الآن
الرئيسية / تحقيقات / آلاف الجثث في المقابر الجماعية بالرقة.. من المسؤول عن “الجريمة”؟
المقابر تضم آلاف الجثث - انترنت
المقابر تضم آلاف الجثث - انترنت

آلاف الجثث في المقابر الجماعية بالرقة.. من المسؤول عن “الجريمة”؟

صدى الشام - عمار الحلبي/

تستمر عمليات انتشال مئات الجثث من مقابر جماعية في محافظة الرقة شمالي البلاد، فلا يكاد يمر يوم دون أن نسمع عن انتشال الفرق التابعة لـ “مجلس الرقة المدني” لعدد من الجثث المدفونة في مقبرة جماعية تحتوي على أعداد كبيرة من جثث المدنيين.

تكمن المشكلة في أن هذه الجثث لا يتم الكشف عن أي معلومات عنها سواء هويتها أو الأسباب التي أدت إلى وفاتها أو تاريخ الوفاة أو حتى أي معلومات أخرى لها علاقة بهذه الجثث.

ووسط هذا الغموض الذي يلف الموضوع هناك احتمالان الأول أن يكون التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن قد قتلهم، والثاني أن يكون تنظيم “داعش” هو المسؤول عن قتلهم.

ومنذ أن سيطرت ميليشيات “قوات سوريا الديمقراطية” “قسد” المدعومة من قبل التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” وحتى اليوم، اكتشفت “قسد” عددا كبيرا من المقابر، غير أنها منذ ذلك الحين تعلن أنها عثرت على مقبرة جماعية وتعلن عدد الجثث لهذه المقبرة وتخفي أي تفاصيل أخرى، حيث يطالب حقوقيون ونشطاء بالكشف عن مصير الجثث أو أي معلومات عنها.

 

القصة الكاملة

في السابع عشر من شهر تشرين الأول من عام ٢٠١٧، أعلنت “قوات سوريا الديمقراطية” أنها سيطرت بشكل كامل على مدينة الرقة بعد أن طردت تنظيم “داعش” منها.

عملية السيطرة هذه جاءت بعد معارك عنيفة استمرت لأربع أشهر، وعقب بقاء التنظيم في عاصمته الرقة لمدة أربع سنوات.

بعد السيطرة، شكلت “قوات سوريا الديمقراطية” بدعم من التحالف الدولي ما عرف بـ “مجلس الرقة المدني”، ومهمته إجراء تأهيل للمدينة بإمكانات محدودة من أجل تيسير عودة المدنيين، ومنذ ذلك الحين بدأ هذا المجلس يعثر في كل فترة على مقبرة جماعية جديدة داخل الرقة.

بحسب ناشط يعيش في محافظة الرقة، رفض الكشف عن هويته، يعود سبب قتل المدنيين الذين بداخل هذه المقابر إلى مصدرين اثنين، الأول وهو الاكثر ترجيحا أن يكون هؤلاء المدنيين، هم من قتلوا خلال الغارات الجوية للتحالف الدولي على الرقة خلال معركة إخراج تنظيم “داعش” منها، أما الاحتمال الثاني فهو لمدنيين قتلهم تنظيم “داعش” في الرقة وقام بدفنهم.

لكن الناشط ذاته أوضح لـ”صدى الشام” أن ما يزيد عن ٩٥٪ من هذه الجثث التي يتم اكتشافها في المقابر الجماعية نتجت عن قصف التحالف قائلا: “تنظيم داعش كان يقوم بعمليات إعدام فردية بسبب مخالفات متعددة كالسرقة والزنا وسب الذات الإلهية وغيرها، ولم تردنا معلومات أنه ارتكب مجازر جماعية”.

