الآن
الرئيسية / سياسة / مواد سياسية مختارة / استراتيجية إيران الطائفية في سوريا.. إلى أين؟

استراتيجية إيران الطائفية في سوريا.. إلى أين؟

صدى الشام - مصطفى الرجب/

واصلت إيران تكريس الدور الطائفي في سوريا بعد رعايتها لاتفاق تهجير جديد تم من خلاله إفراغ بلدتين شيعيتين من شمال إدلب، وهو ما قامت به إيران خلال السنوات السابقة إنما بحق المكون السني حيث هجرت العديد من المدن والبلدات والقرى بعد الحصار والقتل والتدمير.

وعلى الرغم من أن العديد من المراقبين يرون أن الدور الإيراني تراجع في سوريا تحت تأثير التدخل الروسي والتحركات العربية والتركية والإسرائيلية وفقا لمصالحها التي تتعارض مع مصالح إيران في سوريا والمنطقة، إلا أن إيران قامت أخيرا بالتوصل إلى الاتفاق مع “هيئة تحرير الشام”.

ويرجع مراقبون ذلك إلى أن إيران أيقنت أن الاتفاق الروسي التركي لن يسمح لها بدخول إدلب وبالتالي فضلت إخراج التابعين لها من المنطقة.

ودفعت إيران على مدى السنوات الفائتة نحو جعل الصراع في سوريا صراعا طائفيا، من خلال العزف على الوتر الطائفي وإثارة النزعة الطائفية، من أجل ضرب الجوهر الأخلاقي للثورة السورية التي رفعت شعارات وطنية تنبذ كل خطاب طائفي أو قومي.

وبحسب العديد من الدراسات التي تتعلق بالدور الإيراني في سورية، كان لطهران الدور البارز في العديد من الاتفاقات القائمة على أساس طائفي، وهي متهمة من قبل المعارضة السورية بمحاولة فرض الهيمنة على العاصمة دمشق وريفها، وعلى مناطق لا تقل أهمية في سوريا منها حمص وحلب التي بدأت تعبث بهويتها.

وتفعل إيران الشيء ذاته في ريف دير الزور الشرقي، مع تأكيد مصادر محلية أنها شرعت بالفعل ببناء ما تسميه بـ”المقامات” من خلال مليشيات محلية قامت على أساس طائفي يتزعمها بعض “الزعران” الباحثين عن السلطة والمال.

وأفرغت إيران مناطق واسعة من أغلب سكانها، خصوصا في منطقة جنوب دمشق، وتحولت منطقة السيدة زينب إلى محمية إيرانية كاملة لا سلطة فعلية للنظام فيها، وفي منطقة داريا جنوب غربي دمشق، وفي أحياء داخل الأخيرة بعض سكانها شيعة، إضافة إلى منطقة القصير غرب حمص التي خلت من سكانها منذ عام 2013، بعد حملة شرسة من “حزب الله”، ومناطق في ريف دمشق، خصوصا وادي بردى، وأخرى في ريف حلب الجنوبي الذي بات معقلا لمليشيات عراقية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وأسهمت مساندة إيران للنظام السوري في تهجير أكثر من سبعة ملايين سوري إلى خارج سوريا وتشريد مثلهم في الشمال السوري نتيجة العمليات العسكرية التي استهدفت المدن والبلدات الثائرة ضد نظام الأسد.

دوافع إيران لدعم الأسد

ورأى الباحث السياسي “عبد الرؤوف مصطفى الغنيمي” في دراسة له نشرها موقع “مركز الدراسات والبحوث في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية” أن الدور الإيراني في سوريا يمكن تحديده وتوصيفه ضمن الأدوار ذات العلاقة بالشؤون الداخلية للدول أو ضمن الأدوار الإقليمية بعد بيان الدوافع والممارسات الإيرانية في سوريا.

