في ذلك ضغوطات روسية على النظام من أجل ملف المعتقلين.

وقال خليل: “إن الأمور في سوريا تتجه نحو الحل ولا سيما بعد أن تمكن النظام من السيطرة على درعا، واتجاهه نحو إدلب التي تعتبر أواخر معاقل المعارضة”.

وأضاف أنه بعد ورقة التهجير، فإن الورقة الأخيرة التي بقيت مع النظام هي ورقة المعتقلين، موضحا أن النظام يسعى خلال هذه الفترة إلى إنهاء هذا الملف وفق حساباته.

وكشف “خليل” أن اتفاق درعا الأخير بين النظام وفصائل المعارضة، شهد إطلاق سراح المئات من المعتقلين من أبناء درعا، موضحا أن هناك أشخاص اعتقلوا منذ سبع سنوات، أي منذ أوائل أيام الثورة وتم إطلاق سراحهم مؤخرا.

وقال أيضا: “النظام يحاول إنهاء ملف المعتقلين، ولكنه في ذات الوقت غير قادر على الإعلان عن عدد المعتقلين الذين قام بتصفيتهم في أفرع الأمن الوحشية لذلك يدعي أنهم توفوا نتيجة الأمراض دون أن يقدّم أي دليل.”

 

شاهد أيضاً

اعتقالات تطال المهجرين من القلمون على حواجز “هيئة تحرير الشام” في إدلب

فقد ثلاثة أشخاص من المهجرين إلى الشمال السوري خلال مرورهم على حاجز “أطمة” شمال إدلب، …

أحد مراكز النظام لتعليم اللغة الروسية - سبوتنيك

روسيا وإيران..تغلغل وصراع ثقافي في سوريا

عندما تسير في شوارع حمص أو اللاذقية أو دمشق الخاضعة لسيطرة نظام الأسد ترى صور …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 + 8 =