وأضاف أنه حتى لو كان التنظيم ارتكب هذه المجازر، فإنه من المؤكد أنه ارتكبها قبل الحملة العسكرية على الرقة عندما كان يعيش أيام رخائه وبالتالي بإمكانه أن يدفنهم بطريقة طبيعية تبعد الشبهات عنه، أو أن يولي أقارب الضحية بأن تدفنه بالطرق المعتادة، لافتا إلى أن التنظيم كان ينفذ عمليات القتل والإعدام في الساحات العامة وينشأ إصدارا لها وبالتالي فإنه ليس لديه مشكلة تدفعه لمحاولة إخفاء معالم جريمته.

وأشار إلى أنه خلال حملة “قوات سوريا الديمقراطية” على الرقة، التي كانت مدعومة بشكل أساسي من طيران التحالف الدولي، كان يسقط يوميا عشرات القتلى بين المدنيين، وبسبب كثافة القصف واستمراره فإنه كان من الصعب على المدنيين القيام بعمليات الدفن المعتادة، لذلك تم اللجوء خلال الحملة إلى الدفن في المقابر الجماعية.

ترجح مصادر أن معظم أصحاب الجثث في المقابر الجماعية بالرقة لقوا حتفهم نتيجة القصف العنيف من التحالف و”قسد”

 

مقابر بالجملة

قبل أيام، أعلنت لجنة إعادة الإعمار التابعة لمجلس الرقى المدني “انتشال نحو 1236 جثة من ثلاث مقابر جماعية في الرقة”.

وذكرت اللجنة، في بيان لها، أن “عددا من الجثث المدفونة ما يزال تحت أنقاض المنازل وفي أماكن لم يتم التعرف عليها بعد”.

وتعتبر عملية الانتشال هذه هي الأكبر، لكنها لم تكن الأولى، حيث سبقها، عثور الفرق ذاتها، على مقبرة جماعية جديدة، تعود لأشخاص قيل إن تنظيم “داعش” هو من قتلهم، دون معرفة فيما إذا كانت الجثث داخل المقبرة تعود لقتلى مدنيين أو عسكريين.

وذكر “مجلس الرقة المدني” في منشور له على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” أن “فرق الاستجابة الأولية التابعة له، اكتشفت.. مقبرة جماعية جديدة في منطقة ملعب الفرات القريبة من جسر المنصور القديم في مدينة الرقة” زاعما أن المقبرة من مخلفات تنظيم “داعش”.

عاد بعدها الفريق ذاته، لإكتشاف، مقبرتين جماعيتين تضمان عشرات الجثث مجهولة الهوية، داخل ملعب “الرشيد” شمالي مركز مدينة الرقة.

وبحسب ما تحدث “مجلس الرقة المدني” وهو ذراع إدارية لـ”قوات سوريا الديمقراطية” “قسد” في المدينة، فإن هذه الجثث تعود لضحايا قتلوا خلال سيطرة تنظيم “داعش” على محافظة الرقة، ودفنوا بشكل جماعي، وأشار إلى أن معظم هذه الجثث تعود لأشخاص مجهولي الهوية، أو جهاديين.

وسبقها العثور على مقبرة سابقة في الملعب البلدي، وعدة مقابر أخرى في الحدائق والساحات العامة، حيث رصدت “صدى الشام” عثور فرق الإنقاذ على ما يزيد عن خمس عشرة مقبرة منذ مطلع عام ٢٠١٨ الحالي، حيث بدأت عمليات العثور على هذه مع بدايات هذا العام.

تشرف ميليشيات “قسد” المدعومة من التحالف الدولي على عملية انتشال الجثث من المقابر وتتكتم عن المعلومات المتعلقة بها

 

لماذا “داعش”

تكمن المشكلة الرئيسية، في أن المؤسسات التابعة لـ”مجلس الرقة المدني” والمقربة من التحالف الدولي، تجزم بأن من قتل هذه الجثث هو تنظيم “داعش”، دون أن تقدم أي دليل علمي على مزاعمها، حيث لم تعرض هذه الفرق أي تحاليل أو وثائق أو أدلة طب شرعي تؤكد أن تنظيم “داعش” هو فعلا من قتل هؤلاء المدنيين داخل تلك المقابر الجماعية.