وأضاف أن ثمة جملة من الدوافع تكمن وراء صناع القرار الإيراني لممارسة دور في سوريا رغم ترديدهم مقولات مثل الدفاع عن الشيعة وحماية المراقد الشيعية والمزارات، أولها دافع استراتيجي سياسي، لتوسيع دائرة النفوذ الإيراني في المنطقة، مستغلة في ذلك غياب ما يسمى بالدولة “الدور”، نتيجة سقوط نظام صدام حسين إبان الغزو العسكري الأمريكي 2003، ومستغلة أيضا الضعف العربي نتيجة الأوضاع السيئة التي تمر بها المنطقة منذ عام 2011 من موجات ثورية وحروب أهلية واضطرابات أمنية حالت دون وجود ما يسمى بالدولة الـ”رادعة”، وترك كل ذلك مساحة كبيرة “فراغ” أتاح فرصة استراتيجية لإيران لتمرير مخططاتها في الدول المستهدفة لكي تصبح رقما في المعادلة الإقليمية لا يمكن تجاوزه، وتوفير أوراق ضغط قوية تمكنها من المساومة بقوّة حيال أي مستجدات تتعلق ببرنامجها النوويّ في ظل السياسات الغربية المتقلبة، ويشكل الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط حلما إيرانيّا باعتبار أن إيران تعتمد في اقتصادها على تصدير الغاز الطبيعي إلى الأسواق العالمية والأوروبية التي تعد السوق الأولى من حيث حجم الاستهلاك، خصوصا في ظل الانخفاض الحاد في أسعار النفط الخام خلال الأعوام الماضية، وزاد في هذه الرغبة اكتشاف حقول غاز غنية في منطقة البحر المتوسط، بالإضافة إلى حقول الغاز الغنيّة في سوريا وأهمها في منطقة تدمر.

وتخدم سوريا استراتيجية إيران في المنطقة، فهي تمثل الرابط الحيوي ما بين طهران و”حزب الله”، كما تؤمن سوريا لطهران الدفاع عن ممرات عبور السلاح للحزب في لبنان من ناحية، والتصدي وفقا للاستراتيجيّة الإيرانية للمحور الإقليمي العربي الذي يهدف إلى احتواء المجال الجيوسياسي المتزايد لإيران من ناحية أخرى، فسوريا تعد بمثابة القلب بالنسبة إلى الاستراتيجية الإيرانيّة.

أم الدافع أو الهدف الثاني فهو إيديولوجي مذهبي، بوقوعها في عمق الهلال الشيعي المذهبي الذي يمتد من العراق مرورا بسوريا وصولا إلى لبنان فالخليج العربي، وتطور هذا المشروع التوسعي خلال فترتي حكم الرئيس السابق أحمدي نجاد بتدشينه ميثاق الأفق العشريني الذي تأسس على قاعدة مذهبية لتحويل إيران بحلول عام 2025 في الإقليم إلى “الدولة فوق الإقليميّة”، وحدد الإقليم في الميثاق بـ”منطقة جنوب غرب آسيا”، التي تشمل كلا من الشرق الأوسط ودول الجوار كدائرة حيوية أولى، تليها آسيا الوسطى والقوقاز، وتقع سوريا في عمق الشرق الأوسط.

تدعم إيران نظام الأسد في سوريا لأهداف طائفية وجيوسياسية توسعية تريد من خلالها الوصول إلى المتوسط والهيمنة على المنطقة

تكاليف دعم الأسد

وبحسب العديد من المصادر قدر عدد القوات الإيرانية في سوريا نهاية عام 2016 بنحو ثمانية آلاف مقاتل من الحرس الثوري فقط، يتوزعون في بؤر التوتر ومناطق النزاع، خصوصا في دمشق وريف دمشق واللاذقية، لكسب الحرب وميل المعادلة لصالح إيران والأسد وذلك قبيل عام من التدخل الروسي المباشر.

والحديث هنا عن قائد “فيلق القدس” بـ”الحرس الثوري” الجنرال “قاسم سليماني” الذي يتنقل ما بين العراق وسوريا، والعميد “إسماعيل قاآني” نائب “سليماني” في “قوّة القدس” الذي يتولى قيادة قوات الحرس في معارك ريف حلب، والعميد “قاسم رستمي”، القائد السابق لمقر “خاتم” التابع لقوات الحرس ووزير النفط في ولاية الرئيس الإيراني الأسبق “أحمدي نجاد”، وتكمن مهمته القتالية في قيادة الإسناد الحربي في سوريا.

وفي المقابل بلغ عدد القتلى من هؤلاء القادة منذ بداية التدخل الإيراني في سوريا بعيد عام 2011 أكثر من 1000 قتيل، بحسب ما أوردته صحيفة “تسنيم” الإيرانيّة المقربة من الحرس الثوري، بينما العدد المتوقع أكثر من ذلك بكثير.

وبينما يقدر خبراء في مركز فارس للدراسات الشرق أوسطية قيمة المبالغ الإيرانية المدفوعة لنظام الأسد نقدا وتسليحا وتجهيزا وتدريبا بخمسة عشر مليار دولار سنويا، بالإضافة إلى ملياري دولار للميليشيات القادمة من العراق ولبنان وغيرهما، قدرت صحيفة “ساينس مونيتور” الأمريكية الدعم الإيراني المالي المقدم للنظام بخمسة وثلاثين مليار دولار سنويا.

وحشدت إيران العديد من الميليشيات على رأسها “زينبيون” وهم الشيعة الباكستانيون القاطنون في إيران، و”فاطميون” وهم الشيعة الأفغان القاطنون في إيران، بالإضافة إلى “حزب الله” اللبناني و”حزب الله” العراقي و”عصائب أهل الحق” و”أبو الفضل العباس” و”ذو الفقار” و”كتائب سيد الشهداء” و”سرايا خراساني” و”حركة النجباء”، وكلها تشكلت من قبل قوات “الحرس الثوري” الإيراني.

وتشير التقديرات إلى أن عدد أعضاء تلك الميليشيات التي دربتها إيران في ثلاثة معسكرات هي “الإمام علي” شمال طهران، و”أمير المؤمنين” غرب طهران، و”مرصاد شيراز” الذي يعد من أهم مراكز تدريب المقاتلين الأجانب، نحو 40 ألف مقاتل غير عسكري، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن أعدادهم 60 ألفا، كما أعلنت في أغسطس 2016 عن تشكيل قوات عسكرية شيعية عابرة للحدود تحت عنوان “الجيش الشيعي الحر” بقيادة “قاسم سليماني”، مقرها سوريا ويتكون من ميليشيات “فاطميون، زينبيون، حيدريون”.

قدرت صحيفة “ساينس مونيتور” الأمريكية الدعم الإيراني المالي المقدم لنظام الأسد بخمسة وثلاثين مليار دولار سنويا.

محددات الدور الإيراني

وعدد “عبد الرؤوف مصطفى الغنيمي” العديد من المحددات أو العوائق التي تقف في وجه الأهداف الإيرانية في سوريا وأولها التحالفات العربية الإسلامية في مقابل المشروع الجيوسياسي الإيراني مثل “التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن” و”التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب”، وهو حلف عسكري بقيادة المملكة العربية السعودية يضم واحدا وأربعين دولة مسلمة، ويملك غرفة عمليات مشتركة بالرياض، ثم أجمعت الدول الـ55 العربية الإسلامية بالإضافة إلى الولايات المتحدة المشاركة في القمة العربية الإسلامية الأمريكية التي انعقدت بالرياض يوم 21/5/2017 على مفهوم “الإرهاب الإيراني”، واعتبار من ينفذ، بل من يمول الإرهاب بكل أشكاله وألوانه بما في ذلك الميليشيات المسلحة في سوريا والعراق واليمن ولبنان إرهابا دوليا يجب مواجهته ومكافحته بشتى السبل.