ويرى المحامي السوري أحمد العمر المقيم في داخل سوريا، أنه من الطبيعي ألا يفصح هذا المجلس المدني أو التحالف الدولي على حقيقة الجثث، لأن كشف حقيقتها يعني توجيه إدانة جاهزة ضد التحالف الدولي، وبما أن التحالف هو من يدير هذه العملية فإنه حتما لن يقدّم أي أدلة يدين بها نفسه، حسب العمر.

وأضاف في حديث لـ “صدى الشام” أنه من خلال متابعته للموضوع فإن هذه الجثث دفنت خلال عمليات القصف على الرقة من قبل طيران التحالف.

وشكك أيضا في الخطوة الأخيرة التي اتخذها “مجلس الرقة المدني”، والمتمثلة بنقل الجثث من ضمن ملعب “الرشيد” وحديقة “جواد أنزور” وحديقة “7 نيسان” وبجانب الجسر العتيق إلى خارج المدينة، قائلا إن هذه الخطوة من شأنها أن تخفي معالم الجريمة وتجعل من الصعب التأكد من هوية القتلى أو الطريقة التي قتلوا بها.

وتابع: “أهالي الرقة الذين كانوا يعيشون فيها خلال العملية العسكرية يعرفون جيدا أن بداخل هذه المقابر يوجد مدنيين قتلوا خلال غارات التحالف الدولي” موضحا أن بعض المدنيين شاركوا بعمليات الدفن هناك بعد أن انهمك تنظيم داعش بالمعركة ولم يعد بإمكان المدنيين التحرك إلى المقابر في محيط الرقة، مرجحا أن يكون من بين الجثث، جثثا تعود إلى عناصر لتنظيم “داعش” كون التحالف قتل منهم الكثير خلال عمليته العسكرية”

تزعم ميليشيات “قوات سوريا الديمقراطية” أن “داعش” كان وراء قتل المدنيين المدفونين في المقابر الجماعية بالرقة

 

النظام يحاول الدخول على الخط

استغل نظام الأسد، حالة “التخبط” التي تعيشها “قسد” في التعامل مع الجثث، وعدم الإفصاح بأي معلومة عنها، وأبدى استعداده للتدخل بالأمر.

وقال مدير الهيئة العامة للطب الشرعي التابع لنظام الأسد في سوريا “زاهر حجو” إن المعلومات المتوفرة لدى الهيئة تؤكد وجود عشرة آلاف شخص دفنوا في المقابر الجماعية في الرقة.

وفي تصريح “الوطن” المقربة من نظام الأسد والتي يملكها رجل الأعمال رامي مخلوف أكد “حجو” وجود أربعة آلاف جثة في مقبرة واحدة في تلك المدينة، مشيرا إلى أن وزير الصحة “نزار يازجي” وافق على تشكيل لجنة من الهيئة للتعرف عن الرفات التي تم اكتشافها وتم نقلها إلى المشفى العسكري في حلب.

وأكد مدير الطب الشرعي أن الهيئة وضعت برنامجا للتعرف على الرفات يبدأ من موضوع الأسنان ثم العظام وأخيرا اللجوء إلى تحليل “D.N.A” ، مشيرا إلى أن العمل سيبدأ خلال أيام قليلة وأنه سيترأس اللجنة.

وأوضح “حجو” أن الهيئة تعلم مكان وجود المقابر وهي في المناطق التي تسيطر عليها مليشيات “قوات سوريا الديمقراطية”، وهي جاهزة لنبشها حينما يتم الأمر في ذلك.

وطالب “حجو” أن تكون الهيئة مسؤولة عن موضوع الاستعراف على الجثث بشكل كامل باعتبار أن لديها فرق مدربة وخبراء في ذلك وأطباء مدربون في العديد من الدول على هذا البرنامج ما يسهل التعرف إلى الجثث بأسرع وقت ممكن.