وثانيها هو التقارب الروسي التركي وهو ما يثير توجسات إيران تجاه تركيا لكنها لا تخاطر في الدخول بصراع مفتوح مع جارتها تركيا، وثالثها هو الرفض الإسرائيلي للوجود الإيراني في سوريا والمطالية المستمرة بسحب الميليشيات واستهدافها، ورابعها الرفض الأمريكي  للوجود الإيراني في سوريا واعتبار ترامب أن “النظام الإيراني هو الممول الأساسي للإرهاب الدولي”، فضلا عن تحركات الإدارة الأمريكية ضد إيران في سوريا، ومنها استهداف قاعدة الشعيرات بسوريا واستهداف طيران التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة موكبا عسكريا للميليشيات الإيرانية يوم 17/5/2017 كان يتقدم باتجاه قاعدة التنف العسكرية، على الحدود العراقية الأردنية السورية.

تقف العديد من العوائق أمام سياسية إيران في سوريا على رأسها التحركات العربية والإسلامية والدولية ضد إيران

الصراع الروسي الإيراني

وتعتبر التحركات الروسية أحد أهم العوائق التي تقف في وجه النفوذ الإيراني في سوريا وخاصة بعد التدخل العسكري الروسي المباشر لصالح النظام في سبتمبر 2015 والدخول بعدها في اتفاقات إقليمية مع تركيا عن طريق “استانة” وهو ما حد من الدور الإيراني في إدلب والجنوب.

ورأى الدكتور “عبد الرؤوف مصطفى الغنيمي” في دراسته أنه لا يوجد في السياسة صداقة دائمة ولا عداوات دائمة، وإنما توجد مصالح دائمة، فحيثما اتسقت المصالح لدولتين أو أكثر من الدول توطدت العلاقة، وعندما تعارضت المصالح توترت العلاقة، فرغم التقاء البلدين على طاولات شراكة سياسية واقتصادية وعسكرية في الملف السوري، فإنهما يشكلان تحالفا للضرورة أكثر من أي شيء آخر، فأربعة قرون من العداء التاريخي وعشرات السنين من الاختلاف الإيديولوجي لا يمكن أن تصنع شراكة استراتيجية بين أي طرفين، بل شراكة ضرورة فريدة من نوعها في العلاقات الدولية، وتبدو هنا أشبه بالدائمة، وهذا لأن مسببها الأساسي لن يزول في المدى القريب، ألا وهو قيادة الولايات المتحدة الأحادية للنظام الدولي الذي تغيرت بوصلته بعد الحرب الباردة، وانهيار معادلة الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي.

وتتمحور الخلافات الروسية الإيرانية في سوريا في العديد من الاتجاهات أولها الخلاف في المنطلقات والأهداف والوسائل، وثانيها الخلافات حول أولويات الجبهات العسكرية ففي حين تركز روسيا على ريف حلب الشمالي لحسابات مرتبطة بتركيا، كانت إيران تركز على ريف حلب الجنوبي والشرقي لحسابات متعلقة بالمعارضة وتنظيم “داعش” والتغيير الديموغرافي في كفريا والفوعة في إدلب، وثالثها الخلاف حول مستقبل الميليشيات الإيرانية في سوريا حيث تسعى إيران لتوطيد نفوذها من خلال تفريخ عشرات الميليشيات على شاكلة “حزب الله” لضمان مشروعها الطائفي الذي اصطدم بالموقف الروسي لخوض معارك طائفية أو وجود ميليشيات طائفية غير منضبطة على تخوم إسرائيل من جهة أخرى، لذلك سهلت روسيا لإسرائيل استهداف قادة “حزب الله” من خلال اتفاق أمني بين موسكو وتل أبيب.

وثالثها الخلافات حول كيفية الحل السياسي الذي يتمحور حول تغيير النظام وشخصية بشار الأسد، ورابعها الخلافات حول طبيعة العلاقة مع دول الخليج حيث تختلف أهداف روسيا وإيران في ما يخص طبيعة العلاقات مع دول الخليج العربي.

تراجع الدور الإيراني

وأفاد “عبد الرؤوف مصطفى الغنيمي” في دراسته بأن مساحة الدور الإيراني في سوريا كانت أكبر بكثير من حجم القدرات القومية المتاحة للدولة الإيرانية بالنظر إلى تردي الأوضاع الاقتصادية الإيرانية وافتقادها القدرة على مجابهة التحولات في السياسات الإقليمية والدولية التي تسعى لمحاصرة إيران وتقليم أظافرها في سوريا وميليشياتها وضرب مشروعها التوسعي، كما أن المقدرات الإيرانية ليست بمقدرات الدولة السوبر، بينما تصنف في العلاقات الدولية كدولة متوسطة القوة لا تمكنها من التوسع كما تخطط وتطمح، وبما أن مساحة الدور الإيراني زادت عن مقدرات الدولة الإيرانية فإن احتمالات انهياره تزداد وفق نظرية الدور في العلاقات الدولية نتيجة حجم القدرات غير المناسبة مع المواقف الجادة والتحركات المضادة لمحاصرة إيران والقضاء على دورها في سوريا وغيرها كالتحركات الأمريكية والخليجية والتركية والعربية.

أما من حيث السيناريوهات المستقبلية المتوقعة للدور الإيراني في سوريا فأولها من المحتمل أن يتصاعد الدور الإيراني في المعادلة السورية في ظل الأوضاع الراهنة لكون سوريا تمثل حلقة رئيسية ضمن حلقات الحزام المذهبي المستهدف لإعادة البناء الإمبراطوري الإيراني من جديد، وهناك مؤشرات لتحقق هذا السيناريو من حيث امتلاكها بعض الأوراق التي يمكن تحريكها والتأثير من خلالها، ومنها ورقة الميليشيات المسلحة المنتشرة على الأرض، ووجود رؤية واستراتيجية إيرانية محددة، وقيادات مؤمنة بها، تعمل جاهدة على تنفيذها من خلال مؤسسات متنوعة، باستخدام أدوات القوة بشقيها، الصلبة والناعمة، على نحو جعلتها قادرة على كسب وشراء ولاءات بعض القيادات السياسية والفكرية من خارج التيار الشيعي.

إضافة لذلك فإن حالة التراخي العربي وتباينات الرؤى الخليجية تجاه بعض الملفات الخطيرة في المنطقة، خصوصا ملف الإرهاب ومكافحته والأزمة السورية واليمنية، فإذا ما استمر التعامل العربي مع التهديدات الإيرانية على هذا النحو فمن المتوقع، ليس فقط التوسع في سوريا، وإنما أن تتحرش ميليشيات الحشد الشيعي أكثر بالدول العربية عامة والخليجية خاصة.

أما السيناريو الثاني وهو ثبات الدور الإيراني ويشير هذا السيناريو إلى وصول المشروع الإيراني في سوريا إلى الحد المسموح به إقليميا ودوليا، إذ يقف الدور الإيراني عند نقطة الثبات في المناطق السورية المسيطر عليها من قبل الميليشيات الشيعية دون تقدم لتلك النقطة من خلال الضغوط الإقليمية كتركيا أو الدولية مثل روسيا، ولكن هذا السيناريو أيضا غير مرجح لعدم احتواء القواميس الإيرانية على ما يسمى بمبدأ الثبات، إذ إن المشروع الإيراني توسعي لا يقبل الارتكان، خصوصا في ظل النظام الإيراني الثيوقراطي ذي الأفكار التوسعية، وهذا ما يتعارض الآن مع المصالح الأمريكية والروسية والتركية.