وأضاف “حجو” زاعما أن الهيئة هي الوحيدة القادرة على القيام بهذه المهمة، موضحا أن الاستعراف هو موضوع إنساني وأخلاقي قبل أن يكون موضوعا طبيا، مضيفا: “من واجبنا أن نقوم بهذا العمل”.

وأكد أن الهيئة رفعت كتابا إلى وزارة الصحة تضمن مطالبتها الإشراف على مرحلة نبش القبور لكيلا تخلط بالرفات، كاشفا عن قرار أصدره وزير الصحة تضمن ضم كل مراكز الاستعراف إلى الهيئة العامة للطب الشرعي بعدما كانت تتبع إلى المركز الوطني للطب الشرعي الذي تم إلغاؤه بعد إحداث الهيئة.

وفي غضون ذلك أعلن “حجو” أنه سيتم افتتاح مخبر “D.N.A” بعد شهر، وسيكون هو الأول من نوعه يتبع إلى الهيئة، موضحا أنه سيكون له فائدة كبيرة على مستوى كشف الجثث المجهولة والجرائم.

طالبت هيومن رايتس ووتش المجتمع الدولي بتقديم المساعدة للفرق التي تقوم بفتح المقابر من أجل التعرف على هوية الجثث

 

هيومان رايتس ووتش تطالب بالمساعدة

ودعت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، المجتمع الدولي إلى تقديم المساعدة التقنية لمجموعة محلية في مدينة الرقة المعقل السابق لتنظيم “داعش”، تعمل على فتح المقابر الجماعية والتعرف على أصحاب رفات آلاف الجثث.

وذكرت المنظمة في تقرير لها أنه “يجب دعم مجموعة محلية تعمل لكشف مقابر جماعية شمال شرقي سوريا كانت تحت سيطرة تنظيم داعش وتقديم المساعدة التقنية لها لحفظ الأدلة على جرائم محتملة والتعرف على الرفات”.

وأضافت أنه ستكون لـ “تحديد الأشخاص المفقودين والحفاظ على الأدلة لمحاكمات المحتملة آثار على العدالة في سوريا ككل”.

وأوضحت أنه خلال أكثر من ثلاث أعوام من سيطرته على المدينة، نفذ التنظيم المتطرف عمليات قتل وإعدام جماعية، إذ تقدر السلطات المحلية مقتل الآلاف خلال معركة استعادة المدينة تم دفن كثيرين منهم على عجل، ومنهم من بقيت جثثهم تحت الأنقاض.

وأفادت مديرة قسم الطوارئ بالوكالة في المنظمة “برايانكا موتابارثي”، عن وجود “9 مقابر جماعية على الأقل في مدينة الرقة، في كل منها عشرات الجثث إن لم تكن المئات، ما يجعل استخراج الجثث مهمة غير سهلة”.

وأكدت أن المساعدة التقنية ضرورية لتوفير الأجوبة للعائلات وعدم إلحاق الضرر أو “تدمير الأدلة الحاسمة لجهود العدالة المستقبلية”.

ويسجل الفريق التابع لـ”مجلس الرقة المدني” وفق المنظمة “أسباب الوفاة المحتملة، والإصابات والجنس ولون الشعر والطول واللباس والعمر التقريبي، إذا كان بالإمكان تحديده، وكذلك أي شيء موجود مع الجثة”.

لكن “نقص المعدات التقنية والخبرة في مجال الطب الشرعي، بالإضافة إلى مرور سبعة أشهر على الأقل منذ الدفن الأولي، جعل عملية تحديد الهوية غير دقيقة وقابلة للخطأ”، وفق المنظمة.

 

شاهد أيضاً

“الاتحاد الديمقراطي” من تشويه “القضية الكردية” إلى حضن النظام

لم تقف واشنطن مع حليفها “وحدات حماية الشعب الكردي” الجناح العسكري لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” …

“القانون 10” نسخة لسرقة إسرائيل أملاك الفلسطينيين

ما تزال أصداء “القانون” الذي أصدره نظام الأسد تحت مسمى “المرسوم التشريعي رقم 10 لعام …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

twenty − fifteen =