أما السيناريو الثالث وهو أفول الدور الإيراني ويشير هذا السيناريو المرجح إلى أفول نجم إيران في سوريا وحدوث تحولات تحول دون إعلان إيران إحراز تقدم استراتيجي بعد أن تحولت بعض المناطق السورية إلى دائرة تحاصر إيران ومكتسباتها منذ عام 2011، وهناك مؤشرات لتحقق هذا السيناريو وهي غياب الحاضنة الاجتماعية بخلاف الحال في لبنان والعراق، وتكتل الحركات تحت لواء فصيل وقيادة واحدة بعد سقوط حلب تستطيع حينها الصمود والهجوم بشكل أقوى وأوسع، بالإضافة إلى التكلفة المالية الضخمة التي بات يتطلبها المشروع الإيراني في ظل تردي الاقتصاد الإيراني رغم رفع العقوبات الاقتصادية، إذ إن مساحة الدور ثبت أنها أكبر من قدراتها القومية، كما أن الرفض الروسي التركي للتقدم العسكري الإيراني وإدراكهم الرغبة الإيرانية في إعلان النصر الاستراتيجي والسيطرة على مناطق نفوذ تتعارض والمصالح الروسية والتركية، بالإضافة إلى اندلاع الخلافات الروسية الإيرانيّة التي من شأنها عدم سماح روسيا لإيران للتوسع على حساب مصالحها في سوريا.

كما أن السياسات الأمريكية الجديدة تجاه إيران ورفضها المشروع الإيراني التوسعي في المنطقة قولا في تصريحات ترامب وفريقه الرئاسي، وفعلا في الضربات العسكرية الأمريكية على قاعدة الشعيرات الجوية ومحيط قاعدة التنف العسكريّة لوقف التمدد الإيراني.

كما أن تراجع وانسحاب بعض الميليشيات الإيرانية من نقاط تمركز متقدمة إلى الوراء من اللاذقية إلى التنف، وما يعكس مصداقية ذلك تصريحات رئيس الشؤون الاستراتيجية في معهد الدراسات السياسية والدولية بوزارة الخارجية الإيرانية الدبلوماسي “مصطفى زهراني” بأن النظام الإيراني بدأ يفكر بإخراج قواته ومرتزقته من الأراضي السورية، وأن هذا الخيار أصبح مطروحا بشكل جدي للنقاش في إيران، ولكن لا تملك بلاده استراتيجية للخروج من الحرب في سوريا.

التراجع الاقتصادي الإيراني وزيادة الإنفاق العسكري على الميليشيات الطائفية قد يؤدي إلى أفول الدور الإيراني في سوريا مستقبلا

الخاسر المحتمل

وقال الباحث “عبد الرؤوف مصطفى الغنيمي” إن إيران هي الطرف المحتمل أن يكون الخاسر في سوريا، إذ لم تخسر فقط تكلفة مالية ضخمة للقضاء على المعارضة وإنما خسرت الأرواح والمقاتلين العسكريين وغير العسكريين، وأصبحت حلب محاصرة لها، ثم خسرت العالم السني برمته نتيجة الحرب الطائفية ضد كل من هو سني، ليس فقط في سوريا، بل في كل الدول المستهدفة كالعراق ولبنان واليمن وغيرها من الدول العربية والإسلامية، كما أن واشنطن تقول إن زمن التغاضي الأميركي عن التمدد الإيراني أو تأييده ضمنيا انتهى مع رحيل أوباما، وكل ذلك سوف يعود بإيران إلى موقع المحاصر.

 

شاهد أيضاً

مقتل قيادي وعناصر من “قسد” في ريف دير الزور

قُتل قيادي بارز في مليشيات “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) من جراء المعارك مع “داعش” الإرهابي …

النظام يستفز السوريين: تجهيزات لإعادة تمثال حافظ الأسد إلى درعا مهد الثورة

يحضّر النظام السوري لإعادة نصب تمثال حافظ الأسد في مدينة درعا، جنوبي البلاد، وذلك مع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

one × one =